تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (4 ـ 7 )

الحاجة إلى الجمال

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
18 - ذو القعدة - 1441 هـ| 09 - يوليو - 2020


1

ذكرنا في الحلقات السابقة أن عالم النفس الأمريكي ماسلو، تأمل الاحتياجات التي يحتاجها الناس فوجدها ثمانية أنواع، ورتبها حسب شدة احتياج الإنسان لها، بشكل هرمي، ويمكنكم الاطلاع عليها في المنشورات السابقة حتى تكتمل الفائدة

ونتحدث اليوم عن الحاجة الخامسة وهي الحاجة إلى الجمال

والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل الإنسان فعلا في حاجة إلى الجمال؟ وما المقصود بالجمال؟

تخيلوا لو أن كل ما حولنا قبيح، أشكالنا قبيحة، ونفوسنا قبيحة، والأطعمة التي نأكلها، والماء الذي نشربه، الفواكه التي نشتهيها، رائحتها قبيحة وطعمها قبيح، والطبيعة التي حولنا قبيحة، ولا يوجد إبداع ولا فنون، وكل شيء يحيط بنا قبيح.

هذا القبح سينعكس على نظرتنا للحياة وتمسكنا بها، وسوف تقوى لدى البعض نوازع الرغبة في التخلص منها، وكثيرا ما ترددت على ألسنة بعض الذين حاولوا الانتحار مقولة (لم أعد أطيق الحياة، كل ما حولي قبيح)

فلا شك أن الإنسان كما يحتاج إلى الطعام والشراب وكما يحتاج إلى الشعور بالأمان والانتماء وكما يسعى إلى التقدير والاحترام، فإنه يحتاج كذلك إلى الشعور بجمال الحياة، ابتداء من جمال طعامه وشرابه، وجمال مسكنه وملبسه، وجمال أسرته التي ينتمي إليها، وجمال الحي الذي يسكن فيه، وجمال الناس والزملاء والأصدقاء حوله، وجمال الطبيعة والزهور والورود، وجمال الطيور والكائنات، وجمال القيم والأخلاق، وجمال الإبداع بمختلف صوره، والله سبحانه ما خلق شيئا إلا وكان الجمال مقصودا فيه، وهو سبحانه جميل يحب الجمال وصف نفسه (بديع السموات والأرض)

انظروا إلى أنواع الفواكه على سبيل المثال، الموز والتفاح والبرتقال والرمان أشكال وروائح وألوان مختلفة، وهي بالأساس أغذية تمد الجسم بعناصر أساسية، لكن الله سبحانه وتعالى خلقها في صورة بهيجة وجعل لها رائحة ذكية كي تسر النفس وتمنحها الشعور بالجمال

انظروا إلى الأنعام، الخيل والبقر والإبل والغنم، قال تعالى : (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون)

إن جمال الإنسان يختلف عن جمال المخلوقات لأنه لا يقتصر على حسن المظهر وجمال الصورة فحسب، فجمال الإنسان الحقيقي يتجسد في جمال داخله، و هو الجمال الذي لا يزول أبدا.

فإذا كان سلوكك جميلا فإنه يعكس طريقة تفكيرك الجميلة ونظرتك المتفائلة للحياة والعكس صحيح

فأنت جميل مهما كانت ملامحك إذا كان قلبك جميلا وعشرتك جميلة

أنت جميل إذا وصلت من وصلك وأعطيت من أعطاك وقدرت من قدرك، وستكون أكثر جمالا إذا سامحت من ظلمك، ووصلت من قطعك، وأعطيت من حرمك.

أنت جميل إذا كنت تغلب النظرة الإيجابية للحياة.

مر أصحاب عيسى عليه السلام على جيفة كلب نتنة، فتأففوا وأخذوا بآنافهم وقالوا: ما أشد نتن هذا الكلب! فقال عيسى عليه السلام: وما أشد بياض أسنانه!

إنه يريد ان يقول لهم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) : ما من شيء إلا وفيه جمال، وعينك هي التي تقع على القبح أو الجمال، فعود عينك على رؤية الجمال فيما حولك.

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يوصف بأنه حلو المعشر فهذا هو الجمال الحقيقي جمال المعاملة وحلاوة المعاشرة

نحن في حاجة إلى الترويح عن النفس وإلى المشاعر الجميلة وتغليب النظرة الإيجابية للحياة و مشاعر حسن الظن بالآخرين، والعفو، والتراحم، والتسامح والتفاؤل والتصالح مع النفس ومع الناس ومع الحياة، هذه المشاعر المريحة والجميلة هي طاقة وغذاء لصحة النفس وعافيتها.

إن التركيز بشكل مستمر على مظاهر القبح في الحياة يضعف قدرة الإنسان على الصبر والتحمل، وللأسف فإن أغلب الرسائل التي نستقبلها يوميا من وسائل التواصل الاجتماعي، هي رسائل سلبية ومتشائمة وضارة بصحتنا النفسية، تدور في معظمها حول (أن السلبيات تغطي كافة جوانب الحياة، وأن الظلم في كل مكان وأن الناس سيئون، وأن الحياة قاسية) كل هذه الأفكار إن تمكنت من النفس بشكل متواصل، أصابت صاحبها بمرض الاكتئاب الذي ربما يفضي عند البعض إلى الاضطرابات النفسية الحادة.

صحيح أن اهتمام المرأة على وجه الخصوص بجمالها وارتباطها بأدوات الزينة أمر فطري لا تلام عليه، لكن المرأة الواعية المثقفة تدرك أن جمال صورتها لا يغني عن جمال طباعها، فجمال الجوهر هو الذي يعكس الجمال الحقيقي للمرأة والمرأة الذكية هي التي تلتفت إلى نفسها بقدر أكبر من الاهتمام، لتعتني بجمال أفكارها ومشاعرها وسلوكها كعنايتها بجمال بشرتها وعينيها وشعرها.

وبعض النساء يبالغن في الانشغال بالزينة إلى درجة الهوس، وربما يقودهن التفكير إلى عمليات التجميل، رغم عدم الحاجة لها، فأولى بها أن تعتني بتجميل داخلها قبل أي شيء، لأنها لن تستطيع أن تصل إلى الشعور بالجمال مالم يكن داخلها جميلا، فالجمال شعور ينبع من الداخل، وينعكس على الخارج، ولن يستفيد أحد من جمال ملامح أحد، مالم يكن هذا الجمال يسكن في أعماقه وطريقة تفكيره ومشاعره وسلوكه.

إن الأفكار الإيجابية الجميلة تجعل النفس كالحديقة الغناء الممتلئة بالورود والزهور، يشتم منها صاحبها أطيب ريح ، يعيش مرتاحا ومطمئنا ينعم براحة البال وهدوء النفس وينعكس هذا الاطمئنان الذي بداخله على كل شيء حوله

أما الأفكار السلبية القاسية كالكراهية والغضب والكبر والغل والحقد والحسد تجعل النفس كالأرض البور المتشققة التي يتناثر بها الشوك، يجرح النفس ويدمي القلب، فيعيش صاحبها في قلق وتوتر، وألم متواصل، يأكل نفسه من شدة الغيظ، كالنار التي تأكل بعضها، فيصبح تعيسا ومحروما من الشعور بالراحة والجمال حتى لو كان كل ما حوله جميلا.. كما قال الشاعر:

والذي نفسه بغير جمال ... ... ... لا يرى في الوجود شيئا جميلا

وفي الحلقة القادمة نتناول (الحاجة إلى المعرفة) .. إلى اللقاء

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...