اجتماع العبادات في العشر المباركات...

كتاب لها
02 - ذو الحجة - 1441 هـ| 23 - يوليو - 2020


1

الحمد لله الذي فضل بعض الأيام على بعض، وفضل بعض الليالي على بعض، وفضل بعض الأماكن على بعض، ثم أرشدنا ودلنا على ذلك لنغتنم الفرصة، ونستثمر هذه المواسم المباركة في الطاعات و الإكثار من عمل الصالحات، ونتقرب إلى الله بالمسارعة في الخيرات، ونبعد أنفسنا عن المعاصي والمنكرات، وأن نستعين على ذلك بتذكر الموت، وعذاب القبر، ونتذكر اليوم الآخر، ونشتاق للجنات والنعيم، ونفر من النار وصفات أهلها، وبذلك نحاول أن تزود بالتقوى فنحن قد منحنا فرصا عظيمة لحصول الأجر ومغفرة الذنوب ورفع الدرجات؛ للوصول للقلب السليم الذي ينفع العبد يوم الدين، "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ".

منحة جديدة، وفرح بعد حزن:

 مَن منَّا لم يحزن لفراق شهر رمضان الكريم، على ما فيه من فضائل وخصائص لا تجتمع في غيره؛ والكل تمنى لو طالت تلك الأيام المباركات ليزداد تقربًا وتعبدًا لله، وينال ثوابًا عظيمًا أو ليغفر الله له، ويعتق من النار.

  والله سبحانه وتعالى الجواد الكريم، وقد علم فقرنا وحاجتنا للتجديد التوبة، ومنحنا فرصة أخرى لمغفرة الذنوب، والعفو عن التقصير؛  فها هو سبحانه وتعالى يسعد القلوب ويمنحنا الفرصة لنتوب، ويتفضل على العباد بنفحة جديدة مباركة طيبة هي فرصة جديدة لمحو الذنوب، وغسل الخطايا، ورفع الدرجات، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً" رواه الطبراني وحسنه الهيثمي في المجمع 10/231، وعن أنس  بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم". رواه أبو نعيم، وابن عساكر، وصححه الهيثمي في المجمع، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.

هذه الأيام فيها  نفحة طيبة مباركة  يمَنَّ الله تعالى بها علينا،  وهي هذه الأشهر الحرم التي نحيا في ظلها الآن، وقد تميزت بميزات عديدة، وتفضلت بخصائص فريدة، ففيها فضائل كثيرة يُعظم فيها الأجر، ويَكثر فيها الفضل، رحمة من الله تعالى بالعباد؛ ليكون ذلك عونًا لهم على الإكثار من العمل الصالح والرغبة في الطاعة، وتجديد النشاط؛ ليحظى المسلم بنصيب وافر من الثواب، فيتأهب للموت قبل قدومه ويتزود ليوم المعاد. 

"ومن فوائد مواسم الطاعة: سدّ الخلل واستدراك النقص، وتعويض ما فات، وما من موسم من هذه المواسم الفاضلة إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف الطاعة يتقرب بها العباد إليه، ولله تعالى فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من طاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات". (لطائف المعرف لابن رجب، ص 40).

  فينبغي على المسلم أن يتعرض في هذه العشر المباركات لنفحات رحمة الله عز وجل، وذلك بالإكثار من العمل الصالح في هذه الأيام ، ومن لم يقدر الله له ذلك، فعليه بالتزود من سائر الطاعات، مثل: الصيام، والقيام وقراءة القرآن، و الإكثار من التكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد والاستغفار.

 

 فهذه العشر الأوائل من ذي الحجة موسم من مواسم الطّاعة العظيمة التي فضّلها الله تعالى على سائر أيام العام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر . قالوا ولا الجهاد في سبيل الله !! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" رواه البخاري.

 وعنه أيضاً رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى" قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " رواه الدارمي 1/357 وإسناده حسن كما في الإرواء 3/398.

 فهذه النصوص وغيرها تدلّ على أنّ هذه العشر أفضل من سائر أيام السنة من غير استثناء شيء منها، حتى العشر الأواخر من رمضان. ولكنّ ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل لاشتمالها على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وبهذا يحصل الجمع بين الأدلة.

لماذا فضلت هذه الأيام على بقية أيام العام؟

    بين ذلك الإمام  ابن حجر العسقلاني في فتح الباري فقال: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره" وقد يكون المقصود  بالصدقة: الأضحية.

 

  فضيلة هذه العشر جاءت من أمور كثيرة منها(*):

 

1. أن الله تعالى أقسم بها: والله تعالى لا يقسم بشيء من مخلوقاته إلا للدلالة على أهميته وعظمته، قال تعالى: (والفجر وليال عشر) قال غير واحد من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة. راجع تفسير ابن كثير.

 

2. أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد أنها أفضل أيام الدنيا كما تقدّم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري. كما أنه حث فيها على العمل الصالح والإكثار منه.

 

3. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فيها بكثرة التسبيح والتحميد والتكبير كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " . أخرجه أحمد، وصحّح إسناده الشيخ شاكر.

 

4. أن فيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدّين، فهو يوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً.

 

وصيام يوم عرفة يكفّر آثام سنتين كما ورد في الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم.

 

 

فالأعمال الفاضلة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في عشر ذي الحجة كثيرة، وكل بحسب طاقته، فمن يحب أن يتقرب إلى الله تعالى بالصيام والذكر فليفعل، و أعمال الخير كثيرة والفرص المتاحة عديدة.

 

فإدراك هذا العشر نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العبد، يقدّرها حق قدرها الصالحون المشمّرون. و واجب المسلم استشعار هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة، وذلك بأن يخص هذا العشر بمزيد من العناية، وأن يجاهد نفسه بالطاعة. وإن من فضل الله تعالى على عباده كثرة طرق الخيرات، وتنوع سبل الطاعات؛ ليجدد نشاط المسلم، ويبقى ملازماً للعبادة  ومواظبا على طريق الاستقامة.

 

فعلى المسلم أن يحسن استقبال مواسم الخير ويفرح بقدومها، ويجدد  التوبة الصادقة النصوح، ويحاول مجاهدة نفسه ((والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا)) العنكبوت: 69.   فيلزم نفسه بفعل الطاعات، وهجر المنكرات، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، فإن الذنوب هي التي تحرم الإنسان فضل ربه، وتحجب قلبه عن مولاه.

 وعلينا أن ننوي و نعزم العزم الصادق على اغتنام هذه الأيام المباركة بما يرضي الله عز وجل، فمن نصر الله في نفسه وكان صادقا مع الله نصره الله عز وجل "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" سورة محمد .

 بل ونحاول أن نسارع إلى فعل الطاعات قال تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين)) آل عمران:133.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

بكالوريوس أصول الدين قسم السنة وعلومها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1406=1986م بتفوق والحمد لله وكان ترتيبي الثاني.
حصلت على درجة التخصص (الماجستير) عام 1413هـ =1993م في كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها، تحقيق ودراسة مسند أبي داود الطيالسي.

قدمت ولله الحمد إنتاجا مقبولا، لكن لم يطبع منه إلا القليل.
1. فهارس كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض)، بالإشتراك مع جماعة التخريج بكلية أصول الدين تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
2. وبالطريقة نفسها شاركت في إعداد فهارس تارج جرجان للسهمي، (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض).
3. أعددت مجموعة من المؤلفات: أبحاث وكتب ومقالات نشر بعضها، ومن المواد الجاهزة للطباعة: الجزء المفقود من مسند أبي داود ( في مجلد واحد، جزء من رسالة الماجستير) .
4. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة للديانات والفرق والمذاهب والحركات المعاصرة:
الدعوة السلفية في الجزيرة العربية للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
5. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة: العمل الجماعي في الإسلام.
6. من الأبحاث التي قمت بتعديلها (وإضافة ما يقرب من النصف لبعضها ) وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الدعوات: الدعوة السلفية في مصر، الدعوة السلفية في الشام، جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان، جماعة التكفير و الهجرة بمصر والسودان، جماعة التوقف والتبين بمصر.
7. من الأبحاث التي قمت بتلخيصها وصياغتها من كتاب المؤلف الأصلي وبعض المراجع الأخرى، وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الجماعات: حزب التحرير، الاتحاد الإسلامي الكردستاني.من الفرق: الزيدية. من الطرق الصوفية : العزمية، الدسوقية، الرفاعية، التجانية، البوتشوسية. من الاتجاهات المعاصرة: العقلانية، العصرانية، القومية العربية.
8. من المقالات أو الموضوعات المنشورة: حسن الخلق والعمل الجماعي نشر في مجلة المستقبل(العدد144) التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض.
9. من المقالات المنشورة: الاعتداء على رجال الأمن: نشر بجريدة المدينة المنورة، ونشر في بعض المواقع والمنتديات.
10. من المقالات أو الموضوعات أو البحوث المنشورة في بعض المواقع بالشبكة مثل موقع الفقه الإسلامي وغيره:
*الضوابط المالية في الإسلام.
* اليقين بأن المستقبل لهذا الدين.
*حكم الاحتفال بشم النسيم وبيان تاريخه وأصله.
*حكم الاحتفال بعيد الأم.
*التوجيهات الفتية للسعادة الأبدية.
*التهيؤ لاستقبال رمضان.
*خطوات عملية لكيفية الاعتزاز باللغة العربية. *شؤم المعصية.
* يا إخواني لا نقبل في الشهيد غير التهاني(الشيخ أحمد ياسين).
*صفات عباد الرحمن.
* من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في شعبان.
*محاسبة النفس.
* نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين.
* الترغيب في قيام الليل.
* السياحة إلى أين، شجعوا السياحة في بلدانكم الإسلامية.
* من أجمل النساء.
* نفحات رحمات من الأيام المعلومات.
* مخيمنا غرق ونجونا والحمد لله.
11. كتاب تيسير فقه العبادات. (أسباب الاختلاف بين العلماء، الصلاة وبقية أركان الإسلام).
12. دروس ومحاضرات وبحوث، ومقالات، وخطب منوعة: الدعاء، شروطه، آدابه، أسباب عدم إجابة الدعاء، الإخلاص، الذكر، القناعة، الأخوة وحل مشكلاتها. الوفاء، دروس في السيرة النبوية، مجاهدة النفس وتزكيتها، صلاة الجماعة، والرد على ادعاء الحق الديني والتاريخي لليهود، دروس في مصطلح الحديث، الجدية، تغيير المنكر بالقوة، الربانية، الاستفادة بالوقت، الثبات في زمن التقلبات، السنن الإلهية في النصر والتغيير، الثقة.
13. تيسير فقه الحج وفقه العمرة ضمن ملف متكامل عن الحج (محاضرات: الأخوة، آفات اللسان، قصة البيت الحرام، نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين، مناسك الحج والعمرة، مجموعة أشرطة مختارة مرئية ومسموعة).
14. كتاب الوجيز في الديانات والفرق و المذاهب المعاصرة(اليهودية، النصرانية، البوذية، القاديانية، الصوفية، الشيعة، العلمانية، الرأسمالية، الوجودية).
15. الحديث المرسل: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: محمد الفهيد عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
16. ابن الأثير وكتابه جامع الأصول: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: أبو لبابة حسين عميد كلية الزيتونة بتونس.
17. الياقوت في القنوت: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: فالح الصغير عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
18. تحقيق وتخريج وتوثيق الجزء الثالث عشر من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين(الصلاة) ط.دار المؤيد والثريا بالرياض.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...