شياطين المرئيات لم تصفَّد بعد!

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
17 - رمضان - 1425 هـ| 31 - اكتوبر - 2004


التفت الشيطان الأكبر رافع راية الكفر ذات الشمال، فابتسم وأثنى على ضخام الجثة قادة الشر والمكر من الأبالسة والمردة ذوي الاختصاصات المتعددة: مخططين استراتيجيين، مصممي ديكور وأزياء، مهندسين منفذين ومخرجين.. لقد قويت شكيمتهم وتكاثر عددهم مقارنة بإحصائية ما قبل السنوات العشر الأخيرة بخمسة أضعاف. فرَّخوا وتناسلوا وتكاثروا واشتد بأسهم في البرّ والبحر..

 جَمَعَهم ليوسم جنرالاتهم ويشجعهم على المضي قدماً في سبيل إحلال الفجور والضلال، ثمَّ استعرض كتيبة دفاعية جديدة من سلالتهم، وهي دفعة جديدة من جنود المظلات وقادة طائرات الشبح الخفية السوداء سواد أهدافهم واستراتيجياتهم.. كرَّمهم وأحسن وفادتهم، غير أنَّ ابتسامته هذه لم تدم طويلاً، فسرعان ما اختفت وحلَّ محلها الغضب والسخط.. امتقع وجهه، أزبد وأرعد، اتسع منخراه واستشاط حقداً وغيظاً ثمَّ انتفض مذعوراً وقال بملء شدقيه: ما لي أراكم أنتم الجالسين عن يميني هزيلين نحيلين ضعافاً قليلين كأنَّ الواحد منكم جلد على نواة؟ خسئتم أأخلفتم الوعد ونكثتم العهد؟ أأعدمتم اتفاقيتي والتزامي؟ أخرقتم نظامي وتجرَّأتم على مقامي؟ ألم يتوعَّد إبليسنا الأعظم بني آدم بسوء العاقبة وشؤوم المصير: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف/16). وأنتم الآن تشفقون عليهم، تعساً لكم ولمن شاكلكم، ولكم الويل والثبور، أتعصون أمر عظيمنا؟.. نظرت إليكم فرأيتكم جياعاً جحافاً ضعافاً لم تكتنزوا لحماً ولا شحماً وإنَّ ماء حياتكم من عدوّكم..

قطع أحد جنوده الهزيلين عنه الكلام وقال: قهرنا بنو آدم، لكن ليسوا جميعاً، وإنما فئة قليلة جدُّ قليلة، هذه الفئة هزمتنا شرّ هزيمة، رغم ما أعددناه من قوة فآتيانهم من حيث أمرتنا وقعدنا لهم عند كلّ مرصد، لكنهم أفلتوا منَّا، نصبنا لهم الكمين تلو الكمين، في الأسواق والطرقات وقاعات الاحتفالات ومواقع الاستحمام والاستجمام.. دبَّرنا لهم المكايد وترصدناهم في ساعات الذروة عند أذان الفجر والعشاء، وشدَّدنا عليهم الخناق عند العصر والمغرب، فما أفلحنا وباءت خططنا بالفشل الذريع، وها نحن أمامهم منهزمون نجرّ أذيال الخيبة والخسران..

 هل تعرفون سرّ انتصارهم علينا؟.. يتوقف قليلاً ويتنهَّد ثمَّ يقول: السرُّ كامن في تمسكهم وتحصَّنهم بقرآنهم وسنّة نبيهم: هم خُشَّعٌ، رُكَّعٌ قُوَّمٌ بالليل، صُوَّمٌ بالنهار، رُحَّمٌ، ذاكرون تلهج ألسنتهم بذكر ربّهم، متبتلون، عن اللغو معرضون وعن الجاهلين مترفّعون.. {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر/42).

{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر/39ـ40).

{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً} (الإسراء/65).

{قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} (الإسراء/ 62ـ64).

انتفض كبيرهم انتفاض المذعور وقال: لا تكمل قتلتني بما أسمعتني، كفّ عن سرد هذه الصفات، كفّ عن ذكر هذا الكلام.. أفسدت عليَّ لحظاتي، اخسأ، خذوه، ألجموا فمه وكمموه.. اسمعوا إني لكم ناصح أمين، لا تسمعوا لهذا الأفَّاك الأثيم، إلى هذا القزم اللعين، لو لم يكن من مارج من نار لحولته إلى جمرة من نار حتَّى يكون عبرة لغيره من المنهزمين الفاشلين، علموه كيف يمكر بهم ويزيِّن لهم الأعمال والحقائق، درّبوه، اضربوه بالسياط، سلموه بعض أسراكم ممَّن وقع بين أيديكم ليتدرَّب على أساليب إغوائهم..

أمَّا الآن فاستمعوا إلى صعلوكي المارد الرجيم ليحدّثكم عن مغامراته ونجاحاته في صعيد أعدائنا من بني الإنسان في افتراسهم حتَّى الرمق الأخير، لا بل حتى اللاوعي، حتى الانسلاخ، حتى الانبتات.

أنت يا رجيم! حدثهم عن قنصك الوفير ومقاومتك الشرسة، أوضح لهم كيف كسبتم المعركة أنت وجنودك ضدّ عدونا اللدود.. حكَّ جلده واستحك، خطّ الأرض بمخالبه وأظافره، أقدم وأدبر، أدَّى تحية الطاعة والولاء ثمَّ تنحنح واستكبر، وقال:

ـ لا مدح ولا فخر!! نحن مردة الشياطين لنا في أعمالنا فنون حديثة وأساليب متطورة، حققنا الانتصارات تلو الانتصارات، ما لم يستطعه الأوائل أنجزناه، نأسر، ونسجن، ونعتقل، فنحن اليوم أشدُّ مما كان عليه أجدادنا من الحرص على الإغواء والتضليل.. شوكتنا احتدَّت وبأسنا اشتدّ وأصبحنا ندير شؤون الآدميين في عقر ديارهم، نخترق صفوفهم ونلج مواقعهم بلباقة وكياسة لكن بأمانة وشرف ودراية.. فنحن نذير شؤم وحرب، لنا صفقات رابحة مربحة.. ألا تعرفون من هم أولئك الذين أصبحوا في قبضتنا؟ أتظنون أنَّ نزلاء سجوننا ومعتقلاتنا هذه السنوات العشر هم من الكفار والملحدين من بني الإنسان؟ كلا وألف كلا. هؤلاء وأولئك لا حديث عنهم، هم قدامى أصبحوا منا وأصبحنا منهم.. انصهروا فينا وانصهرنا فيهم، فنحن نجري في أجسادهم مجرى الدمّ في العروق، تجمع بيننا قواسم مشتركة: الكفر والتمرّد، تدبير المكايد، نصب الفخاخ، إيقاع الفتنة والشر بكل من يلتزم بالحق ويعترف بالخير والفضيلة.. بيننا اليوم عهود وعقود ومواثيق موقعة نحن لا نخلفها.. سنواصل جميعاً معركتنا في سبيل نشر الرذيلة، هم في مقدمة المواجهة بأقلامهم وأفكارهم، قنواتهم وصحفهم، شعرائهم وتقليعاتهم الفنية الجديدة عبر كليباتهم وكلباتهم ونسائهم اللائي تصدرن الصفحات الأولى من صور مجلاتهم ومسلسلاتهم عاريات كاسيات يتمايلن فيستملن ويستنفرن.. ما تركنا مجالاً إلا اقتحمناه ولا باباً للإفساد إلا فتحناه، ولا فكراً إلا لوثناه، ولا فحشاً إلا زينَّاه.. حربنا مستمرة بالطبل والمزمار والرقص وأكاديمي ستار، وكلّ ما هو عيب وعار.. هم في الأمام ونحن من ورائهم، عملنا موحّد مشترك، هم في الظاهر ونحن جنود لهم ومعاول هدم في الخفاء.. قضيتنا قضيتهم وهدفنا هدفهم، نلتقي جميعاً في مشكاة واحدة، بل في خندق واحد ألا وهو طريق نشر الفساد بكلّ الوسائل المتاحة، فلا ضرر ولا ضرار ولا إفراط ولا تفريط، فهم قرناؤنا لا يخرجون عن طاعتنا ولا نخرج عن طاعتهم، نتهامس ونتساوس: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} (الأنعام/112).

فنحن صنوان لا نفترق، علينا أن نعترف لهم بالجميل، أعدّوا مجلات العراء وأشرطة الدعارة وبرامج لبث الزيف والباطل وغرس بذور الشرّ والضلال والضياع.



[‌أ]: موجه تربوي



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...