الأسرة في الأدب العربي

أدب وفن » آراء وقراءات
27 - محرم - 1426 هـ| 08 - مارس - 2005


1

تأليف: محمد عبد الواحد حجازي

هذا هو الكتاب الفائز بجائزة مجمع اللغة العربية الأولى (مايو 1969م)، ومؤلف هذا الكتاب محمد عبد الواحد حجازي خريج قسم اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة عام 1951م، وله عدد من الدراسات الأخرى، منها "فلسفة الأيام" الصادر عن دار الفكر العربي، و"أثر القرآن الكريم في اللغة العربية" الصادر عن مجمع البحوث الإسلامية، وله عدة دراسات أخرى قيد الطبع في دار الشعب والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

ويبدأ المؤلف كتابه بفقرة عن "الأسرة في نظر علم الاجتماع"، فالأسرة قوام المجتمع، وهي الخلية الأولى لجسده، إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا أنشب فيها الفساد أظفاره انهارت، وتقوّض البنيان الاجتماعي من أساسه.

ويبدأ المؤلف فصله بتعريف الأسرة في الحضارات المختلفة، ويصل في نهاية هذا الفصل إلى قوله:

".. في نظر علم الاجتماع فإن الأسرة نظام اجتماعي تعاوره الكثير من عوامل التطور والتحور، وإن الأسرة التي كانت تشمل العشيرة أو القبيلة بأرقائها وأدعيائها ومواليها قد تطورت وشذبت أطرافها حتى اقتصرت على الزوج والزوجة والأبناء"

ثم يتحدث المؤلف عن "الأسرة في نظر علم النفس" محللاً عوامل الفساد والانهيار التي تصيب الأسرة وأسبابها من خلافات زوجية، ثم يتحدث عن "الأسرة العربية في جاهليتها وإسلامها" مبيناً أن مجيء الإسلام كان فتحاً مبيناً في مستقبل الأسرة، إذ أرسى قواعدها على خير الأسس التي لا يطمح في أقوم منها مصلح اجتماعي، وعلى أصلب الدعائم التي لا تنال منها أعاصير الحياة وتطورات الحضارة المدنية، ويستدل المؤلف على آرائه هذه، مبيناً معاملة الرجل لزوجته وأولاده وعشيرته في ضوء القرآن الكريم.

ثم يعرض الباحث للأسرة العربية، وقد امتدت أطراف الدولة العربية في عهد الفتوحات الإسلامية، فدخلت تيارات حضارية متباينة، وتزوج العرب من السبايا والإماء ونساء المدن المفتوحة، وينهي كلامه بقوله: "وقد اضطلع أبناء الموالي والإماء بعبء لا ينكر في وضع أسس الفكر العربي الإسلامي، وساروا به خطوات قوية محمودة، وإذا كان للاختلاط مثل هذا الأثر الخطر في الفكر، فقد كان له أثره ولا ريب في تقاليد الأسرة العربية وعاداتها ونظمها بعد أن جرت في عروقها الدماء الأجنبية".

وفي فصل ممتع يتحدث المؤلف عن "الأسرة في آداب الحضارات العالمية" أتى فيه بعدة نماذج شعرية ونثرية مختلفة، وعلق عليها، ومن هذه النصوص نختار نصاً من الأدب المصري القديم على لسان زوجة تقول لزوجها:

            أنا أختك الأولى

            وأنت لي كالروضة

            التي زرعت فيها الأزهار

            والأعشاب العطرة جميعاً

كما نذكر هنا حكمة قالها حكيم مصري ـ من مصر الفرعونية ـ يصب فيها ذوب حكمته وخلاصة تجاربه في الحياة في أذن الزوج إذا أراد أن يستمتع بحياة أسرية وارفة الظلال، شهية الثمار، فهو يقول:

"لا تمثل دور الرئيس مع زوجتك في بيتها إذا كنت تعرف أنها ماهرة في عملها، ولا تقولن لها: أين؟ أحضريها لنا، إذا كانت وضعتها في مكانها الملائم، واجعل عينيك تلاحظ في صمت حتى يمكنك أن تعرف أعمالها الحسنة، وأنها لسعيدة إذا كانت يدك معها… بذلك تتجنب أيها الرجل تحريك الشجار"

***

بعد هذه الفقرات التي كتبها المؤلف كتمهيد لموضوعه، ينتقل الباحث لموضوعه، ويقول عن منهجه في دراسته:

"إننا في الأسرة في الأدب العربي ـ وهو موضوع بحثنا ـ لن نتناوله على سنة التقسيم التاريخي الحاد الذي يفصم كل عصر بحدود وقيود كما يفعل جمهرة من مؤرخي الآداب.. إننا سننتهج في هذا البحث نهجاً جديداً، وذلك أننا سنسير فيه مع الأسرة العربية.. من اللحظة الحافلة بالأحلام، إلى أن يتم الزواج بين العروسين، ثم ينجبا الأولاد والبنات ما شاء الله أن يرزقهما به، ونحن نتمشى معهما إلى أن تغرب حياتها، بموت الأب أو الأم، أو موتهما جميعاً.

ويبدأ المؤلف رصده لمسيرة الأدب العربي في الأسرة باختيار الفتى الزوجة، أو الرضا بالزوج من قبل الفتاة وأهلها فيورد قول الرسول الكريم: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". (رواه البخاري، النكاح، الحديث 4700).

وتتزوّج العروس من فتاها الذي خطبها ووافقت الأسرة عليه، ولا تنسى الأم أن تمحص ابنتها بنصيحتها، ويورد المؤلف قول امرأة عوف بن محلم الشيباني لابنتها أم إياس: "أي بنية! إنك فارقتِ بيتَكِ الذي منه خرجت، وعشك الذي فيه درجت، إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمةَ يكن لكِ عبداً. واحفظي له خصالاً عشراً يكن لكِ ذخراً. أما الأولى والثانية فالخشوع له بالقناعة وحسن السمع والطاعة، وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم إلا أطيب ريح، وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، أما السابعة والثامنة فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التدبير، وفي العيال حسن التقدير، أما التاسعة والعاشرة فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سراً، فإنك إن عصيت أمره أوْغرت صدره، وإن أفشيت سرَّه لم تأمني غدره، ثم إياكِ والفرحَ بيْن يديه إذا كان مغتماً والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا".

ويعيش الزوج مع زوجته، وينجبان الأولاد من البنين والبنات، وقد وجدنا في الأدب العربي من يفضِّل البنات على البنين مثل معن بن أوس، فقد كان له ثماني بنات قال عنهن: ما أحب أن يكون لي بهن رجال، وفيهن يقول:

وفيهن لا تكذب نساءٌ صوالحُ

عـوائـــدُ لا يمللْنَهُ ونوائحُ

رأيْـتُ رجالاً يكرهون بناتهم

وفيهن والأيامُ يعثرن بالفـتى

 

ويزيد من حب بعض الناس للحياة حبهم لبناتهم، لأنهن يكن أحوج إليهم في تربيتهن وحمايتهن، وإرساء قواعد مستقبلهن، ومن هذا البعض كان أبو خالد القنائي، وكان من غلاة الخوارج، قال عندما طُلب للقتال:

بناتي إنهنَّ من الضِّــعافِ

 وأنْ يشربْنَ رنْقاً بعدَ صافِ

فتنْبو العيْنُ عن كومٍ عجافِ

وفي الرحمـنِ للضُّعفاءِ كافِ

لقَدْ زادَ الحيَـــاةَ إليَّ حبا

أُحـَاذرُ أنْ يريْنَ الفقرَ بعْدي

وأن يعريْنَ إنْ كُسيَ الجواري

ولوْلا ذاك قدْ صوَّبْتُ مُهْري

وقد يريد البعض البنين مثل أبي حمزة الشاري الذي هجر زوجته حينما ولدت له طفلة، فمرّ بخبائها ذات يوم، وإذا هي تُهدهدها بقولها:

ما لأبي حمزةَ لا يــأتينا

يظلُّ في البيْتِ الذي يلينا

غضْـبانَ ألا نلد البنينا

 تاللهِ ما ذلكَ في أيْدينـا

وإنما نأخُـذُ ما أُعْطينا       

ونحن كالأرضِ لزارعينا

 نُنبتُ ما قدْ زرعـوهُ فينا

فما كان من أبي حمزة إلا أن دخل بيتها، وقبّل رأسها، واعتذر.

وعن ما قيل في الطفولة من هدهدة للأطفال ينقل المؤلف الكثير من الشعر في مُلاعبة الأطفال، ثم بعد أن يكبروا في تعليمهم، ونصحهم، وسوْق الحكمة لهم، وهو باب فيه الكثير من المؤلفات، لكنه استطاع أن يأتي بالجديد من رجوعه إلى المجموعات الأدبية القديمة، وإلى دواوين المعاصرين من الشعراء أمثال: علي الجارم، ومحمود حسن إسماعيل، ومحمد التهامي، وهاشم الرفاعي… وغيرهم.

ومن وصايا الآباء لأبنائهم ينقل المؤلف قول الخنساء ـ رضي الله عنها ـ تُحرض أبناءها الأربعة على خوض القتال في حرب القادسية: "أي بَنِيَّ! إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنتُ حسبكم، ولا غيَّرتُ نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الفانية، فاصبروا وصابروا، واتقوا الله لعلكم تُفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها وحمى وطيسها جالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلود والمقامة".

ولا يكتفي المؤلف بنصائح الآباء إلى أبنائهم في الحياة والتربية والقتال جميعاً، وإنما يورد الكثير من النصائح في مجال السياسة، ومنها قول المنذر بن المنذر لابنه النعمان يوصيه حين حارب بالشام: "إياك واطّراح الإخوان وأطراف المعرفة، وإياك وملاحاة الملوك وممازحة السفيه، وعليك بطول الخلوة والإكثار من السمر، والبس من القشر ما يزينك في نفسك ومروءتك، واعلم أن جماع الخير كله الحياء، فعليك به، وتواضع في نفسك، وانخدع في مالك، واعلم أن السكوت عن الأمر الذي لا يُعنيك خير من الكلام، فإذا اضطُررت فتحرَّ الصدق والإيجاز تسلم إن شاء الله".

ويمضي المؤلف فيورد شعر الأبناء في آبائهم وأمهاتهم وذوي قرباهم، كما يورد بعض الأبيات التي قيلت في عقوق الآباء واستحالة العشرة بين الزَّوجين، والطلاق.

وقد طوّف الكاتب الأستاذ محمد عبد الواحد حجازي مع الأسرة العربية من لدن نشأتها الأولى أي من اللحظة التي صار فيها الرجل والمرأة عروسين، إلى أن أنجبا من البنين والبنات ما شاء الله أن يُنجبا، إلى وفاة الزوج أو الزوجة، أو هما معاً جميعاً، أو انتهاء حياة الأسرة بأبغض الحلال وهو الطلاق.

وإذا كان الشعر العربي قد سجّل لحظات السعادة والقوة والنُّبل، فقد سجّل أيضاً لحظات النَّـزق والطيش، وقدّم لنا ثروة من المعاني الإنسانية والدلالات الأخلاقية، حاول هذا الكاتب أن يجمع طرَفاً منها في هذا الكتاب الذي فاز بجائزة مجمع اللغة العربية الأولى، وطبعه المجلس الأعلى للثقافة في إصداراته، وقد كان الكاتب موفقاً غاية التوفيق فيما هدف إليه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...