دور تحفيظ القرآن الكريم .. تطلعات وآمال

دعوة وتربية » فقه الدعوة
24 - محرم - 1424 هـ| 28 - مارس - 2003


دور تحفيظ القرآن الكريم .. تطلعات وآمال (*)

ســارة الزامــل

 

قبل عشرين عاماً مضت كان الهجر والجفاء لكتاب الله الكريم من قِبَل كثير من المسلـمين والمسلمات هجراً ظاهراً ملموساً في كثير من البلدان.

كان الواحد منهم يبيت الليالي الطوال؛ بل الشهر والشهرين، إن لم تكن شهور الحول كلها، وهو لا يُمس المصحف ولا يُفتحه إلا لحاجة عارضة ـ دراسة رسمية، مسابقة رمضانية وغير ذلك ـ دون التلاوة التعبدية ودون الحفظ والفهم والامتثــال لأمره..

حتى إذا ما حل الشهر الكريم، وكان لبعض الناس معه وقفات وجلسات متقطعة، فإنه لا يلبث أن يرتحل عنه مع ارتحال ذلك الموسم الكريم.

في السنين الماضية لم نكن نسمع عن حافظات لكتاب الله في صفوف نسائنا وبنياتنا، بل كانت الكثيرات منهن يتداعين على ألوان إعلامية هابطة رديئة، والهمم مصروفة لحفظ كل سافل ورديء من شعر وغناء، بينما الصدور تكاد تكون خالية من آيات الذكر الحكيم، حتى آيات الكفاية في خاتمة البقرة، وآيات العصمة من فتنة المسيح الدجال من أوائل سورة الكهف، لم يَكُنَّ يعرفن عنها شيئاً، فضلاً عن حفظها أو فهمها أو تدبرها.

وأما من كانت على نور من ربها، وعلى صلة بكتابه العزيز، فتجـدها حين تريــد الجلــوس بين يــدي كتاب الله ـ تعالى ـ لتتلو أو تحفظ منه شيئاً، تجدها تتوارى عن الأعين، لا بعداً عن السمعة والرياء، إنما بعداً عن التندر بها، وبالطريق الذي هديت إليه؛ إذ إن الاتصال بكتاب الله إشارة بأن هذه خطوة في طريق العودة إلى صراطه المستقيم، وقد كانت الندرة - إذ ذاك - في أهل الخير والمعينين عليه. والله المستعان.

وأما اليوم فهذه جموع من نساء المؤمنين يُفِقْن ويَعُدْنَ إلى كتاب ربهن عَوْداً حميداً جميلاً صادقاً، متوجاً بتاج العزة والثقة به وبخبره، كلٌّ منهن ترجو وعده وتخاف وعيده، وتقف عند نهيه، وتستجيب لأمره - كل واحدة على قدرها وطاقتها.

وها هي الأموال الزكية الطاهرة، والأيادي العاملة الصادقة، تشيد البناء، وترص اللبنات.. وتدير حلقات القرآن في كل مكان حتى بلغت مدارس تحفيظ القرآن المئات، يرتادها عشرات الألوف من النساء؛ فلله الحمد والمنة.

وها هي حافلات دور القرآن تشق شوارع المدن لتعلن على الملأ أن الأمة عادت لربها.. ونهضت.. والتفتت إلى مصدر عزها ونورها، ومصدر مجدها وسؤددها، ولتعلن أن الأمة وإن طالت بها رقدة فإن اليقظة نهاية كل ضياع.

وهذه براعم الدور وهن يرتلن الآيات العزيزة مجودةً تجويداً يأخذ بالألباب. وها هو القرآن حياً كاملاً.. ينبض في صدور فتيات الإسلام، وهن بعدُ لم يتخطين ما يسمى مرحلة مراهقة حتمية التجاوزات الطويلة العريضة الـ.. الـ..، والتي يقال لا بد منها ولا بد من غض الطرف عنها، ريثما تنتهي ويعود صاحبها ـ متى ما شاء أن يعود إلى الصواب ـ.

ولكبيرات السن وللأمهات بل وللجدات، عـودة موفقة والتفافة حميمة على مائدة وحي السماء، والاسترواح في ظلاله ورياضه.. وبعد أن كانت الكثير منهن لا تُحسن قراءة أمِّ الكتاب، ولا تدرك معنى ونفع وِرْد الصباح والمساء، وكل ما تحمله دعوات وتعويذات ورثتها عن الآباء والأجداد، ولا يخلو بعضها من مآخذ شرعية، ولكنها اليوم وعلى مقاعد الدور أصبحت ترتل الآيات.. وتحفظ منها، وتتدبرها.. والكثير.. الكثير منهن حفظن الزهراوين، وحفظن أذكار اليوم والليلة، بل ومنهن من حفظت الأربعين النووية؛ فلله الحمد والمنة.

وبالجملة فإنّ هذا الكتاب الكريم شغل وقت فئات من النساء.. شغلهن بتلاوته وحفظه، وتدبر معانيه وتفهمها، وبالذهاب إلى دوره والإياب منها، وارتقى بهن عن كثير من سفاسف الأمور وتوافهها، وعلى عتبة الدور عقدن وأقمن روابط أخوية ودية إيمانية، نتج عنها صور وألوان من الطاعات، والقربات، ما كان من طريق إليها لولا هذه البيوت المضيئة - والحمد والفضل لله أولاً وآخراً -.

ولا يسع المؤمن المحب لله وكتابه وهو يرى هذا كله، إلا أن يستبشر ويُبشر به، لا سيما ونحن في زمن يتسابق ويتسارع فيه أئمة الباطل، ودعاة الرذيلة إلى تغريب نساء الأمة وصدهن على سبيل ربها.. فاللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد.

ثم الدعاء الصادق الحار لكل مساهم ومشارك في تأسيس هذه الصروح الدعوية النسائية، وفي متابعتها، ودعمها، وحمل همها، والوقوف مع أهلها، وكيف هي مشاعر أولئك الجُند لو رأوا أمهات الدور - كبيرات السن الصوّامات القوّامات - وهن يرفعن أكف الضراعة بين يدي الجواد الكريم ـ وفي ساعات فاضلة ـ يسألنه لكم التوفيق والثبات، وأن يبارك لكم وفيكم، ويحفظكم وأهليكم، ويرفع درجتكم، ويغفر خطيئتكم، نظير ما قدمتم - وتقدمون - من جهود لأهل الله وخاصته.

* احتياجات ومطالب الدور:

بعد هذه الإضاءات التي فرضت نفسها ننتقل إلى الاتجاه الآخر المعني بأمر هذه الرسالة وهو «احتياجات الدور ومطالبها».

وكما أننا نسعى لتكميل وتحسين بيوتنا وتشييدها، بل وتزيينها ونستبشر بذلك كثيراً، ونفرح بمن يمدنا برأي أو مشورة، فمن هذا المنطلق أرجو أن تُعامل هذه الدور.

وقبل البدء في ذكر المتطلبات أشير إلى نقاط:

أ - وإن كانت هذه رسالة عامة لكل من يهمه أمر القرآن ودوره إلا أنها تعني بالدرجة الأولى كل من وفقه الله وشرفه بالقيام عليها، من الدعاة وطلبة العلم.

ب - ما سيذكر من ملاحظات ومتطلبات لا يعني وجودها في كل دار.

ج - هناك مطالب لم يتطرق إليها مع أهميتها؛ ذلك أن التطرق كان للأمور التي يمكن تحصيلها وتكميلها.

د - هذه الأسطر لا تعدو أن تكون تطلعات ورؤى شخصية قابلة للأخذ والرد والنقاش، وإني لأرجو أن تثمر تجاوباً من قِبَل الأخوات الفاضلات منسوبات الدور ليدلين بإضافات أخرى أو تعقيب على ما سيذكر.

* أُولى المتطلبات: المورد المالي:

المادة وكما يقال عصب الحياة، وعنصر بقائها وتجديدها وتطويرها، وكم هي الدعوات الباطلة، والمؤسسات التدميرية، التي ما كان لها أن تقوم وتعيش وتؤثر في غيرها لولا وفرة المال وسيولته الداعمة، وإن كان الحق ممثلاً بمنهجـه وأهـله ومؤســساته لا يحتاج إلى كثير مال كالذي تحتاجه تلك المؤسسات، إلا أنه لن يكتب له التقدم والتسيد ما لم يولَ هذا الأمر حقه من الاهتمام والبحث والسعي في تحصيله وتنميته، ولفت النظر ـ دوماً ـ لضرورته في عملية الدعوة والإصلاح والتأثير والتمكين.. فكم هي المشاريع الإصلاحية والتربوية التي تتأخر، وتتعثر، وتضعف، بل وبعضها يموت مع ميلاده لفقد المدد المالي.

لذا ودور القرآن وهي محضن ومركز دعوي وتربوي، يلتحق فيه شرائح نسائية متباينة ـ عمراً وتعليماً وثقافة وثراء والتزاماً ـ يحتاج إلى توفر المال أيما حاجة، ويفترض فيمن يهمه أمر نساء المؤمنين ودعوتهن، وتزكية نفوسهن، والسمو بهن عما لا يليق بأهل العفاف والنبل والإيمان، أن يشمروا عن سواعد الجد وينهضوا عملياً ـ لا نظرياً ـ برسم خطط مدروسة لتأمين هذا العنصر الحيوي المهم ولو ـ كمثال ـ بجمع رأس مال ضخم ليستثمر وينمى من قِبَل أمناء أقوياء، يملكون قدراً من المهارة والدراية في هذه الصنعة.. حتى إذا قام المشروع واستوى على سوقه، يتولى من ثم الصرف على الدور وتغذيتها بالمواد اللازمة لحياتها وعطائها، وبهذا ستنتعش وتنشط وتتقدم في جوانب كثيرة، وقبل ذلك تحفظ لها ماء وجهها الذي أريق كثيراً.. كثيراً على خطابات الاستجداء والتسول التي ما برحت ومنذ قيامها ـ وكحال الكثير من المؤسسات الخيرية ـ لا تبني ولا تعطي إلا من جيب محسن أو مجامل[1]!

وثمة وقفات بين يدي هذا المطلب:

أ ـ يقترح أن تكون هناك لجان مالية تابعة للدور ـ كأن تكون لجنة لكل عشر دور متجاورة ـ مهمتها تنمية الموارد المالية والإشراف على الصادر والوارد، ومتابعة احتياجات الدور عن قرب، ولتنشئ حالة من التوازن بين الإمكانات والاحتياجات، وكذلك توكل إليها بعض المهام.. كشراء ما يُحتاج إليه من جوائز الدراسة والمتسابقات، وأيضاً توفير متطلبات المكتبة والمقصف.. وما شابه ذلك، ففي هذه الخطوة كسب كبير؛ منه:

ـ توحيد الصندوق المالي لعدد من الدور؛ وهذا فيه من الفوائد الشيء الكثير.

ـ توحيد عملية الشراء وتوفير المواد واختيارها وتحديدها كماً وكيفاً في آن واحد، وهذا يحفظ للدور جهداً مالياً وآخر بشرياً.

ـ أيضاً من إيجابيات هذه الخطوة ـ وهو مهم ـ أن يوفر ويحفظ وقت وجهد مديرات الدور ومعلماتها، من أن يستنزف ويهدر في كثرة الخروج والتسوق وطول الوقوف والتردد على أبواب المكتبات، والتنقل من الأسواق الشعبية إلى المتاجر الصغيرة والبسطات الأرضية، هذه الخطوة ستحفظ وتوفر لهن الجهد والوقت ليصرفنه فيما يناسب طبيعتهن وقدراتهن، سواء في بيوت القرآن أو في بيوتهن الأسرية.

ب - الحد والتقليل من صرف الجوائز..

كان للجوائز والحوافز ضرورة لشد وجذب نفوس الصغار والكبار إلى حلقات القرآن؛ هذا يوم أن كانت الدور مستحدثة وطارئة في المجتمع..

أما وهي قد بلغت هذا العدد، وحوت وجذبت الأعداد الكبيرة، والإقبال عليها في تزايد ملحوظ، فلا شك أن الحاجة إليها أقل من ذي قبل(*).

لذا لو أُعيد النظر في هذا الأمر الذي أثقل كواهل الدور، والذي ـ أيضاً ـ لا يساوي شيئاً في نظر بعض الدارسات؛ إما لتكرار ما تحوز عليه، وإما لبساطتها ورداءة صنعتها، وإما لغير ذلك.

وربما أن هناك أساسيات تفتقدها مكتبة الدار توفيرها أنفع وأجدى للدارسة من هذه الجوائز، بل مما يجب التنبيه عليه حول هذه النقطة، وحتى لا تختلط الوسائل بالغايات عند جيل القرآن، لا بد من صياغة جديدة تُفعَّل فيها الأهداف والمقاصد - لا الوسائل والحوافز - كما تقول النظرية التربوية الحديثة: «وضوح الأهداف والغايات أمام التلاميذ ومدى اهتمامهم بتحقيقها يشكل الدافع الأساس للتعلم». لذا يفترض أن نقف قليلاً ونراجع وسائلنا وإلى أي شيء بلغت، وماذا حققت؟ يفترض في هذه الفترة النشطة من حياة الدور، والتي يقابلها نشاط أكثر وحركة أسرع في الاتجاه الآخر - الانفتاح الثقافي/ الفكري / الإعلامي اللامحدود واللامضبوط - تحفيز النفوس، وشدها، وجذبها إلى حِلَق العلم بأمر آخر غير أطقم الصحون وأطقم القدور وما شابه ذلك! وأن تربى الدارسة على حب الله وعلى حب كتابه العزيز، وليُزرع ويغرس في عقلها، وقلبها، وفكرها، أن هذا الكتاب الذي يُجتمع عليه ويُتفرق، إنما هو منهج الفلاح والنجاة من الفتن والأهواء، ومنهج للحياة الطيبة الرحبة، وأنها مُطالبة بإقامة حدوده لا حروفه فحسب، وأن التفاضل هو في تعظيمه والاستجابة له، وأيضاً تُنبه إلى السنن الإلهية حين تُعرِض الأمة عنه وتجعل أمره وراء ظهرها، فلن يكون إلا الذل والهون.

تعزز هذه المفاهيم والمحاذير لطالبة الدار بالوقوف مع الآيات وأسرارها وبدائعها، وما يظهر في تشريعها من حِكَم ولطائف، وما تحمله من كشف للشبهات والادعاءات التي تنسج وتصاغ لاغتيال فضيلة المرأة بل وعقيدتها معاً، وإذا نجحنا في توصيل هذه الرسالة إلى قلبها فهذا أقوى رابط يربطها بالدار وبالقرآن.

* المطلب الثاني:

توفير العنصر البشري المتأهل الفعال والمال، وهذان العنصران - كما هو معلوم - متلازمان لا ينفكان، بل هما للعمل والإنتاج كالجناحين للطائر.

وإن كانت بعض الدور لا تخلو من نخب فعالة تبذل وتعطي، على بصيرة من أمرها، إلا أن الحاجة أكبر، والأعداد الموجودة لا تفي ولا تكفي؛ لذلك ولتحقيق قدر من هذا المطلب يُقترح أمور منها:

أ - الاعتناء والاهتمام بالطالبات المتميزات تديناً وخلقاً وأدوات القدرة على التلقي والمهارة، وحثهن على الاستمرار ومواصلة الطلب، ومساعدتهن في التغلب على ما قد يجدنه في طريقهن من معوقات أسرية وغير ذلك، ثم تنمية مهاراتهن وتطوير قدراتهن، ووضع البرامج العلمية والتثقيفية والتربوية لتهيئتهن تهيئة مستقبلية ليتأهلنَ للقيام بمهام إدارية وتعليمية في دور القرآن.

ب - إقامة مركز أو معهد تدريبي ترعاه مؤسسة تعليمية أو خيرية ـ شكلاً ومضموناً ـ تستقطب له المؤهلات من طالبات العلم، والمتخصصات في التربية والدعوة والاجتماع؛ ليقمن ويشرفن عليه ويعلمن فيه؛ والغاية منه هي مساعدة وتقوية الفئات الضعيفة التي تعمل في الهيئات الإدارية والتعليمية داخل الدور.

وحتى لا تتعطل الدراسة أو تتأخر يمكن أن تفرغ العاملات على طريقة الدفعات؛ كأن تُنتدب للدراسة من كل دار ثلاث معلمات وإدارية.

ولأجل تحقيق نتيجة جيدة فعالة من هذا المركز، ولضمان أن الدارسة أخذت قسطاً كافياً من المواد العلمية والتربوية، يفترض ألا تقل مدة كل دورة عن ستة أشهر، أو عام دراسي كامل، تمنح بعدها شهادة تشهد لها بمستواها وعطائها وتعاملها وتجاوبها مع برامجه ودروسه، ثم يعدن إلى دورهن، لتلتحق دفعة أخرى في الدورة التالية.. ثم دفعة ثالثة..

ثم بعد ذلك ها هي دور القرآن وقد حظيت بقدوات حسنة، وبنخب وخامات طيبة فعالة صنعت لها صنعاً، وستدفن ـ حينئذ ـ ذكريات الماضي.. من حالات النقص والتقصير وسوء التدبير والتخطيط الناتجة ـ ومظاهر الضعف في التأهيل والإعداد.

ت - دأبت كثير من الدور على تسطير وتنظيم خطابات للأغنياء والمحسنين لأجل الوقوف معها ودعمها مادياً، لكن هل قامت بالعمل نفسه وصاغت خطابات الدعوة والحث على الوقوف معها وقوفاً علمياً وتربوياً؟! أظن أن هذا لم يكن مع ضرورته وأهميته وإيجابيته؛ ذلك أن هناك طائفة من النساء الخيرات؛ الدور بحاجة إلى عطائهن، وحيث إن النفس بدون التذكير والتنبيه قد تفتر ولا تبادر من ذاتها، وربما ترى أن في عرضها شيئاً ما - كالتزكية والاكتساب - تراها لا تُقْدِم من نفسها؛ لذا حري بالدور أن تبحث وتتقصى عنهن وتكاتبهن، بل وتكاتب أولياءهن وتحثهم على ذلك وتشكر لهم وقفتهم.

ث - وحتى لا تفقد الدور بعض منسوباتها النشطات يجب أن تعنى بهن، وتنظر وتقدر أحوالهن الخاصة والعامة، ويفتح المجال لهن ليبدين ما يجدنه من أمور وملاحظات ـ هي في صالح الدور ومنهجها - ويشجعن على ذلك.

كذلك تذلل لهن الطريق وتزال عقباته ما أمكن. أيضاً من العناية بهن مناصحتهن وتقويمهن عند التجاوزات البشرية التي لا يسلم منها أحد برفق ولين، بدلاً من إنهاء التعامل عند حدوث شيء منها.

* المطلب الثالث:

إعداد منهج دراسي متميز لدارسات الدور، يشمل جميع المواد التي تحتاجها طالبة الدار من القرآن الكريم، التفسير، العقيدة، الفقه، الحديث، وجملة مختارة منتقاة من كتب السير والأخلاق والتربية والتوعية. ثم يقسم على مستويات الأعمار والتحصيل العلمي، وتلزم كل طالبة بدراسته وتفهمه، وتمنع أن تنتقل من مستوى إلى مستوى آخر قبل تجاوزها إياه ونجاحها فيه.

فكثيراً ما نرى الدارسة تقضي سنوات عديدة وحصيلتها دون المطلوب، وتراها اليوم تحفظ من أول القرآن وغداً من آخره.. وبعد غد نسيت أوله وآخره، وها هي تحفظ من جديد وتعيد وهكذا.

كذلك تعاني بعض طالبات الدور من تكرار ونمطية وسلبية في مجال الدروس العلمية، والتركيز على جانب دون الآخر، وتعبر إحدى الدارسات عن ذلك بقولها: "ردَّدنا أحكام النون الساكنة والتنوين دورات عديدة، حتى حفظناها كحفظنا لأسمائنا، وبالمقابل كثيراً ما نخطئ في التفريق بين واجبات الصلاة وسننها بل وأركانها، ولا زلنا نلتمس من يبين لنا أبسط الإشكاليات الفقهية الخاصة بنا معشر الفتيات".

أيضاً صورة أخرى لعدم توازن العطاء العلمي: حين نجد طالبة متميزة في حفظها لكتاب الله وإتقانها وإقامتها لحروفه بشكل جيد، بينما الفجوة بينها وبين حدوده وتعاليمه فجوة ظاهرة، وما ذاك إلا نتيجة تغليب جانب على آخر، وربما أن هذا الآخر هو أهم وأنجى وأنفع للطالبة.

* المطلب الرابع:

إزالة العقبات التي تؤثر على عطاء بعض المعلمات والإداريات والتي قد تضعف من فاعليتهن، ومن أبرزها والتي يتفق عليها الكثير من الأخوات ما يلي:

أ - كثرة عدد الطالبات في الفصل، ومعه التفاوت في مستويات الحفظ والمراجعة؛ فكل يحفظ ويراجع حسب ما وصل إليه، وقد ينقسم الفصل إلى خمس مجموعات أو أكثر؛ وهذا يشكل على المعلمة عبئاً من حيث المتابعة، والتعليم، كذلك تقل الفائدة من عملية التلقين، ويصعب معه تقويم عطاء المعلمة وتقديره، وأيضاً يصعب معه تقدير استجابة المتعلمة.

ب - المواصلات: هذه عقبة تذكرها كثير من العاملات، وربما حالت دون استمراريتها في عملها؛ فحين لا تجد المواصلات الخاصة تضطر إلى الالتحاق مع حافلة الدار.. وهنا تكمن المشكلة؛ فمواعيد حضور وانصراف الحافلات متعبة وغير مناسبة لكثير من الأخوات اللاتي لديهن التزامات بيتية، وربما التزامات أخرى كعمل صباحي وغيره؛ فالحافلة تجيء الساعة الثالثة قبل أذان العصر، وتعود بها السابعة بعد المغرب، وشتاء توافق أذان العشاء وما بعده، فهذه أربع ساعات تصرفها كل مساء خارج بيتها، وبعيدة عن أطفالها أو أسرتها ومهامها الخاصة، علماً بأن وقت درسها داخل الحلقة ساعة ونصف، وإن طال فلا يزيد على الساعتين.

وللتغلب على هذه المشكلة أو لتخفيفها، يُقترح أمور ثلاثة:

أولها: أن ينظر في أمر تعيين المعلمات وقبولهن؛ بحيث تكون الأولوية - في حال التكافؤ وتوافر الشروط - لمن هي أقرب موقعاً من الدار؛ ذلك أن هناك من المعلمات من تمر على عدد من الدور في ذهابها وإيابها من وإلى عملها؛ فلو نقلت إلى أيها أقرب لبيتها لكان خيراً لها. ولندع بعض المجاملات وبعض الأهواء الشخصية[2] جانباً؛ فتقديم المصلحة العامة أوْلى.

الأمر الثاني: أن نملك نظرة مستقبلية، حين نهتم بالطالبات المتميزات، واللاتي يسكُنَّ جوار الدار، وربما لا يحتجن - أصلاً - إلى مواصلات لقرب السكن، هؤلاء يفترض العناية بهن عناية خاصة وإعدادهن وتأهيلهن للقيام بالتعليم أو العمل الإداري في الدار ليشغلن أماكن الأخوات اللاتي يبعدن عن المقر.

ثالثاً: أن توفر حافلة صغيرة خاصة للعاملات - فقط - بحيث تنطلق بهن حال انتهاء الدوام، ومن لها أعمال أخرى لم تنته منها كالمناوبة وغيرها، فهذه يدبر أمرها، بحيث لا تعطل أو تؤخر جميع أخواتها الموظفات.

ث - سجل المتابعة[3]: - مازال الكلام عن العقبات - هذا السجل ينبغي للمعلمة أن تكتب فيه بيانات دقيقة عن الطالبة وعن حفظها، ومراجعتها، وحضورها، وغيابها، وتقويم مستواها بشكل يومي، ثم تقوم في نهاية كل أسبوع برصد الدرجات - لجميع الدارسات - ثم ترصدها مرة أخرى في نهاية الشهر، ثم تقسمها على عدد الأسابيع، ثم .. وثم .. إلى آخر متطلبات هذا السجل، بمعنى أنها تعبئ كل يوم عشرة حقول لكل طالبة كما هو في النموذج التالي:

ولو وقفنا وقفة حسابية زمنية لظهر ما يلي:

إذا كان عدد الدارسات «25» فالنتيجة : 25 × 10 = 250 حقل تسجل فيها المعلمة يومياً، مع التسميع لكل واحدة منهن مقطعين من القرآن - حفظاً ومراجعة - هنا ستستهلك كل دارسة ما لا يقل عن «7» دقائق من زمن الحلقة. والسؤال: هل الوقت سيغطي ذلك؟

ننظر: 25 × 7 = 175 دقيقة !! ووقت الحلقة إن طال فلا يتجاوز «120» دقيقة، وقليلاً ما يكون ذلك، مع أن هناك مواد أخرى تحتاج إلى وقت: التجويد، التلقين، الفوائد.. فماذا تفعل المعلمة للتغلب على ذلك؟

ستضطر إلى الاستعانة ببعض الطالبات للتسميع فيما بينهن، وهذا يوجد أزمة أخرى: كيف للمعلمة تدوين درجة الطالبة التي لم تسمع قراءتها؟ وهل تعتمد على تقدير الطالبات بعضهن لبعض؟ ومعلوم أن درجة التقدير تختلف من شخص لآخر، لا محالة ستلجأ لهذه الوسيلة، وستلجأ إلى تدوين بيانات الطالبات على ورقة خارجية تكتب فيها بصورة سريعة، وعند عودتها إلى بيتها، فهناك دوام آخر بين يدي السجل تنقل إليه ما كتبت في الورقة من درجات وترقيم آيات و.. و.. لترصها في حقوله، علماً بأن هناك حقولاً أخرى لم تظهر في النموذج، وقد رصدت إحدى المعلمات الساعات التي تقضيها مع السجل خارج الحلقة ومع رصد الدرجات وتقسيمها فإذا بها «25» ساعة في الشهر!!

وهنا تساؤل: ألا يظن أنه لو صرفت المعلمة هذا الوقت، في تطوير قدراتها، وتوسيع مداركها، من خلال القراءة والإطلاع والتفكير، وكذلك التزود من الباقيات الصالحات، القولية والفعلية[4] أن في هذا زكاة لنفسها، ورفعة في خلقها، وإبداعاً في عطائها؟ وهذا الذي تحتاج إليه، وهذا الذي ينعكس على طالباتنا، فثمة رسائل شفافة بين الأرواح تتأثر وتؤثر.. وتأثيرها أبلغ من رسائل اللسان وإن علا وإن أفصح!

لذا نتمنى لو أعيد النظر في هذا السجل وكيفيته، وتحويله إلى صورة أبسط وأسهل يؤدي الغرض دون تكلف ودون مشقة.

ج - الدار وكأي مبنى عام.. تحتاج إلى متابعة جيدة مستمرة.. تجديد وتنجيد أثاث.. صيانة.. سباكة.. استدعاء شركة نظافة وأخرى لمكافحة الحشرات وما شابه ذلك، هذا أمر حقيقة يصعب على النساء القيام به وتوفيره بالشكل المفترض أن يكون عليه، وأصعب منه أن تظهر صورة للدار تدل على الإهمال والتقصير واللامبالاة بمشاعر واحتياجات من يردن إليها - دارسات، مدرسات، زائرات - وقد تضطر الإدارة إلى سؤال الآخرين ليعينوها على تحقيق بعضه، والبعض الآخر يبقى في وجهها؛ تحمل همه ولا تملك له حلاً.

وعندما يكون المبنى مستعاراً من مدرسة رسمية صباحية ـ وهذا هو الغالب ـ فستكون هناك إشكالية أكبر؛ فالمسؤولية تأكيداً على الإدارة الصباحية، لكن يبقى جزء من المحافظة والمساعدة يفترض أن تقوم به الإدارة المسائية، وربما يحدث ـ بل وحدث ـ قيل وقال بين الإدارتين[5].

د - هذه العقبة وإن كان قد تقدم الحديث عنها في بداية الموضوع فإنه ينبغي ذكرها في سياق سرد العقبات، تلك هي مشتريات الدار ومتطلبات المقصف والمكتبة، وكل ما يدعو إلى الخروج للأسواق والأماكن العامة، فإن هذا يسبب حرجاً لكثير من موظفات الدور ويتعرضن بسببه إلى كثير سؤال ومؤاخذة من أسرهن، وقد تجدها بعض الأسر ذريعة لمنع بناتها من البقاء في الدور.

هـ - متابعة الحافلات ورسم خط سيرها، والتوفيق بينها وبين ركابها، وحصر الأعداد لكل حافلة وما شابه ذلك، هذه لا تجيدها كثير من النساء، وينتج عنها تقسيم عشوائي لخطة السير، ومن ثم تحدث صور فوضوية في الحضور والانصراف مما يزعج السائقين أو أولياء الأمور؛ ولا عجب فحين يكون التخطيط من رأس لا يجيد معالم الطــرق والأحياء وشــوارعها ولا يستوعبها جيداً ـ وهذا حالنا معشر النساء ـ فالنتيجة كما تقدم.

وقد تبدو هذه العقبة تافهة عند البعض، لكن لو رأى هذا المعمعة التي تعيشها الإدارة وهي تقضي الأسبوع الأول والثاني وأحياناً الأسبوع الثالث، في تمرير هذه العقبة؛ لاقتنع: فتارة هي في جدل مع أولياء الأمور، وأخرى مع السائقين، وحيناً تجدها قابعة في أقصى الحافلة تحاول ضبط العدد وتنظيم السير.. إلخ! وتتكرر هذه المعمعة مع كل دفعة تسجيل جديدة، وقبول التسجيل - في كثير من الدور - مفتوح على مصراعيه إلى منتصف الدورة وأحياناً أكثر.

وفي حال عدم توفر النقل مع بدء الدورة، فهذه مشكلة أخرى: مشكلة البحث عنه وتوفيره، فتراها تنتقل وعبر الهاتف من شركة إلى شركة، ومن مدرسة أهلية إلى أخرى؛ لتستأجر عدداً من الحافلات.. وهلمَّ جراً.

هذه العقبات الثلاث الأخيرة إن عُلِّقت على رقبة الإدارة.. ألا يكون هذا تحميلاً للنفس ما لا تطيق، ولا تحسن أيضاً؟!

ثم كيف تتفرغ الإدارة لمهامها الأساسية: متابعة خطة التعليم وسير الحِلَق، ومشكلات الدارسات والمعلمات، واستقبال المستجدات والتقصي عن أحوال المنسحبات والمنقطعات، وكذلك تنظيم جدول الأنشطة والمسابقات، والاتصال بالداعيات والتنسيق معهن و... إلى آخر المهام، وهذا ما حدا ببعض الطيبات إلى ترك العمل الإداري؛ لعدم قدرتها التوفيق بين تلك المسؤوليات، أو - لعلمها بالحال - لم توافق ابتداءً عليه.

ختاماً:

فثمة أمور أخرى تحتاج إلى وقفات ومراجعة من الصعب تفصيلها، وأمور تحتاج إلى تطوير وتحسين وتفعيل، كـ: مكتبة الدار، الدرس الأسبوعي، العلاقات الأخوية، العلاقات بأسر الطالبات، الأنشطة الثقافية، المقصف.. السوق.. الطبق الخيري.. الحفل الختامي؛ ولا شك أن توفر الركائز الأساسية التي ذكرت - العنصر المادي، الطاقات البشرية المؤهلة، المنهج الدراسي الموحد -  مع إزالة العقبات المبينة ـ سيحقق ويفعِّل بعضاً مما نريد وربما أكثره؛ فالمسلم المؤمن إذا سخَّر عقله وجهده وماله ووقته في سبيل دعوته فالله معينه ومسدده بإذنه جل جلاله.

 

 (*) مع الإقرار بزيادة أعداد الدارسات الملتحقات بالحِلَق والدور النسائية إلا أن نسبة أعدادهن مقارنة بأعداد فتيات المجتمع المفترض التحاقهن بها ما تزال ضئيلة، ولذا فإن الاستمرار في تحفيز الطالبات في بادئ التحاقهن، وصغيرات السن ومن هي ضعيفة التعلق بكتاب الله في غاية الأهمية، ولا يتعارض مع ما تذكره الأخت الفاضلة من ضرورة ربط الدراسات بكتاب الله تعالى وتربيتها على تلقيه للفهم فالعمل.

وكأنها ـ جزاها الله خيراً ـ ناقدة لظاهرة تقصير الكثير من الحلق والدور في القيام بهذا الدور الذي لا بد من القيام به.                                            - ^ -

 

---------------------

(*) مجلة البيان * العدد 185* المحرم 1424هـ  * مارس 2003م.



[1]) ولا يقتصر على التبرعات فقط، إنما تتعدد مصادره لكسب الوقت ولتحصيل أكبر؛ حتى إن مديري إحدى الشركات التجارية قال ـ متذمراً ـ يصلنا في العام الواحد عشرات الخطابات من مدارس القرآن تريد مساعدة!

[2]) أقصد بالأهواء الأمزجة؛ إذ توافق بعضها مع بعض، كأن تتعلق الإدارة ببعض المعلمات والعكس كذلك، ويرين هذا مسوغاً لتعليق الأزمة، وهن كثيراً ما يتذمرن منها، وتترك أثرها على حضور المعلمة وغيابها.

[3]) هذا السجل أعد من قبل الجماعة الخيرية، وتم توزيعه على الدور، ثم تبعه سجل آخر؛ حقول اليومية التي تعبئها المعلمة «7» بدل عشرة، إلا أن الدرجة اليومية أصبحت رمزية ـ جيد، ممتاز إلخ ـ وهذه الرمزية أصعب من حيث إخراج التقدير الشهري، وهناك من الدور من لا زالت تتعامل مع السجل الأول.

[4]) يتم هذا ويكمل بمساعدة الإدارة لها، حين ترسم جدولاً وبرنامجاً علمياً تربوياً روحياً لمعلماتها.

[5]) ولو كنا نملك هماً كافياً للإصلاح والتأثير، وقدراً من كسب القلوب والمواقف، لأقمنا بيننا وبينهم جسوراً من الود والنصح والتعاون، ولفتحنا معهم قنوات للحوار والدعوة، وإنها لفرصة كبيرة لو اغتنمها أهل القرآن، لكن أين هو الهم؟!



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...