السفور والتبرج

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
02 - جمادى الآخرة - 1424 هـ| 01 - أغسطس - 2003


 

لقيت المرأة المسلمة من التشريع الإسلامي عناية فائقة كفيلة بأن تصون عفتها، وتجعلها عزيزة الجانب سامية المكانة، وإن القيود التي فرضت عليها في ملبسها وزينتها لم تكن إلا لسد ذريعة الفساد التي تنتج عن التبرج بالزينة، فما صنعه الإسلام ليس تقييداً لحرية المرأة، بل هو وقاية لها من أن تسقط في درك المهانة، ووحل الابتذال، أو تكون مسرحاً لأعين الناظرين.

وفي كل مجتمع لا يهتدي بهدي الإسلام ولا يزن أعرافه وتقاليده بميزان الشرع الحنيف، تُمتهن المرأة وتبتذل أنوثتها، وتُضطرها أعراف المجتمع إلى السفور والتهتك، وتجبرها التقاليد الاجتماعية الجاهلية على إظهار محاسنها ومفاتنها وعَرْضها على الرجال في الأسواق والطرقات، وفي المصانع والمكاتب، وفي النوادي وأماكن اللهو والفجور.

إنَّ الإسلام حين شرع الحجاب تكريماً للنساء وصيانة لهن من أن يتعرض لهن الفسَّاق والأرذال بالسوء من القول أو الفعل، وحماية لأنوثتهن من أن يعتدي عليها أهل البغي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ..} والمراد من إدناء الجلابيب في الآية: تغطية الوجوه وسترها؛ لأنَّ النساء أمرن أولاً في سورة (النور) أن يضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، ثم جاء الأمر بإدناء الجلابيب في سورة الأحزاب، لتغطي النساء وجوههن. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب".

وأمَّا ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، أنّ أسماء دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقيقة، فأعرض عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "يا أسماء إنَّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" فهذا الحديث ضعيف، إذ هو ساقط الإسناد، عليل المتن، وأسماء رضى الله عنها أجلّ من أن تدخل على المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الهيئة.

ولذا قال بعض العلماء: إنَّ من استدل بحديث عائشة هذا على إباحة كشف المرأة وجهها فهو داعية للسفور.

ولقد أمر الله تعالى أمهات المؤمنين أن يسترن وجوههن بقوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}.

عباد الله: فإذا كان كشف وجوه نساء النبي صلى الله عليه وسلم لا تؤمن معه الفتنة على الرغم من كونهن أطهر النساء، وأكثرهن عفافاً، والصحابة أكمل الناس إيماناً وأبعدهم عن الريبة، إضافة إلى كون نساء النبي أمهات للمؤمنين، فكيف تؤمن الريبة والفتنة، في كشف وجوه غيرهن من النساء، أمام رجال العصور التالية؟

أم أنّ الله تعالى يريد الطهر والعفاف لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة الكرام، ويريد غير ذلك أو يرضى بغير ذلك لسائر النساء والرجال من المؤمنين والمؤمنات؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

هذا،  والإسلام أمر النساء بالقرار في البيوت ونهاهن عن السفور في الأسواق والتبرج في الشوارع والطرقات، والتبختر في المنتزهات المختلطة، والأماكن المزدحمة، قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى..}.

حتى الخروج إلى المساجد للصلاة لم يرغِّب الإسلامُ النساءَ فيه، وإن كان لم يمنع النساء من الخروج، بشرط الستر وعدم الزينة ونبذ العطر.

إنَّ البيت هو سكن المرأة المسلمة وقرارها، وفيه أمنها واطمئنانها، وفيه تمارس ما يلبي نداء فطرتها ويشبع ميولها وينمي مواهبها في رعاية الزوج والأطفال؛ لتكون الأسرة مترابطة متماسكة، وبالتالي تكونُ لبنة قوية في بناء المجتمع.

والإسلام إذ أمر النساء بالقرار في البيوت وأعفاهن من السعي والكد في طلب الرزق، ومن الإنفاق، حتى على أنفسهن، أراد أن تتفرغ النساء لمهمتهن الأولى وهي الإنتاج البشري، وهي مهمة خطيرة يترتب على نجاح المرأة فيها صلاح المجتمع وسلامته وتقدمه ورقيه، ويترتب على فشل المرأة في هذه المهمة انحلال المجتمع وانفراط عقده وتخلفه وانحطاطه؛ لأنَّ ما تنجبه المرأة عماد المجتمع في المستقبل وهم قادته وجنوده، وعماله وموظفوه، وعلماؤه ومفكروه، فبمقدار صلاحهم يصلح المجتمع، كما إنَّه يفسد بفسادهم وانحطاطهم.

إنَّ أعداء الإسلام يدركون قيمة الحجاب وأثر قرار المرأة في بيتها، في حماية المرأة المسلمة وصيانة عفتها وطهارتها، وفي دفع الشرور والآثام، وأسباب الانحلال عن المجتمع المسلم؛ لذلك تراهم يشنون على الحجاب حرباً شعواء يصفون بالظلم والجور تارة، وتارة بأنّه دخيل على حياة المسلمين، وتارة ثالثة بأنَّه يحول دون تقدم المجتمع، بل قد قال زعيم هالك: "الحجاب تقليد من التقاليد البالية العتيقة"، كما تراهم يزينون للمرأة الخروج من بيتها بسبب وبدون سبب، ويشبهون البيت بالسجن وبالقبر مرة أخرى {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا}.

وما بأعداء الإسلام عطف على المرأة المسلمة ولا رحمة بها، وما بهم غيرة على الإسلام ولا حبّ للمسلمين، إنَّما هو الكيد المستمر الذي يصدر عن الحقد الدفين والكراهية المكبوتة في نفوسهم، التي حدثنا ربنا تبارك وتعالى عنها بقوله: {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ..}.

اللهم تولَّ عنا أعداءك وردهم على أعقابهم خاسرين يا سميع الدعاء.

لقد شنَّ اليهود الحرب الشعواء على حجاب المرأة المسلمة من قديم، مذ تآمروا على نزع حجاب المرأة المسلمة وكشف سوأتها في سوق بني قينقاع أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زالت حربهم مشبوبة مشتعلة، لا يزيدها الزمن إلا اشتعالاً واضطراماً؛ لأنَّهم يعرفون جيداً أن إفساد المرأة المسلمة إفساد للمجتمع المسلم ودمار له من الداخل، كما أنَّ الصليبية العالمية تقوم بالعمل نفسه وعلى المستوى نفسه، ذلك أنَّ شياطين الصليبية يدركون جيداً أنَّ هدم الأسرة هدم للمجتمع، وأنَّ سفور المرأة وترقبها هدم للأسرة، وتفكيك لأواصرها، فشجعوا المرأة على أن تخرج وتشارك في الجمعيات، كما كان لهم كبير الأثر في استحداث المجلات النسائية في بلاد الإسلام، تلك التي تُظهر المرأة السافرة بمظهر المرأة العصرية المتقدمة، فتحضر في الحفلات المختلطة بأبهى زينة وتصنع ما يصنع الرجل نفسه في حياته اليومية.

وكل أولئك حرب على الحجاب ودعوة إلى السفور والتبرج وهجران البيوت، إلى الأسواق والنوادي، والحفلات المتواصلة.

وقد بيَّن من لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وسلم، بيَّن الضرر الكبير المترتب على خروج النساء من البيوت وتبرجهن، وأنه يعطي أعظم فرصة للشيطان لكي ينصب شباكه ويوقع الناس في شراكه، فقال صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، من حديث ابن مسعود).

كما بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم الضرر الكبير المترتب على فساد النساء وسفورهن، قال: "ما تركت بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء" (متفق عليه).

لذلك فقد نهى الإسلام عن أسباب الإثارة الجنسية كلها، وهي المقصود بالنهي عن التبرج، فلا يجوز للمرأة أن تمس الطيب قبل خروجها من بيتها إذا كانت تمر على الرجال في طريقها، عن أبي موسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس كذا وكذا يعني زانية" (رواه أبوداود والترمذي وقال: حسن صحيح).

ولا يجوز لها أن تمشي مشية فيها دلال وتميع، ولا أن تدل الرجال على زينتها المخفية، قال تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ..} كما لا يجوز لها أن تكلم الرجال بصوت ناعم رقيق {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}.

وثمة رسالتان أنصح كل مسلمة ومسلمة بقراءتهما: "المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم"، و"المرأة في سوق النخاسة العالمي".

واعلموا ـ أيها الأولياء الكرام ـ إنَّ المرأة متى ما تشوقت إلى الخروج من بيتها في كل مناسبة واجبة أو غير واجبة، فإنَّ ذلك نذير شر وعلامة شؤم، وحينئذٍ فلا يحق للولي السكوت والتغافل، وإلا كان مغفلاً غير كفءٍ للولاية. وما زال السلف يوصون أتباعهم بحض النساء على ملازمة البيوت صوناً للحشمة وصيانةً للعرض، وفي أوقات غلبت فيها التقوى ولا يجاهر فيها بالمنكر، حتى قال إمام أهل السنة والجماعة شيخ الإسلام والمسلمين الإمام "أحمد بن حنبل"ـ رحمه الله ـ إذ قال لأصحابه ذات يوم: "ليس للمرأة خروج من بيت أبيها إلا مرتين، إما إلى الزوج وإما إلى القبر". هذا مع ما نقل عنه ـ رحمه الله ـ من اللين والتودد لآل بيته.

إنَّ المرأة المسلمة ـ بحمد الله ـ حين تفتخر بدينها وبعفتها، لتفتخر أيضاً بحجابها، ذلك الحجاب الذي تميَّزت به حتى أصبح من مقومات عزّتها، وتمسكها بحجابها، لا تزيده الأيام إلا شدة، وكثيراً ما يكون الحجاب لديها معياراً للعفة وعدمها، وبالتالي فإنَّ الطاعن في الحجاب عندها تائه لا قيمة له، فليربع على أنفسهم الساخرون بحجاب المرأة، الشانئون له؛ لأنّ مآل جهودهم الخيبة والخسار.

لقد أُبتلينا في هذا الزمان بأُناس يتطفلون على الكتابة ويزعمون أنَّهم يعالجون الأوضاع، يلبسون لباس المصلحين والمربين والمفكرين، ولكنهم في الحقيقة يفسدون ولا يصلحون، لهم أغراض ومآرب مكشوفة، ولا يخفى أمرهم على أحد.

وتطاول هؤلاء فيما تطاولوا على الحجاب، وجعلوه عرضة لسهامهم الخاسئة وعباراتهم التي تنبئ عن قلة دين، وحقد على الخير وأهله، وكان من آخر هؤلاء كاتبة سطحية الفكرة كما يبدو من مقالها الذي أطلقت فيه على الحجاب لقب "الكيس الأسود"، أجل إنَّه كيس أسود يُعف من بداخله عن التردي في أوحال الرذيلة، ويحميها من أعين الذئاب البشرية، إنَّ هذا الكيس الأسود هو عنوان شرف المرأة ورمز عفتها، وهو التاج الذي تزهو به المرأة المسلمة وتفاخر به، ألا فليخسأ الشانئون والحاقدون، وليعلموا أنَّ سهامهم طائشة إن لم ترتد عليهم، وأنَّ سعيهم هباء، وإن هم في أعين الناس إلا ساقطون مرذولون، معدودون في زمرة قاسم أمين وهدى شعراوي من دعاة السفور والفجور.

عن صفية بن شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة رضى الله عنها فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضى الله عنها: "إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أُنزلت سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ..} فانقلب رجالهن إليهم يتلون عليهم ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته، وابنته، وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرطها المرحَّل، فاعتجرت به، تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأنَّ على رؤوسهن الغربان.

أسأل الله أن يحفظنا وإياكم من كل مكروه، وأن يعصمنا من كل فتنة في أنفسنا وفي أهلينا،اللهم يا غوث المتقين ويا أكرم من دُعي وأعزَّ من رُجي أجب دعاءنا وحقق رجاءنا يا أرحم الراحمين.

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...