موقفنا من حجابنا

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
04 - ذو الحجة - 1424 هـ| 27 - يناير - 2004


موقفنا من حجابنا

هيا الرشيد

 

عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها" (رواه البخاري في صحيحه). قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (الأحزاب/59).

تقول أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ عندما نزلت هذه الآية الكريمة: (خرج نساء الأنصار كأنَّ على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها) فقد تزامن خروج نساء الأنصار بهذا الشكل المهيب مع نزول الآية الكريمة دون تباطؤ أو مماطلة، فعندما نزل قوله تعالى بالأمر بالحجاب سارعن إلى تنفيذ ما أُمرن به، لله درَّهن، فلا نقاش ولا جدال، أمرٌ من الله ورسوله هو المعيار لديهن لسرعة القبول والعمل.

كم مضى من السنوات على تلك المواقف المشرِّفة؟ مئات السنين مرَّت على نزول هذه الأوامر الإلهية، وتحديداً منذ السنة الخامسة للهجرة، وملايين النساء قد ارتدين الحجاب حباً وكرامة، لا تقليداً، ولا طاعة لمخلوقين، ولا مراعاة لعادة دارجة؛ بل طاعة لله ورسوله.

من بعد عهد النبوة والمسلمة تفتح عينيها الصغيرتين على هذه الحياة، وهي ترى أمها وجدَّتها وجميع النساء من حولها يرتدين الحجاب الشرعي، قد تتناوله في صغرها وترتديه تقليداً، ولكن ما إن تشبّ عن الطوق حتى تدرك تماماً أنَّه شرع الله المطهَّر وأنَّه واجب عليها اتباعه، وأمر لا بدّ لها من تنفيذه دون نقاش.

كم جادل المغرضون حول أدوات الحشمة والعفاف، وكم ناقش البطَّالون جدواها، وكم حاولوا الإيحاء بأنَّها قيود ثقيلة وقاسية لا بدَّ من الخلاص منها.

ولكلّ هؤلاء نجد الرد يأتي فعلاً من كل مسلمة أبية تعتز بح جابها، لا قولاً مجرَّداً من التنفيذ، فتلك الأدوات التي هالهم لونها الأسود؛ نجدها بيضاء نقية كالثلج في قلب من التزمت بها، وتمنطقت بما تحويه من العزَّة والكرامة.

أمَّا عن رأيهم كونها قيداً يعوق المرأة عن كونها عنصراً فعالاً في المجتمع المسلم؛ فإليهم تلك النجاحات التي نفخر بها في شتى المجالات، فقد حصلت كثير من نساء المجتمع على أعلى الشهادات وهن متسربلات من أعلى رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن بأدوات الحشمة والوقار.

أمَّا من ناحية العمل فلا اختلاف، خرجن للعمل، ونجحن، ووصلن بالفعل إلى أعلى المناصب، فأين الفشل؟ وأين الخسارة؟ أيجدنها في بعدهن وانعزالهن عن الرجال؟ إنَّه ـ والله ـ مكسب لا خسارة، ولن نتمثَّل في هذا المقام بإحصاءات الغرب الكافر، والتي تبين المضايقات التي تتعرَّض لها المرأة العاملة لديهم من رؤسائها في العمل، والتي تُهان من خلالها عزّتها وكرامتها، فالبعد عن الجنس الآخر يضمن الحرية الحقيقية في العمل، والتركيز في جزئياته، وإنجازه على أكمل وجه.

لهم آراء كثيرة حول حجابنا، سواء داخل عالمنا الإسلامي أم خارجه، ما بين مؤيد ومعارض، وتلك المعارضات بطبيعة الحال لن تجد أذناً صاغية إلا من أصحاب القلوب المريضة فقط، أما المسلمة الحقيقية فلن تضع حجابها أساساً موضع مهاترات دنيئة من أناس هم الأبعد عن الله تعالى. وممَّا يثير الاستغراب ويعيب آراءهم في نفس الوقت؛ ذلك الحكم الذي أصدروه من تلقاء أنفسهم واعتمدوه على أنَّه حقيقة مسلَّم بها؛ وهي رؤيتهم حول الحجاب الذين هم أبعد النَّاس عنه، وقد تناسوا أنَّ رأيهم وشهادتهم فيه مجروحة تماماً؛ لأنهم ليسوا بحال من الأحوال أصحاب الشأن في هذا الأمر، وأصحاب الشأن من المسلمات الملتزمات بشرع الله لهن رأي آخر، فكيف يحكم بالشيء من لم يجربه أصلاً؟! غطاء للوجه، وجلباب طويل، وجوارب سوداء، وقفازات كذلك، أ يرونها قيوداً؟ كيف لهم أن يرونها بهذا الشكل من خلال سماع كلمة، أو نظرة عابرة لمسلمة تسير في حال سبيلها؟! فليسألوا الملتفعات بالسواد عن رأيهن، وليستشفوا طبيعة هذه القيود التي يدَّعونها ممَّن يستخدمنها في عموم حياتهن، فالحجاب شرع الله، ومن المسلَّمات في ديننا، فمن أمرهم ليتحدثوا بألسنتنا؟ ومن خوَّلهم ليدَّعوا الدفاع عنَّا؟ فنحن أصحاب الشأن، فليسمعوا منا، وليعرفوا موقفنا من حجابنا.

نعرف مسبقاً أنَّ السفور قد وجد طريقه بالفعل إلى كثير من الدول الإسلامية قبل عقود من الزمان، ولكنه سفور جرَّ كثيراً من الخسائر على من اتبعنه وعلى أوليائهن، فكان وبالاً عليهم، فهذا السفور الذي بادرت بقبوله كثير من الدول بأفرادها أمر مرفوض لدينا، ونعرف تمام المعرفة بأنَّه بداية لخطوات شيطانية كثيرة، نسأل الله تعالى أن يجنِّبنا ومجتمعنا المسلم شرورها.

نعتز حقيقة بحجابنا، وندرك تماماً أنَّه أداة ستر وعفاف، ونقارن دوماً بين حياتنا بالحجاب وبين السافرات في أماكن أخرى، ونجد أننا بهذا الحجاب قد كفينا أنفسنا ـ بحمد الله ـ كثيراً من الشرور والفتن، ولا مجال مطلقاً للمقارنة بين ما يهيئه لنا هذا الحجاب من أمان وراحة، وبين ما جرَّ السفور على صويحباته من مصائب وويلات.

إذا كانت الحرب قد شُنت هنا وهناك لهتك سترنا، ونبذ حجابنا، فنقول لصنَّاع هذه الأحداث، والمروِّجون لها: إنَّ ما تقومون به إنما هو جرعات تنبيه أعطتنا دفعات مضاعفة من الحماس لهذا الحجاب، وشحنات قوية لنصرته والوقوف سدَّاً منيعاً في وجه كل من تسوِّل له نفسه المساس به، فقد ارتديناه في حياتنا عن قناعة تامة؛ انطلاقاً من تعاليم شريعتنا الغراء.

الحجاب بالنسبة لنا أداة عزة وكرامة، فلا للمرأة عزة ولا كرامة بهتكه، ولا شرف ولا عفة بالتخلي عنه.. فدونكم أيها المتشدقون نساء العالم فساوموهن، أمَّا للمسلمات فلا مساومات على الحجاب.. ولا تنازلات بشأنه مهما كانت الظروف.

 

 

 

 

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


هيا الرشيد

ماجستير ثقافة إسلامية - جامعة الإمام

علامية وكاتبة سعودية

الرياض


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...