كتاب "المرأة الجديدة"

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
27 - رمضان - 1423 هـ| 02 - ديسمبر - 2002


لم يلبث "قاسم أمين" مؤلف "تحرير المرأة" حين واجه معارضة عارمة على أفكاره التحررية التغريبية التي أحرجته كثيرا حتى "أسفر" عن وجهه الحقيقي، وخلع عنه ثوب الحياء، وقناع التدين، وكشف في جرأة وصراحة عن أهدافه المغرضة في كتاب ظهر في العام التالي، وهو كتاب (المرأة الجديدة) الذي بدا فيه أثر الحضارة الغربية واضحا، فالتزم فيه مناهج البحث الأوربية الحديثة، التي ترفض كل المسلمات والعقائد السابقة، سواء منها ما جاء من طريق الدين وما جاء من غير طريقه، ولا تقبل إلا ما يقوم عليه دليل من التجربة أو الواقع على حسب المنهج الذي يسلكه باحثو الاجتماع الأوربيون...هذا الكتاب التغريبي الذي بان عواره وظهر ضلاله لكل ذي عينين يبصر جاءت وزارة الثقافة المصرية متمثلة في "مكتبة الأسرة" لتخرج كتاب المرأة الجديدة من جحوره العفنة، لتنفض عنه أتربة الزمن بعد أن أهمله الناس  لتطبعه من جديد بعد مئة عام، أملا في تروج أفكار التغريبية، ولم تكتف وزارة الثقافة المصرية بذلك، بل قامت بدعمه وتم توزيعه بثمن زهيد لدى باعة الصحف فوصل ثمن الكتاب إلى خمسين قرشا؛ أملا في نشره على أوسع نطاق.    

نعود لكتاب المرأة الجديدة فإذا كان قاسم أمين نراه هادئا في كتابه الأول، يحوم حول النصوص الإسلامية، ويمتص من رحيقها، لتعضيد مواقفه في المطالبة بحقوق المرأة، نجده قد انقلب في "المرأة الجديدة"  يسلط حمم غضبه، ويستعمل عبارات قاسية في التعبير عن رأيه، عبارات لا تقرها المرأة ذاتها، فهو لا يقبل ـ بزعمه ـ "حق ملكية الرجال للنساء"، ويرى ترك حرية النساء للنساء؛ حتى لو أدى الأمر إلى "إلغاء نظام الزواج، حتى تكون العلاقات بين الرجل والمرأة حرة، لا تخضع لنظام، ولا يحددها قانون" ..

يقول الشيخ محمد بن إسماعيل في كتابه القيم "عودة الحجاب" الجزء الأول: ".. و"المرأة الجديدة" التي قصدها قاسم أمين هي المرأة الأوربية التي أراد من المصرية أن تتحول إليها وتتخذها مثلا أعلى، حيث قال: هذا التحويل هو كل ما نقصد، وغاية ما نسعى إليه هو أن تصل المرأة المصرية إلى هذا المقام الرفيع، وأن تخطو هذه الخطوة على سلم الكمال، وأن تكون مثلها تحررا، فالبنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن، ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن، ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة، متنقلات من بلد إلى أخرى، ولم يخطر على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما، وكان من تحررها أن يكون لها أصحاب غير أصحاب الزوج، والرجل يرى أن زوجته لها أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها، وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها).

وطلب "قاسم أمين" من المصريين أن يتخلصوا مما وقر في أنفسهم من أن عاداتهم هي أحسن العادات، وأن ما سواها لا يستحق الالتفات، وقال: (إن طالب الحقيقة لا يجب أن يجري في إصدار أحكامه على هذا الضرب من التساهل، بل يجب أن يعود نفسه على أن يجري نقده للحوادث الاجتماعية على أسلوب علمي).

ويقول في موضع آخر: (إن التشريح الفسيولوجى والتجربة في البلاد التي منحت المرأة حريتها قد أثبتت أن المرأة مساوية للرجل في الملكات).

ويستشهد قاسم في معرض كلامه عن أثر حرارة الجو في إثارة الشهوة بكلام إيطالي يقول: (إن العفة تكتسب بمنح الحرية للمرأة، وإن اختلاف الأجواء لا أثر له في ذلك). ثم يقول في موضع آخر: (لما تخلصت المرأة المصرية من الاستعباد رأت نفسها في أول الأمر في حيرة لا تدرى معها ماذا تصنع بحريتها الجديدة، وهكذا يكون الحال بالنسبة لحرية النساء: أول جيل تظهر فيه حرية المرأة تكثر الشكوى منها، ويظن الناس أن بلاء عظيما قد حل يهم؛ لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية، ومع مرور الزمن تتعود المرأة على استعمال حريتها، وتشعر بواجباتها شيئا فشيئا، وترتقى ملكاتها العقلية والأدبية، وكلما ظهر عيب في أخلاقها يداوى بالتربية، حتى تصير إنسانا شاعرا بنفسه). ويقول في موضع آخر: (إننا قد ورثنا الصورة التي كوناها عن المرأة من العرب الذين قامت حياتهم ـ حسب زعمه ـ على الغزو والنهب، ومن ثم لم يكن للمرأة نصيب تشارك به في الدولة، ثم لم يكن لها نصيب في تربية الولد؛ لأن تربيته كانت مقصورة على تغذية جسمه، ليشب مقاتلا لا عالما فاضلا، وصورة المرأة هذه التي ورثها المسلمون ـ حسب زعمه ـ عن العرب قد تكون صحيحة بالقياس إلى الماضي، ولكنها مزورة إذا نظرنا إلى الحال والمستقبل).

وبينما كان معارضو "قاسم أمين" يرون أن النهضة يجب أن تعتمد علي حضارتنا الإسلامية وحدها، فقام هو بالرد على ذلك بأن (الحضارة الإسلامية قامت على دعامتين: الأساس الديني الذي كون من القبائل العربية أمة واحدة، والأساس العلمي الذي ارتفعت به الأمة الإسلامية وآدابها)، ثم يزعم أن العلم وقتذاك كان ضعيفا في أول نشأته، وكانت أصوله ضربا من الظنون التي لم تؤيدها التجربة، ولذلك كان قوة العلم ضعيفة بجانب قوة الدين، فتغلب الفقهاء على رجال العلم، ووضعوهم تحت رقابتهم، وزجوا بأنفسهم في المسائل العلمية، ينتقدونها ويفتون بمخالفتها لنصوص القرآن والحديث التي يؤولونها، وبذلك حملوا الناس ـ حسب زعمه ـ على إساءة الظن بالعلم، فنفروا منه وهجروه، وانتهى الأمر إلى الاعتقاد بأن العلوم جميعا باطلة إلا العلوم الدينية، بل قالوا في العلوم الدينية نفسها: إنها يجب أن تقف عند حد لا يجوز أن يتجاوزه، ثم تقدمت العلوم، وظهرت المكتشفات الحديثة، واستطاع العلم أن يشيد بناء متينا لا يمكن لعاقل أن يفكر في هدمه، وتغلب رجال العلم على رجال الدين).

وينتهي "قاسم أمين" من هذا العرض إلى أن التمدن الإسلامي قد بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلم، فكيف يمكن أن نعتقد أن هذا التمدن كان نموذج الكمال البشري؟ .. ثم يبين أن كثيرا من ظواهر التمدن الإسلامي لا يمكن أن تدخل في نظام معيشتنا الاجتماعية الحالية، ويضرب الأمثلة من نظم هذا التمدن في الحكم، وهى في رأيه أقل من المستوى الذي بلغه اليونان والرومان في كفالة الحريات، كما يضرب أمثلة من نظام الأسرة ليبين أنه كان غاية في الانحلال، وأن الفرق واسع بينه وبين النظم والقوانين التي وضعها الأوربيون لتأكيد روابط الأسرة. ويختم ذلك متسائلا: (إذا كانت هذه حالهم، فما الذي يطلب منا أن نستعيره منها؟ .. وأي شيء منها يصلح لتحسين حالنا اليوم؟) ثم يقول: (متى تقرر أن المدنية الإسلامية هي غير ما هو راسخ في مخيلة الكتاب الذين وصفوها بما يحبون أن تكون عليه، لا بما كانت في الحقيقة عليه، وثبت أنها كانت ناقصة من وجوه كثيرة، فسيان عندنا بعد ذلك أن احتجاب المرأة كان من أصولها أو لم يكن، وسواء صح أن النساء في أزمان خلافة بغداد والأندلس كن يحضرن مجالس الرجال أو لم يصح، فقد صح أن الحجاب عادة لا يليق استعمالها في عصرنا).

ثم يستطرد قائلا: (نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرأة وتقدير شأنها، فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى..). ويقول: (.. والذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعا لمحاربتها؛ لأنه ميل إلى التدني والتقهقر.. هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، وليس له من دواء إلى أننا نربي أولادنا على أن يعرفوا شؤون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها).

تصدى "مصطفى كامل" من جديد لـ "قاسم أمين"، وكتب في (اللواء) بتاريــخ 9/ 2/1901م معلقا على كتاب (المرأة الجديدة) فقال: (أخرجه أخيرا قاسم أمين ليدعم به أمر كتابه الأول  ويفتح به آفاقا جديدة لتحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم).       

وحكى "مصطفى كامل" كيف أن سلطان "ملديفى" لما بلغه خبر الكتاب، وسئل عن رأيه في هذه الاتجاهات قال: (أما تعليم النساء المسلمات فقد أصبح من المسائل الحيوية للإسلام والمسلمين، ولكنه لو مال عن طريق الشريعة الغراء إلى خطة مدنية الغرب الغبراء، كان معولا لهدم أركان الإسلام، وفأسا لفتح القبور لأبنائه، ودسهم فيها وهم أحياء، أما رفع الحجاب فلا أرضاه لنسائي وبلادي، وأما المرأة وحق طلاق زوجها فدعوة لا تصدر من معترف بقول الله في كتابه:{الرجال قوامون على النساء..} (النساء/34).

 روابط ذات صلة:



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- د الي - السعودية

13 - جمادى الآخرة - 1428 هـ| 29 - يونيو - 2007




اشكركم علئ تعون معنا واشكركم علئ اموقع

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...