مأزق الليبرالية المحلية..!

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
26 - ربيع الآخر - 1425 هـ| 15 - يونيو - 2004


من العلل المزمنة التي يعاني منها ليبراليونا (متحررونا) المحليون، بخلاف أصحابهم ليبراليي العالم العربي: وصولهم المتأخر أو وصولهم في المكان والزمان الخطأ دائماً.. وهي الظاهرة التي قل أن يلتفت إليها المراقبون والدارسون لحراكنا الثقافي والاجتماعي المحلي. وأزعم هنا أن عنصري المكان والزمان الخطأ قد لازما الليبرالية المحلية منذ نشأتها الأولى في بدايات النصف الثاني من القرن الهجري الماضي، فالليبرالية الأدبية والاجتماعية الضيقة "الخجولة" التي ظهرت عند بعض النخب تقليدا لليبرالية المصرية آن ذاك أعاقها اختيارها للمكان الخطأ والمجتمع الخطأ؛ حيث البيت الحرام رمز التدين والمحافظة، وحيث المجتمع الحجازي المتعلق بالنبوة التي مازال عبقها مقيما في أحياء مكة وشعابها، ومازال سناها في سمائها وقراها. كما أعاقها اختيارها للزمان الخطأ حين جاءت مفارقة للانبعاث الثقافي السلفي الذي أطلقه الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ من خلال المدارس والمعاهد التعليمية التي أسسها في مكة والطائف، وما كلية الشريعة ودار التوحيد وشيوخهما السوريين والمصريين السلفيين عن ذاكرتنا ببعيد، رحمهم الله أجمعين .

ثم استمرت هذه المتلازمة في إعاقة نموها وإجهاض جميع حملاتها السياسية والثقافية والاجتماعية حتى اليوم، واستمرت هي في تكرار ذات الخطأ، رحمة وحفظاً من الله لهذه البلاد الطيبة وأهلها، فقد اختار فصيلها الثقافي الحداثي الوقت الخطأ لدخول ساحتنا المحلية في العقد الأول من هذا القرن الهجري الخامس عشر ( 1404/1408 ) فحاول بأسلوب فج ونزق مراهق أن ينشر الحداثة الثقافية والفكرية متأخراً أكثر من ثلاثين سنة عن أول ظهور عربي لها على يد أدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج والسياب، مهيجاً لها بعد أن انفض سامرها وذبلت، فجاء إصدارها المحلي متكلفا سمجا في الزمان والمكان الخطأ ثانية؛ لتنتهي حداثتنا الليبرالية مع حلفائها اليساريين نهايتها البائسة المعروفة على يد الشيوخ والمثقفين الأصاليين، برضا ومباركة عاقلة من المجتمع ومؤسساته الأهلية والرسمية. ولن أطيل في سرد الشواهد المؤيدة لرؤيتي هذه عن تاريخنا الثقافي القريب؛ حفاظا على ما بقي لي من بياض هذه السطور!  

فلأتجاوز الجيوب القومية والبعثية المعزولة التي ظهرت ثم بادت غير مأسوف عليها، مع ما اصطبغت به من تحررية اجتماعية متوحشة نفاها جيل الثمانينيات الهجرية الذي مازال يذكر الملك "فيصل بن عبد العزيز" الملك البطل الحكيم الذي أذهب ريحها وأخمد فتنتها، أسأل الله له الرحمة والقبول..

وها نحن أخيراً في هذه الأيام بالذات أمام هوجة أخرى من هوجات الليبرالية الحلية الملازمة أبدا للقدوم المتأخر وخطأ المكان والزمان! فبعد أن انهارت الدعوة إلى سفور المرأة ونزعها لجلباب حشمتها وحيائها في العالم العربي الإسلامي كله، أو كادت وما بقي منها إلا ما هو مدعوم من الخارج أو من أصحاب الشهوات الذين ضمرت لديهم جينات الغيرة العربية المسلمة، إضافة إلى المصابين بفوبيا التدين، يأتي هؤلاء ـوياللخزي - فيدعون إليها في الأرض التي انطلقت منها الدعوة الأولى للحجاب والحياء من سيد البشر صلى الله عليه وسلم...

 ثم بعد أن رأى هؤلاء بأعينهم الانتكاسة المخجلة التي تعانيها الليبرالية الاجتماعية وظاهرة السفور في مصر بالعودة الواسعة للحجاب على جميع المستويات، وبعد أن رأوا بأعينهم صور بنات ونساء غزة والضفة المقاومات المعتزات بحجابهن وأرضهن في الصحافة وعلى شاشات الفضائيات. وبعد أن رأوا عشرات الآلاف من بنات ونساء المسلمين في أسيا وإفريقيا وأوروبا يدافعن عن أخواتهن المحجبات في فرنسا، يأتي ليبراليونا المحليون ليطلقوا ألسنتهم وأقلامهم بلا خجل على المدافعين والداعمين للطالبات المسلمات هناك، بل وصل بهم الأمر إلى أن يفضحوا النهايات المخجلة التي يأملون أن تصل إليها نساؤنا بفرحهم المخزي بنزع بعض نساء مترفيها لحجابهن وحيائهن عن وجوههن، بل حتى بتطويحهن لبقية طرحة كانت رمزاً على رؤوسهن لبقايا الحجاب..

يا أيها المساكين.. بنات الجامعة الأمريكية في القاهرة؛ قلعة الليبرالية الأمريكية ومحجة الفئات المترفة في المجتمع المصري، صعقن إدارة الجامعة في القاهرة وصناع سياستها في نيويورك بعودتهن الكاسحة للحجاب والحياء! أو تظنون أيها المساكين أن تستجيب لكم أرض الإسلام الأولى؟!

ها أنتم مرة أخرى في الزمان والمكان الخطأ، وستبقون كما يعجبكم أن تكتبوا دائما عن "سيزيف الخرافي"؛ تصعدون بصرختكم إلى قمة "الأولمب"؛ لتعود بكم إلى السفح أبداً.. إلا أن يمن الله عليكم بهدايته.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- حمد - أخرى

24 - رجب - 1426 هـ| 29 - أغسطس - 2005




شكرا علي الموضوع الجميل

لابد ان نقضح حقيقة هؤلاء

-- احمد بن محفوظ - السعودية

09 - شوال - 1427 هـ| 01 - نوفمبر - 2006




جزاك الله الف خير على هذا المقال الاكثر من رائعrnrnوالى الامام يا ابا معاذ

-- ام انس - السعودية

24 - محرم - 1428 هـ| 12 - فبراير - 2007




الموضوع رائعا نحتاج كثيرا الى هذه المواضيع وهذه الاقلام الجريئة

-- سارا - السعودية

17 - صفر - 1432 هـ| 23 - يناير - 2011




نعم ذلك صحيح
ثم ان الليبرالية المحلية ارتبطت ارتباطا تاما بالامبريالية حتى صارت لا تفترق عنه و هنالك دلائل عده على ذلك كما ان العلمانية احد اهدافها ايضا
ما يثير عجبي كون الليبرالين ضد حرية الرأي عندما تمسهم وتمس معتقداتهم وهذا يناقض فكرهم بالكليه
كما من الغريب تجاهلهم لوضع الشارع المحلي الرافض لافكارهم
كما استغرب هجومهم على هذا المجتمع ومحاباتهم لاصحابهم الغربيين
كل هذا التناقض في افكارهم ومع ذلك يريدون ان يجدوا داعما محليا غريب امرهم حقا
ثم ان تطبيق مثل هذه المبادئ في بلد يعتبر النافذه الدينية ومركز لاماكن مقدسه لمليار مسلم ما هو الا البجاحه بحد عينها

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...