المرأة المعاصرة!

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
14 - شعبان - 1424 هـ| 10 - اكتوبر - 2003


في الوقت الذي يرسم التاريخ فيه معلماً من معالمه الفاصلة في تاريخ هذه الأمة المبتلاة، وتشتد المعركة بين الحق والباطل ضراوة على أرض الإسلام وفي حصونه، بل في كل بيت من بيوته، تتطلع الأنظار إلى موقع المرأة المسلمة من هذا الصراع الدائر في جانب عظيم من جوانبه عليها هى!!

فدعاة التقى والعفاف والطهارة والفضيلة قائمون على الثغور يذودون عن دين المرأة وكرامتها وعرضها وشرفها، وذئاب الشهوات يتهارشون على القطعان الهائمة في أودية الشهوات ومستنقعات الرذيلة، ويتحفزون للانقضاض على المرأة المسلمة، هذا يمزق الخمار.. وذاك يعري الصدر.. والآخر يروم نزع الإزار؛ لتصبح فريسة ممزقة بمخالب الفاحشة، وطعماً لإيقاع الأمة كلها في شباك المفسدين.

ويتلفت الإنسان في عالمنا المعاصر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً؛ فلا يرى إلا سعار الشهوات وحمى المغريات، ويرى المرأة المسكينة تترنح تحت سياطها وتتلظى بلظاها، ويرى تحت طلاء "العصرية والحرية والحضارة" لهيب الشقاء والنكد والعبودية.. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (سورة طـه:124).

إن جولة واحدة في إحدى كبريات مدن الغرب أو الشرق تكفي لإدراك هذه الحقيقة، ولكن من الذي يرى ذلك حقا؟ إنهم الذين ينظرون بنور الإيمان وعين البصيرة، الذين عرفوا الله وذكروه فعرفهم قيمة أنفسهم وذكرهم فيمن عنده، إنهم الذين فقهوا عن الله أمره، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه؛ فأدركوا أنه لا سعادة ولا طمأنينة لهذه القلوب في العاجلة والعقبى إلا بالعبودية لله وحده واتباع سبيله وحده.

أما الآخرون الذين اجتالهم قرناؤهم من شياطين الجن، واستعبدهم أسيادهم من شياطين الإنسان؛ فمهما رأوا وسمعوا فإنهم تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون..!

في مطار "نيويورك" حيث مشعل الحرية يرى كل واحد من ملايين المسافرين المرأة الأمريكية ـ التي يغبطها سائر نساء الدنيا المغرورات على ما نالت من حرية ومساواة ـ وهي تحمل الحقائب من الطائرة إلى المطار أو العكس على متنها بلا عربة، هكذا رأيتها بأم عينى، وقلت لمرافقي: انظر حال هؤلاء المنكوبات؟! فقال: لكن أكثرهم من السود؟ قلت: وهذه طامة أكبر وسوأة أعظم!!

وفي داخل المطار كانت الموظفة ـ وهى بيضاء! ـ تتضجر من إرهاق العمل، فأراد أن يعزيها ويواسيها، فقالت: رغم كل هذا العناء فأنا سعيدة مادمت في المطار. ولم أفهم أنا شيئا فقالت: إنهم اللصوص خارج المطار؛ إن "نيويورك" مدينة إجرام فظيع، وأحياناً أقول: الشقة أنكد من المطار، وأحياناً أقول: بل المطار أنكد من الشقة!!

وفي الفندق كانت الموظفة عجوزاً متغضنة الإهاب محدودبة الظهر شاحبة الوجه، تنوء يدها بمفاتيح الغرف، وتحدثنا معها قليلا فكانت مأساة من نوع آخر، الزوج طلقها من عقود، والأبناء أحدهما ضائع لا تعلم عنه شيئاً، والآخر في ولاية نائية ولا يهمه من أمرها شيئا، ومصيرها إلى دار العجزة التي تقول إنها أنكد سجون أمريكا، ولهذا اضطرت إلى عمل إضافي تضيع فيه وقتها وتجمع قدرا أكبر من المال، وبالطبع لم نسألها: لأي عمر تجمعه؟! ولم تكنزه؟! فالحياة كلها هناك سفينة هائمة لا يدرى راكبها ولا ربانها إلى أين ستمضى.. {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ} (سورة النمل:66).

كان مرافقي الكريم طوال الوقت يواسينى ويصبرني على المضايقات التي لم آلفها من قبل.. الأجساد العارية.. والنظرات الزائغة.. والإباحية الساقطة.. ولكنى كنت في واد وهو في واد آخر.. وأخيراً صارحته: صحيح أن الإنسان يصعب عليه أن يغض نظره هنا، وإن الفتنة تضطرم في كل مكان، ولكنني لم أجد نفسي في مكان ما أشد أمناً على نظري وقلبي من هذه البلاد! إنها تنور هائل وأهلها مسجورون فيه، وأكاد أرى اللهيب يشوي هذه الأجساد العارية، فأي فتنة حينئذ؟ إن هذه المناظر مدعاة للإشفاق والرثاء، وإن الإنسان مهما انحط في الشهوة لا إخاله يتلذذ بمناظر المعذبين!

أقول لك: إنني لم أكن أظن أن الشفقة على الكافرين تبلغ بي إلى هذا الحد؟!

نعم، نحن نتألم ونبكي لمصاب المرأة المسلمة في الفلبين وأفغانستان وتايلاند وبورما وإريتريا وغرب أفريقيا، وفي كل مكان، ومع ذلك فإن ديننا دين رحمة يدفعنا أيضاً إلى الرثاء لحال هؤلاء النسوة المنكوبات في بلاد الظلمات.

والآن ـ يا أخي ـ عرفت أكثر بكثير أن مروجي الحياة الغربية في وسائل الإعلام المختلفة ودعاة التبرج والسفور.. وكل دعاة العلمانية في البلاد الإسلامية لا يقلون خطرا علينا، من الدمار النووي الذي يهددنا به أعداؤنا!؟

ولكن الفرق أننا ندرك خطر هذا ولا ندرك خطر هؤلاء!



*من مقدمة كتاب: كلمات عابرات للمرأة المسلمة المعاصرة، للشيخ محمد أمين مرزا عالم.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...