التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة (2/3)

قراءة مجملة في مقررات مؤتمر السكان والتنمية (القاهرة 1994)

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
15 - جماد أول - 1426 هـ| 22 - يونيو - 2005


لم تخرج مقررات مؤتمر القاهرة عن سابقاتها في مؤتمرات (بوخارست 1974؛ مكسيكو 1984)؛ بل إنها جاءت في صورة أعظم؛ فقراراته جاءت بأسلوب الأمر، أمر للدول والحكومات، والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، في تكثيف جهودها من أجل تطبيق ما حوته من مواد قبل حلول عام 2015م، (7.6)، هذه المواد  المتعلقة  بالسكان وقضاياه، والمرتبطة بالتنمية على سبيل العموم، وأما على سبيل الخصوص، فإن المؤتمر تضمن مجموعة من القرارات التي تنشد التقنين للإباحية التي انتشرت في المجتمعات الغربية، والتي يضغط أصحابها على حكوماتهم من أجل الاعتراف بها، وهو ما نلحظه في المسائل في الآتي ذكرها؛ والمؤتمر كان يجب أن يكون شعاره (الطرق المثلى والكفيلة بنشر الإباحية والشذوذ الجنسي)، فقد قامت دعائمه على مجموعة من المصطلحات تكررت في كل المقررات، كما يجب الإشارة إلى أنها أُطلقت لأول مرة، ولم يرد لها ذكر في المؤتمرات السابقة. فمصطلحات "الحقوق الإنجابية"، "الصحة الإنجابية"، "السلوك الجنسي"، "قواعد الإخصاب" وغيرها مما أثير لنشر الإباحية والشذوذ الجنسي.

التحدي الأول: الإباحية والشذوذ الجنسي.

        مصطلح "الحقوق الإنجابية":

 يتضمن هذا المصطلح حق اللوطيين والسحاقيات في ممارسة شذوذهم تحت راية القانون، وباسم الحق والحرية الإنجابية، وهي دعوة للتحلل والشذوذ الجنسي، وإنهاء الحمل ذي المخاطر، وإنهاء الحمل غير المرغوب فيه، ودعوة لتدمير مؤسسة الأسرة والزواج ببيان طرق إنهاء الحمل غير المرغوب فيه، ودراسة مضاعفات الإجهاض ومخاطره.

        مصطلح "الصحة الجنسية":

 أما مصطلح "الصحة الجنسية" فهو الدعوة الصريحة لتوسيع خدمات تجنب الأمراض الجنسية المعدية، وكأنما الوثيقة لا تجد غضاضة في إباحة الزنا بجميع صوره، وإباحة العلاقات الجنسية الشاذة، والتي هي السبب المباشر لانتشار الأمراض الجنسية؛ إضافة إلى التأكيد على أخذ كل الاحتياطات لتجنب الحمل غير المرغوب فيه، والوسائل الكفيلة بإنهاء الحمل ذي المخاطر، والتقليل من الإجهاض غير المأمون؛ لأن المشكلة ليست في الإجهاض في حدّ ذاته بل في الطريقة التي يتم بها! فلا إشكال في الزنا، وإنما الخوف من عواقبه.

ولا حرج أو إشكال في ممارسة الشذوذ، إنما الإشكال فيما ينتج عنه من أمراض جنسية رهيبة. فالنظرة صحية وطبية بحتة لا أخلاق فيها ولا شرع، فإذا توفرت طرق الوقاية الصحية فلا حرج ولا إشكال. وهيهات!

        المناداة بالحقوق الإنجابية للأفراد والأزواج:

فالمؤتمر في توجيه خطابه للأفراد (Individuals)، لم يتوان عن نشر الإباحية بين الشباب والمراهقين غير المتزوجين؛ في إرشادهم إلى الطرق المثلى لممارسة الجنس السليم والصحي، وبدون خوف من الوقوع في براثن الأمراض الجنسية، أو حصول حمل غير مرغوب فيه؛ مع التنبيه على وجوب نشر الثقافة الجنسية والتوعية بكل ما يتعلق بها، والدور في ذلك يرجع للمربين والمدرسين والوالدين، وعلى هذا يجب على الوالدين ألا يمارسوا العنف تجاه أبنائهم، وتركهم يجهلون المسائل الجنسية!

وفي هذا التوجه مخالفة صريحة لروح الشريعة الإسلامية ونصوصها، حيث حمل الإسلام الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية أولادهم وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة، وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسؤولية في أكثر من حديث ومن ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)، وقوله أيضاً: (أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم).

وقد ركز الإسلام على هذه المسؤولية لدرجة التهديد بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا أو قصروا في رعايتهم وحسن توجيههم لأولادهم، حيث يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكـة غلاظ شـداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).. (التحريم :6)، وليس من الرعاية التي كلف بها الإسلام الآباء لأولادهم تركهم للشذوذ الجنسي والأمراض الناتجة عنه".

وأما الخطاب الموجه للأزواج Couples، فقد جاءت عبارته فضفاضة لتسع أزواج عقد الزواج المعترف به، وأزواج المخادنة والعشرة غير الزوجية، ولا تجد غضاضة في دخول العلاقات الجنسية الشاذة التي تحدث بين مثيلي النزوع؛ وقد تكررت عبارة الأفراد والأزواج دون شرح المقصود منهما، الأمر الذي أثار حفيظة بعض الحاضرين، الذين طلبوا من الهيئة الممثلة للأمم المتحدة تفصيل هذه المصطلحات، إلا أن الأمر لم يحدث!

التحدي الثاني: التفكك الأسري

        تعريف الزواج وإلغاء الولاية:

عرفت الوثيقة الزواج بأنه (ما يجري بين المقدمين عليه The intending Spouses، بإرادتهما ورغبتهما الكاملة، ودون أي إكراه)، وفي هذا التعريف الدعوة إلى إلغاء دور الولي (بالمصطلح الشرعي) عموماً، وهو ما يتنافى مع تعاليم الشريعة الإسلامية في عدم إنفاذ عقد الزواج حال انعقاده دون موافقة الولي على رأي الأحناف، وبطلانه على رأي الجمهور.

أما الذي تهدف إليه الوثيقة من هذا التعريف فهو إقناع الشباب بأن أمر الزواج أمر شخصي بحت ولا صلة للمجتمع أو الأسرة به، بل هو بأيدي المقبلين عليه فقط ولا شأن للآباء به، فهو لا يقع إلا بإرادتهما وكامل رغبتهما، رغم أن "الواقع يثبت أن إرغام الفتيات على الزواج بما لا يرضين أو منعهن من الزواج بمن اخترن أمر نادر".

والذي يجدر الانتباه إليه هنا هو المصطلح الوارد في تعريف الزوجين Spouses، وهو اللفظ الذي يدل صراحة على الرجل والمرأة المتزوجين، فلماذا لم تورده القرارات في المواضع التي استعمل فيها لفظ Couples؟ ألا يدل هذا على النيات السيئة التي تتستّر تحت هذا اللفظ؟!

        التحامل على الزواج المبكر وانتقاده:

تنتقد الوثيقة وبشدة الزواج المبكر، فتدعو الحكومات إلى جعل القانون يرفع في الحد الأدنى لسن الزواج، من خلال إتاحة كل فرص العمل ومواصلة النساء للدراسة (4.21)، (11.3)، (6.11)، لتساعد هذه العوامل على تأخر زواجهن، أو العزوف عنه أساساً، وتحقيق حياة أفضل، C.6.7، وكأنما الوثيقة ترى أن الزواج ومسؤولياته من أسباب التخلف. أليس العكس هو الصحيح؟

بلى؛ فالوثيقة  تناقض نفسها بتعريفها للأسرة بأنها "الوحدة الأساسية في المجتمع" (أساس 9)، (5.1). أي أن قيام المجتمعات وتقدمها لا يقوم إلا بوجود أسرة متينة الروابط، جمع بين أفرادها عقد زواج بين الوالدين، وليست أسر العشرة غير الزوجية، أو أسر التبني، لأن ذلك يسبب انفكاك عرى الأسرة، مما يعود بالأثر السيئ على الأولاد ومستقبلهم، خصوصاً ما يتعلق بالرسوب المدرسي، واستغلال الأطفال في العمل الشاق غير اللائق، ولا يخفى استغلالهم أيضاً في بيوت الدعارة، وانتشار الأمراض الجنسية المعدية، والحمل غير المرغوب فيه (5.7)، فهذه النتائج هي ميزات المجتمع الضعيف البنيان.

وتؤكد الوثيقة في معظم قراراتها على العلاقة التلازمية بين التنمية الاقتصادية وانخفاض عدد السكان؛ فكلما قلّ عدد السكان ارتفع الإنتاج، وزاد دخل الفرد. ووسيلة المؤتمر لإثبات ذلك تركزت في تفعيل مشاركة المرأة في الحياة التنموية، والتركيز على تعزيز مكانة المرأة، وتقوية جانبها من خلال تربيتها وتعليمها، وتجنيبها الزواج المبكر، ومن ثمَّ الخروج بها للحياة العملية،(11.3)، وأخيراً وبطريق غير مباشر، ولكنه أكيد هو الدعوة إلى التنظيم الأسري، من خلال تعزيز حقوقها الجنسية، فكلما فكرت المرأة في العمل قل عدد أولادها، حيث تظهر الدراسات أن وضع المرأة (خارج البيت أو داخله) يؤثر في حجم الأسرة وفي نسبة المواليد.

كما تؤكد التحاليل على العلاقة بين عمل المرأة وخصوبتها الإنجابية، فعلى المدى البعيد تشير الدراسات إلى أن المرأة العاملة خارج المنزل يكون لديها عدد قليل من الأولاد.

وحتى لا يتأثر سير عملها خارج البيت، فإن الوثيقة تؤكد على المساواة التامة بين الرجل والمرأة في مسؤوليات البيت وتبعاته، (4.25). 

والذي تجدر الإشارة إليه أنه لم يرد في الوثيقة مصطلح (الأمومة)، وكأنما هي محاولة لتأكيد انتقاص كرامة المرأة بهذه الوظيفة السامية! أي أن قيام المرأة بإرضاع وحضانة أولادها مما يعطلها عن أداء دورها في تنمية البلاد. أليست مقاصد الرضاع والحضانة عائدة على كليهما؟ أم أن خروج المرأة للعمل والمساهمة في التنمية أولى من إنجابها النسل الذي يعد القوة العاملة المستقبلية؟ وما هدف عمل المرأة إذا كان يؤخرها عن الزواج، والأصح يجعل قطار الزواج يفوتها فتدخل في مرحلة العنوسة؟

وفي هذا ما فيه من المعارضة الصريحة لتعاليم الإسلام التي تدعو إلى الزواج وتحث عليه ما دامت القدرة عليه قد تحققت والاستطاعة قد تيسرت، كما أن تأخيره يؤدي إلى شيوع الفاحشة، ومن ثم زيادة الأطفال اللقطاء أو إباحة الإجهاض، وضياع الحقوق، وتوقف عجلة الإنتاج، وتفاقم المخاطر والمشكلات في المجتمع.

        تعريف الأسرة:

جاء تعريف الأسرة فضفاضاً يحتمل عدة تفسيرات، ويقبل أكثر من معنى، في قول وثيقة المؤتمر، إن "الأسرة توجد على أشكال وأنواع مختلفة" (أساس9)، (5.1)، ألا تبدو دعوة صريحة لقبول زواج المثليين الذي انتشر بصورة كبيرة، في ظل مباركة الكنيسة ورجال الدين في أوروبا وأمريكا؟ ومنها قبول أسرة المعاشرة غير الشرعية، وأسر المخادنة. وهذا شيء يتناقض تناقضاً صريحاً مع الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه، بل فيه مصادمة لأوامر الله تعالى. فلا سبيل في الإسلام لتكوين أسرة إلا عن طريق الزواج القائم على عقد بين الرجل والمرأة وفق القواعد الشرعية المنظمة لذلك.

وفي قبول زواج المثليين وإيجاد أسر تتشكل من مثليي الجنس دعوة لهدم الأساس الذي بنيت لأجله الأسرة ووجدت، فالأسرة تمر بمراحل وعهود أولها زواج ثم إنجاب ثم تربية أولاد وهكذا.. فهل يعقل في أسرة المثليين أن يحدث هذا؟! أم أن الأسرة في المستقبل ستعرف تغييراً في تركيبتها الأساسية التي تقوم على الرجل والمرأة، وتغييراً في وظيفتها التي تقوم على الإنجاب وإيجاد النسل؟

        إباحة الإجهاض:

لا ترى وثيقة مؤتمر القاهرة أي غضاضة في استعمال الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه، وإن لم تصرح بذلك علناً؛ بل جاء ذلك متضمناً في دعوتها إلى التقليل من حدوث الإجهاض غير المأمون Unsafe Abortion، والطريقة التي عرّفته بها؛ أي أن فكرة الإجهاض نفسها مقبولة شرط أن تتم في ظروف صحية جيدة، وعلى أيدي خبراء هذه العملية، فقد عرّفته بأنه "تلك الإجراءات لإنهاء الحمل غير المرغوب فيه إما: عن طريق أشخاص ليست لديهم المهارة الكافية، أو إجراؤه في بيئة لا تتوفر فيها أدنى المعايير الصحية، أو كلاهما". وفي دعوتها الباحثين لإجراء بحوث تتعلق بـ"سبل تخفيف  مضاعفات الإجهاض" (8025) التصريح بجواز الإجهاض شرط أن يتم بطرق حسنة، وألا تترتب عليه مضاعفات قد تؤدي إلى هلاك الأم!

وموضوع الإجهاض من المسائل ذات الأهمية، وذات الحساسية بيننا وبين المجتمع الغربي، من حيث استباحته ونطاق انتشاره، وما يوجد من نصوص شرعية تنص على تحريمه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. فريدة صادق زوزو

دكتوراه في الفقه وأصوله، قسم الفقه وأصوله، كلية علوم الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، (مارس 2002).

متفرغة للبحث العلمي والنشاط الاجتماعي والعناية بالأسرة والطفل.


تعليقات
-- njmaldin adam - السودان

03 - ربيع أول - 1442 هـ| 20 - اكتوبر - 2020




مقالة مفيدة جدآ

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...