علي أحمد باكثير في المدينة المنورة (2-2)

وجوه وأعلام
01 - شوال - 1426 هـ| 03 - نوفمبر - 2005


وقد جرت بين باكثير وبين شعراء المدينة المنورة آنذاك مساجلات شعرية وقد حفظ لنا منها صاحب المنهل مساجلتين اثنتين، كان مسرح المساجلة الأولى حديقة المرحوم عبد اللطيف بشناق الكتبي خارج باب قباء وزمانها يوم من أيام عيد الفطر المبارك سنة 1352هـ ورغم برودة الشتاء في ذلك العام إلا أن الأصدقاء الشباب الستة أجمعوا أمرهم على المساجلة المرتجلة بعد تناول طعام الغداء في تلك الحديقة الغناء، وقد اشترك في هذه المساجلة كل من: باكثير، الأنصاري، طاهر الزمخشري، عبد اللطيف أبو السمح، أحمد الخياري، صالح الحيدري.

وقد افتتحها باكثير وتلاه الأنصاري:

علي باكثير:

رعـى  الله يـوماً رأينا به

وجوه المنى سرّت الناظرين

كـان الـنـسـيم به غادة

لـتـقبيلها تندب العاشقين

كيُمْنى الرحيم برأس اليتيم

يمناه  فوق رؤوس الغصون

  عبد القدوس الأنصاري:

كـأن الـجـبـال خيام نصبن

وذاك الـمـنـار عـليها أمين

كـأن الـغصون غصون النخـ

ـيل غدائر منبوشة للمجون

كـأن الـسـمـاء وقـد غيّمت

سـبـائـك من فضة ما ضين

كـأن الـحـرار حـرار قباء

إمـاءٌ صـففن ببهو حزين

وقد بلغت هذه المساجلة تسعة وتسعين بيتاً كان باكثير فيها أطولهم نفساً إذ يشارك فيها بأربع وأربعين بيتاً أي ما يقرب من النصف، وقد اجتمع الشعراء الستة مرة أخرى في عيد فطر 1352هـ بنفس الحديقة الغناء وانضم إليهم في حلبة الشعر الشيخ محمد حافظ ـ أطال الله عمره ـ وعبد اللطيف البشناق "الذي كان كتبياً وكان أمياً ولكن الجو الشاعري جعله ينطق بالشعر الفصيح "على حد تعبير صاحب المنهل وكان ممن حضر هذه المساجلة وكان لاسمه ذكر فيها الشيخ عبد المجيد خطاب، وقد افتتح المساجلة طاهر زمخشري وتلاه الأنصاري فباكثير:

طاهر زمخشري:

صفوٌ أتيح فأسمِعُونا الآنا    

مما يهزّ قلوبنا ألحانا

عبد القدوس الأنصاري:

إخواننا في العيد نُظِّم جمعهم   

في روضة أنعِمْ بهم إخوانا

علي أحمد باكثير:

سمح  الزمان بوصلكم وحضوركم

ولـكـم تـمـنـيـناه قبلُ زمانا

عاطيتكم خمر السرور على الصفا

فـغـدوت مـن صهبائها نشوانا

إن كـان قـبل اليوم دهري مذنباً

فـالآن  كـفَّـر مـا جـناه الآنا

عبد القدوس الأنصاري:

ولئِن سرَى في الجسم هم قاتل    

فشفاؤه بوجودكم قد حانا

علي أحمد باكثير:

ولقد نزعتُ إلى الشَّراب وصفوه    

فوجدت حفلكم الجميل الحانا

عبد اللطيف البشناق صاحب البستان:

ولقد سُرِرتُ بجمعكم يا إخوتي    

وسألت ربي أن يدوم زمانا

محمد الحافظ:

الله  أكبر  إننا من  لطفكم    

نروي  النفوس فصاحةً وبيانا

دمتم ودام المجدُ يخطِرُ فيكمو   

في حلةٍ خضرا زهت ألوانا

علي أحمد باكثير:

شبّهتُ  حفلكُمُ فكان قلادةً   

ورأيتكم دراً بها وجُمانا

لا بِدعَ أن تغدو مثالاً للندى   

والله أنزل فيكُمُ القُرآنا

ولديكم  خيرُ الأنامِ  فكنتمو   

في عين كل فضيلة إنسانا

  وعدد أبيات هذه المساجلة ثلاثة وخمسون بيتاً كان نصيب باكثير فيها صاحب النفس الشعري الأطول إذ بلغ نصيبه من أبياتها ثلاثة وعشرين بيتاً وهو كالأولى يقرب من النصف!

  وقد أمضى باكثير وقته في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بين تعاطي الشعر مع شعراء المدينة المنورة والاستماع إلى دروس الحرم النبوي الشريف وتلاوة القرآن في الروضة النبوية والخلوة والتأمل وكتابة الشعر والانكباب على المكتبات الخاصة والعامة يطلع على المخطوطات ويسهر الليالي ينسخ بقلمه ما يحتاجه منها فقد عكف على مكتبة عارف حكمت والمكتبة المحمودية وعثر على ديوان أحد أجداده الشعراء وهو الشيخ عبد الرحمن باكثير في مكتبة عارف ونسخه كما نسخ عدة كتب منها:

1- أسباب الخلاف للبطليوسي تأليف السيوطي.

رسالة في معرفة الحلى والكنى والأسماء والألقاب.

2- موقد الأذهان وموقظ الوسنان لجمال الدين بن هشام الأنصاري.

3- برد الظلال في تكرير السؤال للسيوطي.

4- جزء من كتاب النبات لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري.

5- من نسب إلى أمه من الشعراء لابن جني.

6- رسالة في معنى التلميذ للشيخ عبد القادر البغدادي.

  هذا فضلاً عن الكتب التي نسخها من مكتبة الحرم بمكة وبعض مكتبات الطائف.

  وهكذا اندمج باكثير في الحياة الاجتماعية والثقافية في المدينة واتصل بأمير المدينة آنذاك... وحضر

مجالسه حتى إننا لنجد بعض الناس يتشفعون بتلك الصلة، فنجد في حجازياته مثلاً قصيدة بعنوان: (إلى أمير المدينة) على لسان صديق حبس الأمير ابن أخ له مطلعها:

بشِّرْ  فؤادك لا تكن  مهموما   

واقصد بحاجتك ابن إبراهيما

قل يا أمير مدينة المختار يا   

من جوده ملأ البلاد نعيما

ثم يمضي في سرد قصة الولد المحبوس إلى قوله:

واقبلْ لشاعر (حضرموت) شفاعة

يـبـغـي بحسن قبولها التكريما

واسـلـم ودم لـلـعاثرين تقُيلُهم

ولـكـلِّ مـعـوجِّ الخَلاقِ مقيما

 ولم تنته قصة باكثير مع أدباء المدينة المنورة بمغادرته إلى مصر في 23 شوال 1352هـ بل استمرت في عدد من المراسلات بينه وبينهم وكان عربون استمرار الصلة يتمثل في كراسة كتب فيها كل شاعر من شعراء المدينة المنورة قصيدة أو أكثر وحمل باكثير هذه الكراسات معه إلى مصر وبقيت في مكتبته حتى عثر عليها بعد عشرين عاماً من وفاته! وكان من ثمرات زيارة باكثير للمدينة المنورة أن غرس في ذهن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري فكرة إصدار مجلة شهرية على غرار مجلة الهلال تكون صوتاً سعودياً بارزاً في الثقافة العربية وتابع باكثير معه هذه الفكرة في رسائله حتى ظهرت "المنهل" بعد مغادرة باكثير للمملكة بثلاث سنوات، ومن ثمرات تلك الزيارة المباركة أيضاً أن أتم باكثير تأليف مسرحيته الشعرية الأولى همام أو في بلاد الأحقاف التي بدأها في الطائف وأن قام ذلك اللفيف من الشعراء الشبان بتمثيلها في حديقة البشناق في إحدى ليالي السمر المقمرة وقد أشار إلى هذه الواقعة السيد أحمد ياسين الخياري في إحدى رسائله لباكثير فكانت تلك الحادثة بداية تداخل في مسألة التأريخ للتمثيل والتأليف للمسرح في المملكة.

  وتراث هذه المرحلة من حياة باكثير في الحجاز كثير وغزير على قصر المدة التي قضاها ولا يتسع المقام هنا لاستعراض ذلك التاريخ والتراث المجهول وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لجمع هذا كله ووضعه في كتاب يصدر قريباً ـ إن شاء الله  ـ بعنوان علي أحمد باكثير وأدباء الحجاز.. وثائق المرحلة السعودية. وسيضم أشعاراً مجهولة والنص الكامل للمساجلات والإخوانيات والمراسلات وكل ما وصل بينه وبين أدباء المملكة خلال فترة وجوده فيها أو بعد مغادرته إلى مصر.

والله ولي التوفيق

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- حكاية وإنتهت - السعودية

01 - رجب - 1429 هـ| 05 - يوليو - 2008




بـــارك الله فيك يادكتور وجعل قلمك في خدمة هذا الدين العظيم..
هل لديك أي مؤلفات؟
ودمتم..

-- شكراا - اليمن

24 - ذو الحجة - 1430 هـ| 12 - ديسمبر - 2009




شكراا اخي وبارك الله فيك لم اتوقع ان اجد هذا الاديب في هذا الموقع لكن اقول شكرا فقد وفقت في لااختيار وهو اسم بارز
بكثير غفر الله له وغفر لك

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...