د. عمر المفدى: لكل عمر يناسبه من التربية

عالم الأسرة » شؤون عائلية
21 - ربيع أول - 1423 هـ| 02 - يونيو - 2002


1

رسالة التربية من أهم الرسائل الملقاة على عاتق الأبوين، فهي عبادة نتقرب بها إلى الله عز وجل، ومسؤولية سوف نحاسب عليها، والتقصير في أدائها إثم كبير وجناية على الأبناء، فقد قال – رسول الله صلى الله عليه وسلم – "ألا لا يجني والد على ولده" وقال "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"(صحيح الجامع:4481).

في حوارنا مع الأستاذ الدكتور "عمر بن عبدالرحمن المفدى" ـ رئيس قسم علم النفس بجامعة الملك سعود ـ يلقي الضوء على أخطاء كثير من المربين، ويقدم لهم مفاتيح تربوية تعينهم في مهمتهم الجسيمة.

ليسوا أجهزة!

رغم التغيرات المتراكمة التي تجتاح العالم وتلقي بظلالها علينا، فإن معظم الآباء والأمهات ما زالوا يعتمدون على أساليب نمطية في التربية، معتقدين أنها مجرد خبرات موروثة، فكل يربي أبناءه كما رباه أهله أو يقلد الآخرين، فكيف ترى أثر هذه النمطية على حصاد هذا النوع من التربية؟

من أبسط المسلمات التي يؤمن بها الجميع أن التعرف على طريقة عمل أي جهاز وتشغيله ضرورة لا بد منها قبل التعامل معه، وتزداد هذه الضرورة عندما يكون الجهاز معقداً، فتجد الشخص يسأل البائع عن كيفية تشغيله والاستفادة من مزاياه، وقد تجده يمضي ساعات يقرأ فيها دليل الجهاز ليتعرف عليه بصورة أكبر، بل ربما التحق بدورات مكلفة مالياً؛ كي يتقن التعامل مع هذا الجهاز. أما من يقتصر على المحاولة والخطأ في التعامل مع الجهاز فإنه لا يضيع كثيراً من وقته فحسب، بل قد يفوته كثير من المميزات أو الطرائق السهلة للاستفادة منه.  هذا إذا لم يترتب على تلك المحاولات تلف للجهاز.

هذه المُسلّمة مع قوة اقتناع الناس بها نجدها تتبخر وتغيب عن الأذهان بشكل شبه تام عندما يتعلق الأمر بأعقد الأجهزة على الأرض، ألا وهو الإنسان، لاسيما بعض الفئات العمرية كالأطفال والمراهقين الذين لهم خصائصهم النفسية المميزة وطرائق التعامل المناسبة. فالغالب في تعاملنا معهم إما المحاولة والخطأ، أو الاعتماد على الطرائق التي تلقيناها عن والدينا والكبار حولنا، عندما كنا في تلك المراحل أو من خلال ما نشاهده من معاملات حولنا.

ولا شك أن تلك المعاملة رغم ما فيها من جوانب سليمة إلا أنها قد تنطوي على كثير من الجوانب غير المناسبة، أو في أقل تقدير هناك ما هو أفضل منها، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار تغير الظروف، البيئية المادية منها والاجتماعية، الأمر الذي يجعل بعض طرائق التعامل غير مجدية للأطفال والمراهقين في هذا العصر.

وفهم الإنسان ليس من البساطة كفهم عمل جهاز من الأجهزة، ولا يوجد دليل مبسط كأدلة الأجهزة لكيفية التعامل مع الطفل، أو المراهق أو كبير السن وغيرهم، لكن هذا لا يقلل من ضرورة محاولة فهم من نتعامل معهم، سواء كانوا أطفالاً أم مراهقين أم غيرهم.  وهذا لن يتم إلا من خلال الاطلاع والدراسة والاهتمام.

ابنك كما ترينه

وكما يقع المربون – آباء وأمهات ومعلمين – في النمطية، فإنهم أيضاً كثيراً ما يقعون أسرى رؤى مسبقة في التعامل مع أبنائهم أو طلابهم، لاسيما الذين يعانون مشكلات منهم، فيفشلون في علاج تلك المشكلات. ماذا تقولون لهؤلاء المربين؟

نظرتنا لأبنائنا تؤثر على تعاملنا معهم فإذا كنا نراهم أشراراً أو سيئين بطبعهم فمن المتوقع ألا ننجح في التعامل معهم.  بل إن سلوكنا معهم سيقودهم لأن يصبحوا أشراراً أو سيئين، أو غير ذلك من التوقعات غير الصحيحة عنهم.  والأمر نفسه ينطبق على الطلاب، فلو عامل مدرس ما طلابه على أنهم فاشلين فسيصبحون كذلك رغم أنهم قد يكونوا متفوقين قبل ذلك.

وللأسف فإن هذا يظهر واضحاً عند حديث كثير من مديري المدارس والمعلمين والآباء عن المراهقين (أو طلاب وطالبات المرحلتين المتوسطة والثانوية) وقد أثبتت الدراسات أن التوقعات التي يحملها المعلم عن بعض الطلاب تؤثر على نتائجهم حتى لو كانت تلك التوقعات مبنية على معلومات غير صحيحة.  ومما ينبغي التأكيد عليه أن نراعي الحقائق التالية:

-الأطفال والمراهقون ليسوا سيئين بطبعهم والسلوك المشكل أمر طارئ لسبب ما.

-الأبناء الذين يعانون المشكلات في حاجة للمساعدة أكثر مما هم في حاجة العقاب.

-الأبناء – حتى الصغار – لهم شخصيتهم يدركون ما يدور حولهم ويحترمون من يقدرهم.

-  سيكون التعامل مع الأطفال والمراهقين وتعليمهم أكثر فاعلية لو كان ذلك ما يناسب طبيعتهم النفسية.

والمعلم أيضاً

كثيراً ما يحتفظ الطفل أو التلميذ بمفهوم عن نفسه قد يشكل عائقاً أمام الوالدين أو المعلمين في تربية هذا الطفل وتعليمه، فكيف يمكن للمربين التعامل مع طفل يحمل عن نفسه تقديراً سلبياً، وما هي سبل تحويل هذا التقدير نحو الإيجاب؟

من جوانب الشخصية المهمة مفهوم الذات، ويقصد به نظرة الفرد لنفسه، فإذا كانت نظرة الأب أو المعلم وتصوراتهم المسبقة عن الأبناء أو الطلاب تؤثر في تعاملهم معهم فمن باب أولى أن نظرة الفرد لنفسه ستؤثر على سلوكه سلباً أو إيجاباً، بل إن الدراسات النفسية تبين أن سلوك الفرد يتماشى مع مفهومه لذاته أكثر مما يتماشى مع الشخص الفعلي، فالبنت أو الطالبة التي ترى نفسها غير مقبولة من الآخرين ستسلك وفقاً لهذا المفهوم سلوكاً انطوائياً أو عدوانياً، حتى لو كانت حقيقة أمرها أنها مقبولة من الآخرين أو عادية. وهذا الأمر ينطبق كذلك على من ترى نفسها غير ذكية أو غير جميلة وما شابه ذلك.

ودون الخوض في تفاصيل تكوين مفهوم الذات والدراسات النفسية العديدة التي لا يتسع المجال لذكرها هنا فإنه يمكن القول أن هذا المفهوم يبدأ في التكون من سن مبكرة وذلك من خلال ما يقوله الآخرون عن الشخص، لا سيما الأشخاص المهمون بالنسبة للفرد كالوالدين والمعلمين والأقران. هذا المفهوم يظل قابلاً للتشكل والتبدل خلال مرحلة الطفولة، لكن هذه القابلية تأخذ في التناقص مع التقدم في العمر ليستقر هذا المفهوم مع نهاية مرحلة المراهقة تقريباً فيصبح من العسير تغيير مفهوم الشخص عن نفسه لأنه سيبدأ في تأويل ما يقال له وما يحدث بما يناسب هذا المفهوم. ويعد دخول المدرسة منعطفاً بالغ الأهمية في مفهوم الذات، لأن الطفل سيبدأ في تكون جانب مهم من جوانب الشخصية ألا وهو مفهوم الذات المدرسي، ذلك المفهوم الذي سيؤثر على سير الطالب في دراسته بل قد يمتد أثره إلى الجامعة وما بعدها.

ما المقصود بمفهوم الذات المدرسي؟

مفهوم الذات المدرسي يعتمد إلى حد كبير على خبرات النجاح والفشل التي يواجهها التلميذ في سنواته الأولى من المدرسة، كما يعتمد على ما يقال له سواء كان ذلك الفشل أو النجاح راجعاً إلى الطالب نفسه وقدراته أم راجعاً لظروف أخرى، وسواء كان ما يقال له صحيحاً أم مبالغاً فيه. إن تعريض الطفل لخبرات مدرسية أكبر من قدراته، أو طلب الوصول إلى مستويات أعلى من إمكاناته قد يؤدي إلى نتائج عكس ما يراد.  فبدلاً من الوصول إلى حد معقول من الأداء يصبح الطالب عاجزاً حتى عن الوصول إلى المستوى الذي يناسب قدراته وإمكاناته.

كما أن الأسلوب الذي ينتهجه المعلم أو المعلمة لحث الطالب على تحسين أدائه يؤثر سلباً أو إيجاباً على مفهومه عن نفسه لا سيما فيما يتعلق بالجانب المدرسي.  فالمعلمة التي تردد – على سبيل المثال – القول للطالبة بأنها سيئة أو غبية أو لا تفهم سيؤدي إلى أن تكون هذه الطالبة فكرة عن نفسها بهذه المفاهيم حتى لو كان هدف هذه المعلمة حث هذه الطالبة على الجد، والحالة نفسها تنطبق كذلك عندما يكرر الوالدان أو أحدهما على الطفل المقارنة السلبية بغيره، والمقصود بالمقارنة السلبية المقارنة التي يشعر الطفل فيها بأن غيره أفضل منه، كقول الأم أو المعلمة للطالبة "انظري أختك أو زميلتك كيف أنها حققت الامتياز وأنت لم تحققيه" أو "لماذا الجميع أحسن منك" أو "لماذا لا تكونين مثيل بنت الجيران أو بنت عمك في نتائجك" إن كثرة هذه المقارنة وتكرارها من شأنه أن يجعل الطالبة تأخذ هذه الأقوال على أنها حقائق، وبدلاً من أن تكون أسلوب حث تتحول إلى أسلوب يؤدي إلى تولد قناعة لدى هذه الطالبة بأن هذه حقيقتها وهذا حالها، وهنا لن تحاول بذل جهد لتحسين وضعها.

الذات الإيجابي *ما الأساليب التي يجب التنبه لها عند التعامل مع الأطفال والمراهقين؟

في مقابل دعوتنا إلى عدم استخدام الأساليب السابقة والتي من شأنها أن تسهم في تكوين ذات سلبي عند الطفل أو المراهق فإنه يحسن استخدام الأساليب التي تسهم في تكوين ذات إيجابي.  ويمكننا أن نضع القاعدة التالية :

أ - عندما يصدر من الطفل أو المراهق سلوك غير جيد يفضل أن يوجه التأديب إلى سلوكه لا إلى ذاته.  فلو قام بسلوك خاطئ يقال له "إن سلوكك هذا غير مقبول أو غير جيد "ولا يقال إنك سيئ".

ب- عندما يصدر من الطفل سلوك إيجابي فينبغي أن يوجه السلوك حينئذ إلى ذات الطفـل. فعندما ترتب الطالبة مثلاً أدواتها المدرسية يحسن أن يقال لها: أنت طالبة مرتبة، أو: طالبة ممتازة، بدلاً من القول: إن عملك جيد، أو: لقد عملت شيئاً ممتازاً.

وبما أن الدراسات بينت أن الأفراد ذوي التقدير المنخفض لذواتهم يتحاشون القيام ببعض المهام التي يحتمل فشلهم فيها، فيحسن العناية بمثل هؤلاء الطلاب والطالبات ووضع برنامج متدرج لإشراكهم في بعض المهام التي من شأنها الرفع من مستوى مفهوم الذات لديهم.

لكل مرحلة عمرية ما يميزها من الخصائص النفسية والسلوكية، فما أبرز تلك الخصائص في مرحلتي الطفولة والمراهقة التي ينبغي للمربين مراعاتها؟

من الخصائص النفسية لمرحلة الطفولة التي يحسن للمربين التعرف عليها ما يتعلق بمحورين :  الجانب العقلي والجانب الانفعالي.  وفيما يتعلق بالجانب العقلي فإن طبيعة التفكير في مرحلة الطفولة بشكل عام تتسم بعدم القدرة على التفكير المجرد، وعدم القدرة على إدراك المعاني المجازية، واختلاف المفاهيم عند الطفل عن المفاهيم عند الكبار رغم تطابق الألفاظ.

وقبل سن السابعة يتميز تفكير الطفل بوجود أنماط من التفكير غير المنطقي في هذه السنوات والتمركز حول الذات من الناحية الإدراكية.

أما طبيعة التفكير في مرحلة المراهقة فتتميز بظهور التفكير المجرد وبروز القدرات الخاصة وما لذلك من أثر على سلوك المراهقين.

أما الجانب الانفعالي :  ففي مرحلة الطفولة ينبغي التعرف على شخصية الطفل ووسائله لتأكيد ذاته والتعامل الصحيح معها، وإدراك مخاوف الطفل الطبيعية وعدم إهمالها، وإدراك حاجته للعب الذي يؤدي وظائف معرفية وانفعالية لدى الطفل.

وفي مرحلة المراهقة تبدأ التغيرات الجسمية تلقي بظلالها على نفسية المراهق، كما تؤثر التغيرات العقلية على سلوكه.  ولا ينبغي إغفال دور جماعة الأقران في هذه المرحلة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- د. سميه محمد - السعودية

28 - ذو القعدة - 1431 هـ| 05 - نوفمبر - 2010




شكـــراً جزيـلاً على هذا المقال الاكثر من رائع
فشبابنا بحاجه الى الدعم والتعزيز وليس تثبيط الهمه والتحطيم

-- عصفورة الارشاد - لبنان

09 - جماد أول - 1432 هـ| 13 - ابريل - 2011




كل الشكر والتقدير لكاتب المقال الذي جعلنا نطير مع افكار تربوية مهمة
بالفعل نحن نعاني اليوم من مشاكل كثيرة بسبب عدم معرفتنا لخصائص الشخص الذي نتكلم معه ولو امكن ذلك لسهل علينا التعامل والارشاد...
بودي لو امكن استسمحك أيها الكاتب بأن توصل العصفورة الى مكان تستطيع فيه التواصل مع الدكتور عمر المفدى أو حتى كيفية الحصول على كتابهعلم نفس المراحل العمرية والتواصل معي على الايميل المذكور أعلاه.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...