حركة تحرير المرأة..تاريخ ٌ يعيد نفسه

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
12 - ربيع الآخر - 1425 هـ| 01 - يونيو - 2004


يلحظ القارئ لتاريخ الدعوات التحررية التي تبنت قضايا المرأة ومشكلاتها في بلادنا العربية البعد الزماني لنشأتها المبكرة؛ إذ تعود البداية إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك بعد الاحتكاك الذي حصل بين الشرق والغرب واستعمار الغرب العلماني لدول الإسلام، وساعد على ظهور هذه الدعوات التحريرية حركة التنصير والاستشراف التي غزت الدول الإسلامية مبكراً من خلال التعليم والتوجيه الفكري؛ لأن تعلم المرأة المسلمة التعليم الغربي يؤثر في نفسها وينطبع في تربيتها لأولادها. ولهذا يقول المنصر (جب):

"إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني، لقد شعرت دائماً أن مستقبل سوريا إنما هو بتعليم بناتها ونسائها" فكانت أول مدرسة للبنات فتحها المنصرون في لبنان عام 1830م وتلتها مدارس أخرى في مصر والسودان والعراق والهند والأفغان[1].

ونتيجة عمل متواصل للمنصرين والمستشرقين لعدّة سنوات في البلاد الإسلامية ظهر الكثير من المثقفين الإسلاميين المتأثرين بالغرب وثقافته، ودعا بعضهم إلى إنصاف المرأة ودعم حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية. فكان رفاعة الطهطاوي الذي عاد من فرنسا سنة 1873م ووضع كتابه : (المرشد الأمين لتربية البنات والبنيين). إذ يعتبر الطهطاوي أول رائد لحركة تحرير المرأة، وإن كان ينطلق من مرجعية إسلامية نادى من خلالها بحقوق المرأة الشرعية إلا أنه كان متأثراً للغاية بطبيعة الحياة الفرنسية التي بدأ يدعو إليها بكل ما فيها من اختلاط وسفور.

وبعد احتلال إنجلترا لمصر عام 1882م بدأ الترويج للأفكار التحريرية النسائية بالمفهوم الغربي، وكان أفضل مكان لترويج هذه الأفكار صالون الأميرة (نازلي) الذي كان يجمع طبقة المثقفين والنخبة الحاكمة، وفيه كانت تعقد مؤامرات خفية لغزو المرأة المصرية وهدم قيمها الإسلامية. ولا نستغرب أن تبدأ تلك الحركات التحريرية من مصر؛ إذ تشكل في حينها مركز الثقل الثقافي والسياسي للعالم العربي والإسلامي.

ولقد سخر الاستعمار في ذلك الوقت عدداً من المثقفين النصارى مثل: جورجي زيدان وماري عبده وسلامة موسى وغيرهم للدعوة الصريحة إلى تحرير المرأة، ومنهم صدر أول كتاب في قضية تحرير المرأة من تأليف رجل قبطي اسمه مرقص فهمي، وكتابه هو: (المرأة في الشرق) صدر عام 1894 م. ونادى برفض الحجاب والاختلاط ومنع التعدد، وتقييد الطلاق.

وبعد خمسة أعوام من صدور هذا الكتاب صدر كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة)، ثم (المرأة الجديدة) والذي كان نقلة نوعية في مطالبات الحركة النسائية، ومن مطالباته: رفع الحجاب، و منع التعدد،وتقييد الطلاق،وتعليم المرأة،والعمل المطلق للمرأة، فكان كتابه (المرأة الجديدة) دعوة صريحة لمحاكاة المرأة الأوربية في جميع أشكال حياتها زاعماً أن ذلك يحقق التقدم والتحضر للمرأة الشرقية.

وقد تدخل محمد عبده في دعم كتابات قاسـم أمين وتدخل سعد زغلول في تنفيذها عملياً.

وكان أول نزع للحجاب عندما قدم سعد زغلول من منفاه سنة 1921م ونزع حجاب زوجته صفية زغلول،ثم تبعتها هدى شعراوي، وسيزا نبراوي، ونبوية موسى، فخلعن الحجاب ووطئنه بالأقدام بعد ما عادوا من روما في مؤتمر دولي لتحرير المرأة سنة 1923م, وفعلن ذلك في أكبر ميادين القاهرة والذي عُرف بميدان التحرير بعد ذلك.

وفي نفس الفترة كانت أهم بؤر الإسلام وتمركزه في العالم وثقله موزعة في مصر وتركيا وإيران. ففي سنة 1925 م صدر قانون حظر الحجاب في تركيا !! وفي نفس العام تقريباً أصدر الشاه رضا خان ملك إيران قانوناً يمنع المحجبات من دخول المدارس والمؤسسات الحكومية !!

وفي النصف الأول من القرن العشرين كانت المرحلة الذهبية للحركات النسائية التحريرية التي انتشرت دعواتها في طول بلاد المسلمين وعرضها، وذلك بمساعدة الاحتلال الأجنبي الذي أيدهم ودعمهم مالياً وسياسياً في جميع الدول الإسلامية التي احتلها عسكرياً، أو لم يحتلها ولكنه دخلها بالغزو الفكري والثقافي.

فمثلاً أفغانستان واليمن يعتبران بلدين مغلقين محافظين كثيراً على تعاليم الإسلام وتقاليده، ولم يتوطن الاستعمار في بلديهما طويلاً، ومع ذلك ففي أفغانستان سمح قانون في عام 1959 م للنساء بالخروج سافرات، وأحرق النساء العباءة والغطاء في تنانير بيوتهن، وأصبح الاختلاط سمَة واضحة، والسفور شيء ملاحظ في المدن والجامعات ودوائر الحكومة. مع العلم أنه قبل 32 سنة من هذا التاريخ خلع العلماء والناس الملك أمان الله خان الأفغاني لأنه سمح لعقيلته أن تخرج من شرفة القصر سافرة[2]!!

وقريباً من ذلك كان الحال في اليمن يقترب نحو إخراج المرأة ومشاركتها للرجال في جميع الميادين.

وانتشرت بعد ذلك الحركات النسائية وبدأت تدعو للسفور والعمل والاختلاط دون قيد أو شرط على النمط الغربي. وفي نفس الفترة تأسست الكثير من الجمعيات النسائية في البلاد الإسلامية.

فنجد في مصر أن هدى شعراوي وحدها أسست أكثر من 25 جمعية نسائية.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين خفت الحركة النسائية في البداية ثم عادت للظهور في نهاية الستينيات والسبعينيات الميلادية لتشمل أكثر المناطق الإسلامية، وتغزو جميع المدن والأرياف العربية إلا القليل منها، فانتشرت بذلك مئات الجمعيات النسائية الداعية لتحرير المرأة في جميع تلك المدن والقرى لتمارس نشاطها المدعوم من هيئات دولية و إقليمية.

واليوم تواجه الأسرة والمرأة في جميع الدول الإسلامية نمطًا جديدا من الدعوات التحررية لا تعرف الحدود الجغرافية ولا الخصوصيات الفكرية والثقافية التي تدعيها بعض الدول، وذلك من خلال المنظمات والهيئات الدولية، ولا يعنيها كثيراً الحجاب، أو خروج المرأة للعمل، أو دخولها المجال السياسي والقضائي، وإنما أصبح هدفها تغريب المرأة، ونشر الإباحية والشذوذ، والخروج عن كل تقليد مقبول ومبدأ مشروع وعُرف سليم؛ بالانفتاح نحو الجنس والمتع الشهوانية، وتعميم هذا الفكر المنحط لجميع شعوب العالم بل وفي كل طبقاته الاجتماعية و العمرية؛ من أجل إفساد الجذور الداخلية فضلاً عن القشور الظاهرية في الحياة الاجتماعية.

وبدأ ذلك الغزو المفسد للشعوب والأفراد من خلال عولمة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، و دعم منظمة الأمم المتحدة التي قامت بخطة مدروسة ومدعومة مالياً وسياسياً لتنفيذها بقوة النظام العالمي الجديد، فكانت المؤتمرات التالية للمرأة:

ابتداء من نيروبي عام 1985م ومروراً بقمة الأرض في ريودي جانيرو في البرازيل عام 1992م، ثم المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فينا في النمسا عام 1993م، ثم مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة بمصر عام 1994م، ثم المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين بالصين عام 1995م, ثم مؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في استانبول بتركيا عام 1997, وأخيراً مؤتمر المرأة في نيويورك عام 2000م الذي عقد على شكل جلسة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة ومعها منتدى للمنظمات غير الحكومية، وعرضت على المؤتمر توصيات ونتائج المؤتمرات السابقة بهدف الخروج بوثيقة دولية موحدة، يسعون لجعلها وثيقة ملزمة لدول العالم، وقد حفل مشروع الوثيقة المقدم للمؤتمر بما حفلت به وثائق المؤتمرات السابقة من دعوة صريحة إلى هدم الأسرة، وإطلاق الحرية الجنسية للشباب، ودعوة صريحة كذلك للشذوذ بكل أنواعه، والمطالبة بشل سلطة الأبوين على الأبناء وحرية الإجهاض، وإلغاء نظام الميراث في الإسلام، وغيرها من البنود التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ؛ بل مع أبجديات الفطرة الإنسانية[3].

ومن هنا أصبحت حصوننا وبيوتنا مهددة من الداخل بسبب التيار التغريبي العولمي بما يبثه إلينا من خلال بعض الكتابات المغرضة في الصحف والمجلات العربية، و ما تبثه القنوات الفضائية، وما يدور في شبكات الإنترنت ومواقعها المختلفة من دعوات صريحة للسفور والاختلاط والمشاركة للرجال، وهدم الأسرة والقضاء على كرامة المرأة وعفتها.

ويكفي لبيان خطورة هذا الغزو الإعلامي النتائج التي قدمتها إحدى الدراسات في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكانت عن أثر الأطباق الفضائية على الأسرة والمرأة خصوصاً، فجاءت نتائجها مذهلة حيث ظهر أنّ 85% من النساء يحرصن على مشاهدة قنوات فضائية تعرض مواد إباحية، و53% قلت لديهن تأدية الفرائض الدينية, و32% قصّرن في تحصيلهن العلمي، و22% تعرضن للإصابة بأمراض نسائية نتيجة ممارسة عادات خاطئة[4].

كذلك نلحظ أن هذه النداءات والصيحات التحريرية يراد لها أن تظهر بصورة جماعية، وأنها تمثل قطاعاً واسعاً من النساء إلا أنها في حقيقتها الواقعية مجرد دعوات فردية وأحياناً خارجية وربما من الرجال أكثر من النساء، ولعل في ردة الفعل الغاضبة في مجتمعنا النسائي من هذه الدعوات شاهد على حقيقة هذا الرفض العام، وأن هذه الدعوات مجرد شعارات فارغة مدفوعة ومرفوضة من الناحية الدينية والحضارية والعقلية والفطرية وحتى من الناحية الإنسانية[5].

أن تاريخ تحرير المرأة قد بدأ يعيد نفسه بأشكال وصور مختلفة في بعض الدول الإسلامية التي سلمت منه في البداية.. وقد لا تسلم منه في النهاية.. فما لم يكن هناك فكر رصين يقرع الفكر المضاد، وتخطيط واعٍ يفند مخططات أهل الأهواء؛ وإلا فالنهاية واحدة، والمأساة سوف تعيد نفسها.. نعم، مأساة أن تُرى المرأة ضحية لنزعات السوء والغواية عند الرجل المتهتك المستهتر، ومأساة أن تراها سائرة نحو مصير مظلم لا يرحم ضعفها ولا يراعي فطرتها.. ولا أدري لماذا تصمّ الآذان من سماع صيحات من جرب هذا الطريق وتجرع مراراته المتكررة؟ هل مطلوب منا دائماً أن نبدأ من حيث بدأ الآخرين ولا نبدأ من حيث انتهوا؟ ألا نقرأ التاريخ التحرري ونعرف ماذا حصدوا للمرأة غير الهوان والإذلال؟

جاء في إحدى الدراسات العلمية أن 80% من الأمريكيات يعتقدن أن الحرية التي حصلت عليها المرأة خلال الثلاثين عاماً الماضية هي سبب الانحلال والعنف في الوقت الراهن. و75% يشعرن بالقلق لانهيار القيم والتفسخ العائلي. و80% يجدن صعوبة بالغة في التوفيق بين مسؤولياتهن تجاه العمل ومسؤولياتهن تجاه الزوج والأولاد. و87% يقلن: لو عادت عجلة التاريخ للوراء لاعتبرنا المطالبة بالمساواة مؤامرة اجتماعية ضد الولايات المتحدة الأمريكية وقاومنا اللواتي يرفعن شعاراتها[6].!!

فهل نعي دروس التاريخ ونعتبر بغيرنا من الأمم.. قبل أن نصبح لغيرنا عبرة؟ فالسعيد الناجي من وُعِظ بغيره..



* الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

[1] انظر : المرأة المسلمة بين الغزو والتغريب، للرماني، ص 56.

[2] الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية لأبي الحسن الندوي ص 20-26.

[3] انظر: المؤامرة على المرأة المسلمة، للسيد فرج ص 47 ــ 78، المرأة ماذا بعد السقوط، لبدرية العزاز ص 31ـ57، المرأة المسلمة بين الغزو والتغريب للرماني ص41 ـ 81، مجلة المجتمع (1404)، الأسرة 1417هـ، المنار (32).

[4] جريدة المدينة 23 / 11 / 1420 هــ.

[5] انظر : كتابي (المرأة.. والعودة إلى الذات) ففيه مناقشة للشبهات المثارة على المرأة من الناحية الدينية و الحضارية والعقلية والفطرية والإنسانية.

[6] مجلة البيان ربيع الآخر 1420هـ.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. مسفر بن علي القحطاني

- دكتوراه في أصول الفقه الإسلامي .
- ماجستير في السياسة الشرعية .

- رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
- خبير في المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي .
- عضو في الجمعية الفقهية السعودية .
- عضو لجنة الطعون والتظلمات بانتخابات المنطقة الشرقية .
- عضو الهيئة التأسيسية لموقع علماء الشريعة.
- عضو في مجله (بحوث) للدراسات الإسلامية الصادرة عن مؤسسة الإسلام اليوم .
- عضو اللجنة الاستشارية لشؤون الدعوة والمساجد بالمنطقة الشرقية .
- عضو اللجنة الشرعية للندوة العالمية للشباب الإسلامي بالمنطقة الشرقية.
- رئيس لجنة التنمية الاجتماعية في الظهران بالمنطقة الشرقية.
- مستشار اجتماعي في جمعية البر بالمنطقة الشرقية(مركز التنمية الأسرية) .
- مستشار شرعي واجتماعي في بعض المواقع على شبكة (الإنترنت) .


تعليقات
-- سلطانة - السعودية

22 - محرم - 1428 هـ| 10 - فبراير - 2007




يؤسفني أن يتناول استاذ اكاديمي قضية تحرير المرأة بهذه السطحية و اللاموضوعية ..
ثمة فرق يا دكتور بين تحرير المرأة و المطالبة بحقوقها و بين الدعوة للسفور و الإباحية ..!
ثم تتهم صالون (نازلي) بأنه مكان تتم فيه مؤامرات خفية لغزو المرأة المصرية وهدم قيمها الإسلامية فأنت مخطىء تمام فهو كان صالون أدبيا فكريا ثقافي ، غير أنك أنت لا ترى الأمور إلا من خرم باب حجرتك التي أوصدته عليك ..


السؤال الأهم يا دكتور : لماذا حركة تحرير المرأة تعيد نفسها ؟!

أتمنى لك منطق أفضل..!!

-- نوميديا - المغرب

10 - جمادى الآخرة - 1429 هـ| 15 - يونيو - 2008




دعوة تحرير المراة كانت من الخطابات التي لاقت استحسانا كبيرا وقبولا كبيرا في العالم العربي والدليل على دلك حال المراة اليوم التي اصبحت في ابه الصور التي كانو يخططون الى ان يروها منتزعة الحجاب شبه عارية مشاركة في العمل الى جانب الرجل ... واليوم لا نشهد فقط دعوة الى انتزاع الحجاب بل اصبح هناك هجوما شرسا على الاسلام لا على الفرعيات والجزئيات بل على التوابت والاصول ويعلون حربا شرسة على المراة بدعوى ان الاسلام قد ظلم المراة وهم يدعون الان من التحرر منضوابط وقيود هدا الاسلام فالزوج سجان قاهر والامومة تكاتر حيواني والبيت سجن مؤبد والاسلام قيد حركة المراة وهده الدعاوي انما هي دعوة مباشرة الى الانفلات من الدين كليا مما يشكل خطرا كبيرا على حرب مازالت قائمت على بلداننا ولن تنتهي الا بوعي الامة ورجوعها الى تاريخ تكريم المراة في الاسلام

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...