المرح في بيت المسلم...

كتاب لها
23 - ذو الحجة - 1441 هـ| 13 - أغسطس - 2020


1

يظن بعض المسلمين أن السيطرة والقمع  والعبوس  والتوجيهات  الحادة  واللوم  والتقريع بكل قوة، من وسائل السيطرة على بيته، ظاناً أنها وسيلة ناجحة في إدارة بيته، متناسياً حال النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فقد كانت الدعابة والمرح والانبساط الصادق هو النهج الذي يحرك الأمور، تراه في أحد أسفاره يداعب أمنا عائشة - رضي الله عنه - يسابقها  لكنها سبقته، ومرت الأيام وكبرت في السن ، وكثر اللحم في جسدها وتكررت الملاعبة، ولكن كان الفوز من نصيبه - صلى الله عليه وسلم ـ وقتها ، فقال لها بروح الزوج المحب لزوجته: "هذه بتلك السبقة"رواه أبو داود وصححه الألباني.  وهذه الرواية التي تبين مراعاة أن السباق بعيدا عن أعين الناس فقد أخبرت عائشة رضي الله عنه أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي جارية (قالت: لم أحمل اللحم ولم أبدن) فقال لأصحابه: تقدموا فتقدموا ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي فلما كان بعد (وفي رواية فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت) خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: تقدموا فتقدموا ثم قال: تعالي أسابقك ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذا الحال؟ فقال: لتفعلن فسابقته فسبقني فجعل يضحك وقال: "هذه بتلك السبقة".

نتمنى أن ترجع بيوتنا سعيدة لا تخلو من دعابة ومرح، ألم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بساماً طوال وقته، بل من أبش الناس وأطيبهم نفساً - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى النسائي: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه، يذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر، ويضحكون، ويتبسم صلى الله عليه وسلم" رواه النسائي، وصححه الألباني.

ليس عذراً أن الواحد يحمل ما يحمل، ووقته مشغول، وضغوط عمله صعبة عسيرة، إليك خير البشر عليه الصلاة والسلام  يحمل أكبر دعوة في تاريخ البشرية، ومع هذا .. كان إذا دخل بيته كان بساماً بشوشاً، واحد من أهل البيت، يكنس داره، ويخصف نعله، ويرفل ثوبه، فقد كان في مهنة أهله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد، وصححه الألباني: "سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: يخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته. وفي رواية: قالت: ما يصنع أحدكم في بيته؟: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخيط.

بل كان له شأن مع صغار البيت. فكان الحسن والحسين – رضي الله عنهما - يركبان على ظهره، وفى مرة كان يَصُفُّ عبد الله وعبيد الله وكثيرًا من بني العباس - رضي الله عنهم - ثم يقول: "من سبق إلى فله كذا وكذا"، قال: "فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم"رواه الإمام أحمد في مسنده وضعفه الشيخ شاكر والألباني.

 وهكذا كان صلى الله عليه وسلم في بيته.

يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه الرائع فيض الخاطر: "ليس المبتسمون للحياة أسعد حالاً لأنفسهم فقط، بل هم كذلك أقدر على العمل وأكثر احتمالاً للمسؤولية وأصلح لمواجهة الشدائد ومعالجة الصعاب والإتيان بعظائم الأمور.. وهناك نفوس تستطيع أن تصنع من كل شيء شقاء.. ونفوس تستطيع أن تصنع من كل شيء سعادة.. فهناك المرأة في بيتها كل شيء أسود في يومها؛ لأن طبقاً كُسر ولأن نوعاً من الطعام زاد الملح فيه.. ولأن... وهناك رجل يُنغص على نفسه حياته وكذلك على كل من حوله من كلمة يسمعها أو يؤولها تأويلاً سيئاً أو من عمل تافه حدث له".

فهيا نتعلم فن الحياة ونملأ بيوتنا مرحاً وسعادة وحب.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


محمود القلعاوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...