ولفتاة الأحساء كلمة

رأى لها
24 - ربيع الآخر - 1423 هـ| 04 - يوليو - 2002


ما أجمل أن تتلاقح أفكار النَّاس في الخير، ويتبادلوا آراءهم في سبيل تحقيق البرّ والتقوى. وما أبشع أن تملى عليك الأفكار ويطلب منك تبجيلها، فكما أنَّه من العجيب أن يشترى ويباع في أملاك الناس دون أن يؤخذ إذنهم أو رأيهم في ذلك، فمن العجيب أيضاً أن تناقش أفكار وتُطرح آراء على أقوام ثم يفرض عليهم أن يؤيدوها ويرحبوا بها، بل وينادوا بتطبيقها دون مناقشة أو اعتراض.

إنَّه لأمرٌ يثير الاستغراب والإنكار حينما تُصادر آراء الناس ويحرمون حق الكلمة لكونهم يحملون رأياً آخر!

أيُّها الأحبة:

إنَّ حضوري للملتقى الثقافي الثالث الذي أقيم في بلدنا الأحساء؛ ألزمني بكتابة هذا المقال إثباتاً لأحقيتي في الكلمة ـ متى ما طرحت بأسلوب حسن ـ.

وأنا هنا لن أقوم بمناقشة كلّ ما ورد في الأيام الثلاثة من أطروحات متعددة الجنسيات، بل سأقف مع مفهوم واحدٍ نما إلى حسَّنا نحن الحضور، وهو "المرأة موضوع الرجل".. هكذا وردت الجملة! تارة عنواناً وتارة بين كلماتٍ كثيرة: لماذا تصرف المرأة اهتمامها للرجل؟ لأنها موضوعه،..

إذن: لماذا تكون المرأة موضوع الرجل ابتداءً؟

لماذا لا تعيش المرأة لنفسها؟

لماذا لا تنظر المرأة إلى نفسها في المرآة بعينها لا بعين الرجل؟

لماذا لا تستقل المرأة عن التبعية المطلقة للرجل؟ لماذا.. ولماذا.. ولماذا؟

ولو تلاحظون ـ أعزائي القراء ـ أنَّ هذه التساؤلات حملت بين طياتها حقاً باهتاً وباطلاً باهتاً.

فما المرأة بالنسبة للرجل؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال وأمثاله، لا بدَّ من التذكير بأنَّ مرجعيتنا كتابٌ مهم لا يصلح الرجوع لغيره؛ فهو الدستور الذي يحكمنا {قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين}.

وفسَّر العلماء النور بأنَّه محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب بأنَّه القرآن الكريم.

 من كلام الله وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، يأتي الإيضاح ويأتي النور.

 وعلى هذا؛ فعلاقة المرأة بالرجل كالتالي:

إن كانت بنتاً وجب على الرجل الذي هو الأب أن يربيها أحسن التربية، وهو إن اجتهد في ذلك نال الأجر الذي وعده الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث: "من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كنَّ له ستراً من النار"، كما أنَّه لن يحسن تربيتها حتى يسكب في قلبها مودته وينال من قلبها، فتحبه ويحبها، الأمر الذي يعني: أنَّ ذات المرأة من وقت بنوتها مُصان ومكرَّم.

وأمَّا إن كانت زوجة فأنت ـ أيها القارئ ـ أمام أروع العبارات وأبلغها في تصوير الحياة الزوجية التي ليس لها مثيل سوى في الإسلام، فهي اللباس وهي السكن، وعندها تجد المودة، وبين أعطافها تحسّ بالرحمة، قال تعالى: {ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودَّة ورحمة إنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنون}. والآيات والأحاديث المنظمة لهذه العلاقة كثيرة ووافية بحاجة الأسرة للاستقرار النفسي والأمان الاجتماعي، ونجد فيها تصويراً جميلاً لطبيعة هذه الحياة التي ملؤها الود والاحترام والحب والألفة، فهي الحبيبة وراعية بيت زوجها؛ لأنَّها ترعى له المؤسسة من الداخل وهو يرعاها من الخارج، إنَّها تصنع وتوجه وهو ينفق ويشرف، فهو بحاجتها وهي بحاجته، إنَّه إعزاز لذات المرأة ليس بعده إعزاز، أن يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزوجات خيراً "خيركم لأهله" وإذا اختلفا، بل وحتى إن انفصلا، فلا يزال الإسلام يؤكد على معاملة المرأة معاملة جميلة، قال تعالى: {فسرحوهن سراحاً جميلاً} وألا ينسى كل منهما ما كان بينهما من فضل وبر، قال تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم...}.

وإن كانت المرأة أماً وجب على الرجل إن كان ابناً لها أن يحتفي بها ويجلها ولا يظهر لها التأفف، بل وأعطاها الإسلام ثلاثة حقوق، وترك للأب حقاً واحداً؛ لعظيم شأنها ولجلال قدرها، قال صلى الله عليه وسلم: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك".

وهي وإن كانت جدة فهي الملكة، وهي الآمرة والناهية، وهي المبجلة، ولها صدر المجالس والنَّاس حولها يقبلون رأسها صغاراً وكباراً..

أو ليس هذا تقديراً لذات المرأة؟

والمرأة وهي ابنة وهي زوجة وهي أم وهي جدة يتولى الرجل تأمين احتياجاتها بما يكفل لها حياة كريمة، فينفق عليها المال حتى مع غناها، لأنَّه الملزم من ربه أن يقوم بخدمتها وبذل المال بين يديها فيما يسدّ حاجتها، قال تعالى: {الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا}.

ومع هذا كله فقد جعل الإسلام من حرية التملك حقاً تتساوى فيه المرأة مع الرجل، كما ساوى بينهما في أحقية التعلم وأحقية الرأي.

وأباح لها العمل ما دام داخل دائرة النظام الإسلامي..

هذا غيض من فيض ممَّا أعطاه الإسلام للمرأة، فماذا نريد نحن النساء أكثر من ذلك؟

إننا نكمل الرجال وهم يكملوننا، إنَّ وظائفنا تتعانق مع وظائفهم في الحياة.. أرأيتم الربيع وقت الصباح؟ أو انتعشتم بطيب نسيمه وبرد هوائه وعبير أزهاره؟ هكذا تتعايش المرأة مع الرجل.

وعانق الحب حباً كما    عانق الصباح الربيعا

نعم، إنَّ حياة المرأة مع الرجل لا يمكن أن تكون تماثلية، إذ إنَّ طبيعة التكوين مختلفة لكلّ منهما، فهي حياة تكاملية وهي حكمة ربَّانية، ومثل هذا في الطبيعة كثير، فها هي الذرة لا تقوم إلا بالإلكترون والبروتون، وهما مختلفان في شحنتيهما، ولكن في اختلافهما تكاملهما.

لكن، الذي نشاهد من أخطاء النَّاس ـ وهو خارج عن أصول الإسلام وشريعته وقيمه ـ لا ينبغي أن يحسب على الإسلام، حتى مع كثرة هذه الأخطاء، وحتى إن صدرت ممَّن ينتسب لهذا الدين.

إننا لا بدَّ أن نراعي أثر ابتعاد البيئات العربية المسلمة عن جوهر الإسلام وتعاليمه وما واكبه من تفريخ لنماذج من أفراد لا يفهمون كيف يطبقون هذا الدين، ممَّا يؤدي إلى أن يلوي مثقفو الغرب أعناقهم باحثين عن عقائد مستوردة بديلة؛ لذا لا ينبغي أن يُساء إلى الإسلام بجريرة المحسوبين على الإسلام.

مثال: حينما أعطى الإسلام الرجل حقّ القوامة أو التعدد، ثم أساء من يسمونه "الرجل الشرقي" في استعمال هذا الحق، ماذا حدث بعد ذلك؟

قالوا: المرأة المسلمة مستعبدة، مهضومة الحقوق، المرأة تعيش للرجل وبعين الرجل.. وبالتالي اتهم الإسلام بالجور والظلم..

فالخطأ لا يصححه خطأ, إنَّ ظلم بعض الناس من قبل فئة، لا يعني البحث عن تشريعات أخرى لينتهي الظلم، بل العودة إلى إحياء الدين إحياءً صحيحاً.

ومن إحياء الدين أن تعدّ المرأة إعداداً جيداً، فتعبأ بعد فراغ وتشرب روح الإسلام؛ من خلال عيشها في ظلال القرآن، وفهمها لمعاني السنة، وفقهها بهذا الدين.

إنَّها حين ذاك ستكون سدَّاً منيعاً قوياً في وجه الناعقين بالمبادئ الدخيلة.. إنَّها لن تكون ببغاء تردد ما يقولون دون فهم ووعي لما يرمون.

إنَّها ستكون على مستوى المواجهة وسيكون موقعها هناك عند الثغور؛ تحافظ على كيان المجتمع المسلم، وتحرسه بعين الفضيلة.

وأخيراً.. أيتها المتحدثة باسم المرأة:

إنَّنا نرحب بالدراسات الجادة التي نستفيد منها تجربة تقنية أو طريقة إبداعية، لكن لا ينبغي أن تكون أطروحاتنا رجعاً لصدى الآخرين في أخلاقهم الغريبة عن موروثنا وأصالتنا.

إنَّ لدينا من السمو والرقي ما نحتاج إلى تقديمه للآخرين كي ينهضوا، لا أن نتهالك في الردى حيث تردُّوا.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...