التنمر الذاتي (2-2)..

تحت العشرين » اختراق
11 - محرم - 1442 هـ| 30 - أغسطس - 2020


1

الحوار الذاتي السلبي

هو برمجة عقلية فكرية تتحكم في طريقة التفكير وبالتالي المشاعر والسلوكيات فتتخذ من أنماط التفكير المشوه قاعدة حوارية يرسل من خلالها المُحاور رسائل سلبية لنفسه من خلال توجيه الحوار الناقد لها فيكثر من لو فعلت كذا لتجنبت الإخفاق.. لو لم أكن فاشلاً لتجنبت الموقف.. وتستمر حلقة لو ولوم الذات دون أي ثمرة. ومنها يتكون الحوار الذاتي السلبي فيخاطب نفسه عند الإقدام لموقف جديد قائلاً ألا يكفي أني فشلت في الوظيفة السابقة.. حتماً سأفشل في هذه أيضاً هل أعيد نفس التجربة!

أنا فاشل لا أصلح لأي عمل.. أنا عديم الجدوى.. لأنه أخفق في موقف ما أو قارن نفسه بغيره. وفي هذا الحوار هزيمة للذات وقتل للثقة وبوابة للدخول في الاكتئاب لأنه جعل من حدث عابر نقطة تحول في حياته فأصبح فاشل بسبب الإخفاق فيه ولن يبادر بمواقف أخرى خوفاً من إخفاق جديد وبالتالي يظل حبيس مشاعره التي تزداد يوماً بعد يوم لأنه يرى من حوله يتقدم وينجز وهو فقط يرسل رسائل سلبية لذاته ويزداد تنمراً عليها. ويمتد الحوار السلبي ليشمل جوانب عديدة من المواقف والأمور الشخصية نتيجة الإحساس بالدونية وضعف الثقة بالنفس.

ظلم الذات: بمنح الآخرين حقوقه الشخصية لاسترضائهم تحت مظلة التضحية من أجل الآخرين. وهي تختلف تماماً عن التضحية الإيجابية في كونها تضحية قسرية هدفها استرضاءهم ومنحهم حق الاستغلال والانتهاك لحقوقه. لا تضحية اختيارية تحفظ له حقوقه مع منحهم بقدر الاستطاعة. وكذلك يظهر الظلم للذات بأن يقارن سلبياته بإيجابيات الآخرين على اعتبار انهم قد تفوقوا في ذلك الموقف وأخفق هو ولا يسعى للحصول على الصورة بشكلها الكامل فيرى الجوانب الإيجابية له وما حققه من نجاح وتقدم بل يتوقف عند الحد الأول ويستمر في رثاء نفسه. وعلى شاكلتها أيضاً ما يغطي به ضعف تقدير ذاته أو تدني الثقة بنفسه بذوبان الحدود الشخصية فيستجيب لجميع مطالب الآخرين بدون قيود حتى لو كان على حساب نفسه لاعتقاده أن هذا علامة واضحة لما يتمتع به من شخصية طيبة وإخلاص فيكثر تكرار (لأني طيب أسكت عن حقي.. ولأني طيب أوافق على تحمل مسؤوليات غيري وأتنازل عن حقوقي) وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقول لا في المواقف التي تحتاج لذلك.

 

الاستسلام لبعض المخاوف: دون طلب علاجها على اعتبار أن استمراره في دائرة المخاوف يحقق له بعض المكاسب الثانوية مثلاً يحد من الذنوب. كاعتقاد أن الخوف من الموت هو مهم للتقرب أكثر من الله بالعمل الصالح كما هو الحال مع مريض نوبات الهلع يعتقد بتمسكه بالخوف من الموت في كل لحظة دافعاً ليكون ملتزماً بكل ما هو خير وبعيداً عن السوء. وقد يكون استسلامه نتيجة معتقدات خاطئة عن العلاج النفسي فيهول هذا الجانب على حساب راحة نفسه.

إن وقف التنمر الذاتي هو أحد أهم حقوق أنفسنا علينا وأحد دعائم الشحصية الإيجابية السوية الواثقة وسبيلنا للنجاح ولا يكون ذلك إلا بإدراك حدود مسؤولياتنا تجاه أنفسنا أولاً قبل أن ندرك ما لغيرنا من حقوق ومسؤوليات. وكذلك تصحيح المعتقدات والأفكار اللا عقلانية التي تتسبب في تنمرنا على أنفسنا ونبدأ بنظرة جديدة أكثر واقعية وعقلانية فتصحيح مسار مشاعرنا لا يكون إلا بتصحيح أفكارنا فلا يشوه السلوك والانفعالات شيء أكثر من تشوه الأفكار.

 

فلنمنح أنفسنا فرصة لتحاول وتخطئ ونتقبل الخطأ على أنه سمة إنسانية لكل البشر وأول طريق النجاح فمن لا يُخطئ دليل لا على كماله بل على عدم تقدمه من مكانه وجمود مبادراته. فالخطأ إنما هو السبيل الأقصر للنجاح والتعلم ولا نجاح دون خطأ المهم التعلم منه لا العيش في مشاعر اللوم تجاهه.

ولنسامح أنفسنا على ما مضى ونستشعر ما ننجز؛ لنتقدم أكثر ومن الجيد أن نكافئ أنفسنا ونفتح باب المبادرة وأن نواجه كل مخاوفنا لنكسرها ونثبت لأنفسنا أنها وهم.

 

ونمنح أنفسنا التوازن النفسي بالحوار الإيجابي فنحن من نبرمج عقولنا اللا واعية بما نريده من رسائل والتي بدورها توجهنا لنمضي بثقة فقط نحتاج لتكرارها ونحن مؤمنون بها. وكم نحن بحاجة للتخلص من كل رواسب الماضي بالتعلم من تجاربه وتجاهل الانفعالات المزعجة تجاه أحداثه. وأن نتقدم بأنفسنا في طريق الثقة بالتعبير عن مشاعرنا وآرائنا مدركين لحقوقنا وأن لنا حقوق كما هو علينا واجبات. مصححين لما تعودنا تغطيته من سلوكيات خاطئة. فالطيبة لا تعني ظلم أنفسنا أو أن نجعل من أوقاتنا وجهدنا وحقوقنا سبيلاً لمن أراد الاستغلال أو التعدي علينا من خلالها. فلم تكن الطيبة يوماً بإجحاف حقوقنا، بل علينا أن نتذكر أننا نستحق أن نراعي مشاعر أنفسنا وأن ذلك يصب في مصحتنا فمقارنة أنفسنا بغيرنا لن تدعم تقدمنا بل تقتل ثقتنا وتحول بين سلامة صدورنا. بل نقارن أنفسنا بأنفسنا فيما مضى ونقارن بين ما حصلنا عليه من نتائج الآن بالسابق لنمنح أنفسنا الدافعية للتقدم. ولنعطي أنفسنا حقها بالنظر لكافة جوانبنا بأن نرى الصورة كاملة فنشيد بإنجازاتنا ونهتم بتصحيح أخطائنا. فإن أشد الظلم ما كان من ذوي القربى.. وأشد التنمر ما كان من الذات نفسها. فكما نستنكر ظلم الأخرين لأنفسنا علينا أن ننصف أنفسنا بدفع الظلم عنها ومنحها أن تحيا في رحاب السلام الذاتي فلأنفسنا علينا حقوق.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...