التنمر الذاتي (1-2) ..

تحت العشرين » اختراق
11 - محرم - 1442 هـ| 30 - أغسطس - 2020


1

يعتبر التنمر نوع من أنواع الإيذاء المتعمد المُوجه لشخص بعينه يستهدفه، إما بطريقة مباشرة أو عن طريق التنمر الإلكتروني وفي كليهما يقع الإيذاء على النفس؛ مما قد يتسبب بحصاره في دائرة من المشاعر السلبية والتي قد يؤدي استمرارها لظهور مشكلات نفسية وسلوكية.

إلا أننا هنا نتناول نوعاً آخر من التنمر والذي يصدر من الذات وعليها؛ ليحاصرها بهالة ضخمة من المشاعر والأفكار السلبية والتي على أقل تقدير يمكن وصفها بأنها تقهر الثقة بالنفس والتقدير الذاتي فضلاً على إسقاطه في حالة من القلق والاكتئاب. ولأنها صادرة من الذات نفسها فهي تلقى قبولاً وتصديقاً ولا يتم إيقاف هذا النوع من التنمر وغالباً لا يتم إدراكه إلا بعد فترة زمنية ليست بالقليلة وتحديداً عند ظهور بعض الأعراض السلبية وعندها قد يلجأ الشخص لمن يساعده على تجاوز ما حل به من تغيرات مزعجة في أفكاره ومشاعره وسلوكياته والتي تركت بصمتها على حياته الشخصية والمهنية والاجتماعية. وحينها يُدرك عواقب أساليب التنمر الذاتي التي كان يمارسها.

 

وقد يبدو التنمر الذاتي أمراً مستنكراً؛ لإدراكنا أن التنمر يكون موجه بشكل مقصود وبالتالي كيف يكون هذا التنمر الذاتي موجهاً للذات بشكل مقصود؟!

حقيقة رغم تشابه هذا النوع من التنمر مع غيره في الآثار السلبية إلا أنه يختلف في شكله الخارجي لأنه يصدر من النفس لا من مصدر خارجي وكذلك لأنه يظهر بقناع من الإيجابية الذي تتقبله النفس بل وتقمصه لاعتقادها أنه يحقق لها بعض الأهداف والمكاسب في طريق النجاح أو النمو الشخصي ولا يظهر بوجهه الحقيقي إلا عندما تظهر المعاناة من نتائجه السلبية وتصبح النفس رهينة له. ويمكن إيجاز أهم أساليب التنمر الذاتي فيما يلي:

جلد الذات: ويُقصد به توجيه النقد والملامة للذات بشكل متكرر نتيجة المرور بموقف محبط أو إخفاق. فبدلاً من التعامل مع الموقف بشكل واقعي وتفحص الأسباب لعلاجها يتم إسقاط هذا الموقف السلبي على الذات على أنها المسبب الرئيسي. وغالباً ما يكون نتيجة اعتناق بعض المعتقدات السلبية التي يعتقد أنها تساعده على الإنجاز بشكل أفضل، كأن يعتقد أنه بلومه لذاته إنما يصحح مسارها ويدفعها لتنجز فيكثر من لومها على أقل خطأ، وينكر نجاحه أو لا يراه نجاحاً لأنه لم يصل للمستوى الذي يريده ويعتقد أنه بحديثه لذاته بأن ما وصل إليه لا يعد نجاحاً وتكرار لوم نفسه لأنها قد أخطأت في عدة مواقف.. أن ذلك يشكل دافعاً لها لتنجز أكثر ولا تركن لما وصلت إليه فيستمر في تجاهل أي نجاح بل ولومها على أي تقصير. بالإضافة إلى الاعتقاد أن هذا الأسلوب يساعده على التواضع لأنه لو استشعر حجم إنجازه ونجاحه فإنه قد يصيبه الغرور أو أن تضعف همته عن العمل وبالتالي ينكره ويبدأ بجلد ذاته ولومها وعلى نفس النهج فيلوم نفسه على أي خطأ على اعتبار أن ذلك يدعمه ليصحح خطأه ولا يقع فيه مرة أخرى. ويتطور لوم الذات بصور عدة ليجعل دائرة المسؤولية الشخصية أكثر اتساعاً؛ لتشمل بعض أخطاء الآخرين بتقديم الأعذار لهم عما يرتكبونه من أخطاء أو تقصير وتحميل النفس جانباً منه بشكل أو بآخر. ويعتقد أن في ذلك جانباً إيجابياً يساعده في تغيير سلوكياته وتطوير ذاته لاستيعاب الآخرين فهو مسؤول عن تغيير نفسه لا غيره فيراكم الأخطاء عليها ويجنبها الآخرين حتى يصل لدرجة من الانهيار السلبية.

أنماط التفكير الغير عقلاني (المشوه): هي أنماط من التفكير منحرفة عن الواقع والعقلانية تتسبب في إدراك خاطئ عن الذات والمواقف المختلفة مما ينتج عنها انفعالات سلبية وسلوكيات من نفس النوع. وكثيراً ما تكون موجهة للذات وتشمل عدة أنواع منها:

1- الترشيح: وهو نمط ملتوي من التفكير يجعل التركيز على نقطة واحدة في كل موقف فلو قدم عمله بشكل ناجح ومتكامل لكن أشار مديره في العمل لنقطة صغيرة تحتاج للمراجعة فإنه يتجاهل كل إيجابيات الموقف ويركز على ما تم التعليق عليه ويعظمه ويدخل نفسه في الكثير من لوم الذات والتأنيب. ويبدأ من خلال هذا النمط من التفكير جذب كل المواقف التي مرت به من القديم للحديث لكنه ينظر إليها بنفس المنظار السلبي فقط متجاهلاً أي نقاط إيجابية؛ ليصل لنمط آخر من التفكير الملتوي عندما يصبغ كل مواقف حياته بنفس لون الموقف السلبي الذي اعتنقه والذي لم يكن إلا جانباً من جوانب إحدى المواقف فيعمم هذا الموقف على كل مواقف حياته كما في الفكرة التالية.  

2- التعميم: فمجرد الإخفاق في موقف يصبغ كل المواقف بطابع الفشل فيحدث نفسه قائلاً (أخفقت في كل جوانب حياتي) لن أقدم على وظيفة لأني لا أصلح للعمل مما يجره للخوف من الفشل والخوف من المستقبل والحقيقة أنه أخفق في موقف أو اثنين لكن لاستخدامه للتعميم جعله يعمم إخفاقه على كل ما مضى بل وسيحجم عن بعض السلوكيات في المستقبل نتيجة اقتناعه بالفكرة. وهي بوابة لينتقل من خلالها لنوع آخر من التفكير المشوه وهو العنونة.

3- العنونة: فيبدأ بوصف نفسه صفات سلبية بناء على أخطاء عابرة عممها على جوانب حياته كلها فيصف نفسه (بالفاشل) لأنه أخفق في موقف والمشكلة تكمن في تقبل الخطأ من الآخرين لكنه لا يسمح لنفسه بالخطأ لأنه يستخدم نمط التفكير المتطرف الحدي.

4- التفكير الحدي: الذي يصنف من خلاله ذاته إما جيد أو سيء بناء على المواقف فلا يوجد مساحة رمادية تقبل أن يكون شخصاً جيداً لكنه مُخطئ. بل ومن الطبيعي أن يقع في الخطأ وذلك لا يجعل منه سيئاً فالخطأ من طبع البشر لكن هذا التطرف في التفكير يجره للكمال الذي يصبح معياره الشخصي للنجاح أو الإنجاز والإيجابية الشخصية.. فيصبح هدفه وأي خطأ يحرمه من الإتقان والمثالية يوقعه في السلبية ولوم الذات.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...