البنات بر في الدنيا .. و ثواب في الآخرة

عالم الأسرة
23 - صفر - 1423 هـ| 05 - مايو - 2002


قال تعالى : )لله ملك السموات والأرض يهب لم يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور* أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير([الشورى:50،49]. 

في هذه الآية الكريمة بدأ الله عز وجل بذكر الإناث قبل الذكور، وذلك تكريماً لهن، حيث جرد عادة الجاهليين باحتقارهن، كما أن الأنثى كانت مؤخرة في مجتمع الجاهلية، فقدّم ما يؤخرون تنبيها بسوء عادتهم. وقيل: للكثرة؛ فقدم الأكثر .

والجاهلية العربية كانت تحتقر المرأة وتهينها وتعدها من سقط المتاع، وقد ذكر الله موقفهم من البشارة بأنثى، فقال عز وجل: )وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم* يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون([النحل:59،58].

غير أنه كانت هناك قبائل لا تئد البنات، فيتزوج الناس منهم، وكان فيهم عقلاء ينهون عن ذلك، منهم عامر بن صعصعة (جد الفرزدق) وكان يفتدي الموءودات ويربيهن في كنفه، وبذلك كان الفرزدق يفخر بجده ويصفه بأنه أحيا الموءودات.

ومن القصص المروية في الوأد: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى مجلس النبي – صلى الله  عليه وسلم – فجاءت أمامة بنت العاص فجلست في حجر النبي – صلى الله  عليه وسلم – فلما رآها ذلك الأعرابي بكى، فقال – صلى الله عليه وسلم – ما يبكيك ؟  فقال :   كنت  رجلاً كثير السفر فخرجت في سفر، وكانت امرأتي حاملاً، وانقطعت بي السبل ومكثت خمس سنين أحوب في أرض الله، ثم رجعت إلى أهلي فاستقبلتني صبية صغيرة كأجمل ما رأت عيناي فعلمت أنها ابنتي، وكنت من قوم يئدون البنات، فأخذتني الغيرة وعزمت على الخلاص منها، فقلت لأمها: إني ذاهب بها إلى أرض أعمامها، فجمّليها. فخرجت بها وهي تلثمني وتتعلق بي، فلما وقفت في الصحراء أخذت أحفر لها، فكانت تعينني على الحفر وتنفض التراب عن وجهي ولحيتي، فرقّ قلبي لها وحملتها وسرت راجعاً، فلما كنت في بعض الطريق أدركتني الغيرة ووقفت على بئر أطلب الماء، فجاءت إلي تعدو تريد الماء فسقيتها، ثم دفعتها على وجهها في البئر فكانت تصرخ وتستغيث بي، فوالله ـ يا رسول الله ـ لكأن صوتها في أذني الساعة،  قال أنس:  فوالله لقد بكى رسول الله – صلى الله  وعليه وسلم – حتى بلت دموعه  لحيته، ثم قال:  "يا هذا إن الإسلام يجبُّ ما قبله".

لم تكن هذه منزلة الأنثى في الجاهلية فقط، بل حتى في الأمم الأخرى، فالرومان واليونان والإغريق كلها أمم كانت تحتقر المرأة وتهينها،  وقيل إنه قد عقد مؤتمر في القرون الوسطى ليبحث: هل المرأة لها روح أم لا ؟  وخلصوا إلى أنها مخلوق له روح كالرجل لكنها مخلوقة لخدمة الرجل فقط.

ومن المؤسف أن الجاهلية الأولى بدأت تطل بقرونها في عصر الحضارة والرقي، فعلى الرغم من تقدم الأمم مادياً إلا أن هناك فئة غير قليلة تحتقر الأنثى ولا ترغب فيها ومن كان فيه شيء من هذا ففيه خصلة من خصال الجاهلية وإن كان مسلماً ملتزماً .

ففي الصين والهند عادت جريمة الوأد، لكن بطريقة حديثة، ففي الصين الشيوعية لا يحق للأسرة إنجاب أكثر من طفل واحد، ولذلك يفضل الأبوان أن يكون ذكراً، وبمجرد أن يعرفا من خلال أشعة "السونار" أن الجنين أنثى يقومان بإجهاضه،  أما من لا يملك تكاليف إجراء الأشعة لمعرفة جنس الجنين وتضع زوجته أنثى فإنها تضعها في صندوق وتلقيها على قارعة الطريق؛ لئلا تحتسب على العائلة.  ومثل هذا يحدث في الهند؛ لأن تكاليف زواج البنت باهظة، والفقر منتشر، فيتم وأد البنات وقتلهن بعد الولادة .

وفي مجتمعاتنا الإسلامية مازالت كثير من الأسر تفضل الذكور، وكم من مشكلة حدثت بسبب ذلك، كتطليق الزوجة، أو تهديدها بالزواج من أخرى، أو تعييرها بالبنات، وغير ذلك من الممارسات المنافية لشرع الله، حتى أصبحت المرأة تخاف من شبح ولادة الأنثى، وإذا علمت قبل الوضع ربما أغمي عليها أو أجهشت بالبكاء، الأمر الذي يؤثر على نفسيتها، ومن ثم على صحة الجنين وصحتها أيضاً.

إن قيمة كل فرد هي بعمله وقربه من الله تعالى، وليست بجنسه ولا لونه ولا حسبه ولا نسبه، ولهذا لا ينبغي الإفراط في تمني جنس معين ولد أم بنت،  والحكمة خفية )وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم(، وكم من فتاة كانت أبر لأبويها وأنفع من عدد من الذكور، وكم من ولد كان شقاء ووبالاً على والديه وكم تمنيا أن لم يلداه ولا رأياه.

لقد كان الأنبياء آباء لبنات، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – رزق بأربع بنات في مجتمع كان يمقت الإناث ويئدهن أحياء،  ولوط ـ عليه السلام ـ كانت له بنتان، وشعيب ـ عليه السلام ـ مثله ، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "من عال جاريتين حتى تدركا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين" وضم أصابعه.  وعن عائشة ـ رضي الله  عنها - قاــت :  دخلت عليَّ امرأة ومعها بنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت فدخل النبي  صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته، فقال : "من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار".

 وفي رواية: "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة بينهما، فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله– صلى الله عليه وسلم –  فقال : "إن الله قد أوجب لها بها الجنة وأعتقها من النار".

  وفي رواية: "من كانت له ابنتان فأدبهما وأحسن تأديبهما كن له ستراً من النار".

 وكان عليه الصلاة والسلام يحنو على البنات، ويحمل أمامة في صلاته، ويكرم بنته فاطمة فإذا رآها قام لها وقبل ما بين عينيها وقال:" مرحباً يا بنتي".

وقال الحسن رحمه الله :  "البنات حسنات، والبنون نعم، والحسنات مجزي عليها، والنعم محاسب عليها".

وقد كان لرجل زوجة رزقه الله منها بنتاً فغضب واعتزلها، فمر بها بعد شهور فسمعها ترقص ابنتها، وتقول :

مالأبي حمزة لا يأتينـــــا        ينام في البيت الذي يلينا

غضبان ألاَّ نلد البنينـــــا         تالله ما ذاك في أيدينـــا

نحن كالأرض لزارعينـا         ننبت ما قد زرعوه فينـا

فرجع إليها وإلى ابنته.

وكان رجل عند أحد الخلفاء فدخلت عليه ابنته وهي صغيرة فقبلها، فقال له أحد الأعراب :  دعهن عنك يا أمير المؤمنين فإنهن يقربن البعداء ويلدن الأعداء،  فقال له آخر :  ويحك،  لا تسمع له يا أمير المؤمنين، فوالله ما قام بحق مريض ولا رحم كبيراً ولا أعان على نوائب الدهر إلا هن.

والأجر المترتب على تربية البنت مقرون بحسن التربية،  وقد يسأل سائل: لماذا قرن بين الأجر وحسن التربية؟ 

- إن المرأة فتنة، وتربيتها على الأدب والدين تنأى بها عن أن تكون أداة غواية وحبلاً من حبائل الشيطان، وبهذا ينال من رباها أجر تلك التربية. أما حينما تفقد التربية والأدب فلا أجر له؛ لأنها ستكون أداة فساد حينئذ.

- كما أن تربيتها تختلف في بعض الأمور عن الذكر، يقول الله عز وجل : ) وليس الذكر كالأنثى( [آل عمران:36]، لذا لا بد من تعويدها منذ الصغر النظافة والتجمل والتطيب .

- ولا بد من تربية البنت على الحياء والحشمة، وعدم التعود على التعري والتكشف في اللباس، فيصعب عليها ترك هذه العادة في الكبر.

- وينبغي الحرص على تأديب البنات بأدب الأنثى، وتقديم القدوة الصالحة لهن، فكثير من فتياتنا اليوم تعرف الفنانات والمطربات وغيرهن من رموز العفن، ولا تعرف شيئاً عن عائشة وخديجة وحفصة وزينب، وهذه جناية على الجيل الذي استرعانا الله تعالى، فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم - :"ألا لا يجني والد على ولده".

ومن المعلوم أن مسؤولية تربية البنات تقع على عاتق الأم أكثر من الأب؛ لأنها أكثر التصاقاً بهن وإدراكاً لشؤونهن، والبنت غالباً تميل لمحاكاة الأم في تصرفاتها وأخلاقها؛ لهذا ينبغي أن نكون قدوات حسنة لبناتنا.

نعم، كلنا مأمورون بحسن التربية للذكور والإناث، لكن الإسلام حث على الإحسان إلى البنات؛ لأنهن ضعيفات، وقد ورد في الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم –: " اللهم إني أحرّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة".

كما أن لحسن التربية مردوداً جيداً؛ لأن بنت اليوم هي غداً مربية الأولاد وحاضنة الأجيال، وبصلاحها يصلح المجتمع، فالإسلام نظرته شمولية للمجتمع وما يصلحه وكم خرَّج لنا التاريخ عظماء كانوا تربية أمهات فقط، كأحمد بن حنبل ومالك والشافعي، وغيرهم كثير.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
البنات بر في الدنيا .. و ثواب في الآخرة
-- رقيه - مصر

13 - شعبان - 1429 هـ| 15 - أغسطس - 2008




طالماهمافي الاخرة وفي الحساب سواء وطالماأن كلاهما يموت ويصبح جيفه وطالماأن كلنا ولدنا من مكان واحد فأظن أن هذه تساوي بيننا ولا داعي لعمل قضيه

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...