أبو البنات..! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

أبو البنات..!

أدب وفن » دوحة السرد
18 - شوال - 1426 هـ| 20 - نوفمبر - 2005


يجب أن نعترفَ ونقرَّ بأن عقلنا البشري- مهما تقدَّم وارتقى- له قدرة محدودة.. إنه لونٌ من ألوان الطاقات المختلفة التي حبانا الله بها، نحن المخلوقات الحية قد نستطيع أن نكتشف دواءً قاتلاً لنوعٍ معيَّنٍ من الميكروبات، وقد نجد وسيلةً جراحيةً لاستئصال جزء فاسدٍ أو مريضٍ من جسم الإنسان، وقد نعطي العاقِر أو العقيم دواءً معينًا ليشفيها من العقم في بعض الأحيان؛ لكن هل نستطيع أن نتحكم في نوع الجنين؟!
كان صديقنا الأستاذ "مصطفى" سعيدًا عندما رزقه الله بابنته الأولى، ولم يتألم كثيرًا عندما رزقه الله بالبنت الثانية ثم الثالثة؛ لكن عندما ولدت زوجته البنت الرابعة تغير بقليل من الحَنَق والغيظ.. لقد شعر برغبةٍ حارقةٍ في أن تنجب امرأته ذكَرًا بعد هذه السنوات من الزواج.
هو لا يدري لماذا هذه الرغبة الشديدة؟ هل لأن مجتمعنا قد ترسَّبت في أعماقه عقدة المرأة؟ ثم التقاليد القديمة والنظرة البالية لكل ما يأتي من النساء، وارتباطهن بقيم الشرف والفضيلة والطهر والعفاف، ثم العار الذي يلحقهن إذا ما سقطن في الرذيلة، وارتكبْن حماقةً من الحماقات؟ أم لأن المجتمع ما زال ينظر إلى الرجل على أنه حامي الحِمى، والمُدافع عن الحي أو القبيلة؟
ومع كل ذلك فقد تظاهر الأستاذ "مصطفى" بالرِّضا والهدوء وابتسم في وجه زوجته، وهنأها بسلامة الوضع، وقَبَّل الطفلة الصغيرة الجميلة؛ لكنَّ دمعةً أفلتت على الرغم منه، لقد أخذ ينظر إلى الملامح الدقيقة للطفلة الوليدة المُغْمَضة العينين، تُرى ما ذنبها؟! إنها لم تخلق نفسها، هكذا خلقها الله أنثى، فلماذا يغضب "مصطفى" ويثور؟! إنه أمرٌ خارج عن إرادته تمامًا، وخارج عن إرادة زوجته، وعن إرادة هذه الطفلة الصغيرة الجميلة التي لا يتجاوز وزنها الثلاثة كيلو جرامات.
وفكر الأستاذ "مصطفى" هل يكتفي بهذا القدر؟ أم يستمر حتى يرزقه الله بالولد المنتظر؟ أو بولي العهد كما يسميه الأصدقاء؟ حسنًا.. فليستمر.. وليمنح زوجته فرصةً خامسةً؛ لعلَّها تنجب الولد المُرْتَقب، وطوال ذلك العام كان الأستاذ "مصطفى" يسأل الأطباء عن صفات الجنس، وكيف يكون الجنين ولدًا وكيف يكون بنتًا؟ وهل استطاع العلماء في حياة التجارب أن يفعلوا شيئًا يريح القلوب التَّعِسَة التي تبحث عن الابن الذي يحمل اسم أبيه ولَقَبَه وثروته؟ ولم يكتفِ بذلك؛ بل أخذ يبحث عن الكتب العلمية التي تتناول مثل هذه الموضوعات، وكذلك المجلات المختلفة، يلتقط منها الأخبار والتجارب الجديدة.
أصبحت هذه القضية شغله الشاغل، ودارت به الأرض، وصرخ قائلاً: "مستحيل.. بنت خامسة؟ إن الأقدار- لا شك- تنتقم مني، أنا لم أفعل شيئًا أستحق عليه مثل هذه العقوبة"، وأخذ يدقُّ الأرض بقدمه المتمرِّدة الثائرة، قالت له الحكيمة: "ما لها البنت؟ إنها الآن تتعلم، وتنتج، وتعمل مثل الرجل تمامًا، وأنت مَن أتت بك إلى الدنيا؟ امرأة، أليس كذلك؟ أتريد أن تتحدى المشيئة الإلهية؟ حاشا لله".
كان "مصطفى" في حالةٍ يُرثى لها، ومع ذلك فقد كان يفكِّر كيف أن الإحصاءات العالمية تؤكد أن نسبة الرجال أعلى من نسبة النساء، فلماذا تختل النسبة في منزله هو بالذات، الحريم مائة في المائة والرجال صفر، هل كُتِبَ عليه أن يُصَحِّح الخلل الناجم في نِسَبِ الذُّكور والإناث؟ ولماذا لا تتجمَّع بويضات وحيوانات منوية ذات عوامل ذكورة؟ حسنًا.. فليستمر حتى يرى نهاية اللُّعبة، إن العمر يتقدم به، وهو لم يزل يحلم بالولد الذي يحمل اسمه، ويرث أمواله.. وحياته تَظْلَمُّ شيئًا فشيئًا.. وكثير من الأعراض المرضية تزحف عليه.. أصبح كل يومٍ يزور طبيبًا من الأطباء، تارةً يشكو من خَفَقان أو ضربات زائدة في القلب.. وتارةً أخرى يشكو من عسر الهضم، أو من ضيق التنفس، أو الأرق، أو الاكتئاب، وأخذت غرفته تزداد بعدد من العقاقير الطبية المتنوعة..
وعندما رُزِقَ الأستاذ "مصطفى" بالبنت السادسة أصيب بانهيارٍ عصبيٍّ نُقِلَ على أَثَرِه إلى إحدى مصحَّات الأمراض النفسية؛ حيث قضى هناك شهرًا بأكمله، وكظمت زوجته أساها، لم تكن تتكلم، كانت تضمُّ وليدتها إلى صدرها في حنان، وتبكي في صمتٍ ولا تكاد تُبِين.
في المرة السابعة لم يلق الأستاذ "مصطفى" بالاً لكل ما يجري حوله، لقد بدا له ولمن معه أن إحساسه إزاء هذه القضية قد تبلَّد.. لم يعد يكترث لِمَا سيأتي أو ستأتي، سوف يقابل الحياة وأحداثها بالسخرية والازدراء، هكذا الحياة.. إذا ركلتها ركعت تحتَ قدميك، وإن تعشقها وذُبْتَ فيها حبًّا أهملتك وتركتك.. هكذا كان يُحَدِّث نفسه.. الشيء الجديد هذه المرة، أن زوجته عند الوضع أخذت تنزف.. كانت الدماء قليلة في البداية.. لكنها أخذت تزداد.. فسارع باستدعاء الطبيب، وتم نَقْلِهَا إلى المستشفى، وأُجْرِيت لها عمليات نقل دم وإسعافات مستعجلة؛ لكن الأوان قد فات.. ماتت الزوجة بعد أن وضعت طفلاً ذكرًا.. ميتًا..!! ونظر الأستاذ "مصطفى" إلى الجثَّتين في عتابٍ.. كان شاحب الوجه، مرتجف الوصال، زائغ النظرات، وقال- في خضوع وتعاسة لا مثيل لها-: "لماذا..؟
لماذا تتركاني وحدي؟؟ كنت أريدكما.. وربتت على كتفِه ابنته الكبرى.. وكان أخواتها الخمس يقفن إلى جوارها في طابور صغير، ودموعهن على خدودهن.. وهمَّ الأستاذ "مصطفى" وضمَّهنَّ جميعًا إلى صدره- وهو يتمتم-: "إنا لله وإنا إليه راجعون"
وصمت بُرهة ثم عاد يقول: "كنت كالظامئ طوال حياتي.. ومع آلامي البشعة أشعر أن الله قد سكب في قلبي الآن رضًا من نوع غريب.. ولا حيلةَ لنا في أمورٍ تخرج عن نطاق إرادتنا كَبَشَر..".

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- عبير - السعودية

24 - شوال - 1426 هـ| 26 - نوفمبر - 2005




انا لست كاتبه او منتقده فنيه ولكن انا ممن عاش كره الاب للبنات انا الان عمري 20 وابي لازال يكره البنات القصه رائعه ومن مشاكل المجتمع

-- زينب - المغرب

06 - ذو الحجة - 1426 هـ| 06 - يناير - 2006




قصت فى المستوى وتلامس الواقع الحى الدى تعيشه جل الدول العربية والدى يتجرع مرارته هم عامت الفتيات

-- حسن الهيثمي - المغرب

18 - صفر - 1427 هـ| 19 - مارس - 2006




الدكتورنجيب الكيلاني رحمه الله من أدباء الواقعيةالاسلامية..قرأت له كثيرا في المرحلة الثانوية ومن بين ذلك هذه القصةالجميلةالتي أعدت قراءتهابشغف على موقعكم المميز والتي يعالج فيها قضية كره الانثى في الجاهليةالتي تحدث عنهاالقران الكريم في ايتين كريمتين..فقد روي ان رجـلا مـن اصحاب النبي (ص ) وكان لا يزال مغتما بين يدي رسول اللّه (ص ), فقال له رسول اللّه (ص ): مالك تكون .
محزونا؟.
فقال : يا رسول اللّه , اني اذنبت ذنبا في الجاهلية فاخاف الا يغفره اللّه لي وان اسلمت .
فقال له : اخبرني عن ذنبك .
فقال : يا رسول اللّه , اني كنت من الذين يقتلون بناتهم , فولدت لي بنت , فتشفعت الي امراتي ان اتركها, فـتركتها حتى كبرت وادركت , وصارت من اجمل النساء فخطبوها, فدخلتني الحمية , ولم يحتمل قلبي ان ازوجهااو اتركها في البيت بغير زواج , فقلت للمراة : اني اريد ان اذهب الى قبيلة كذا وكذا فـي زيارة اقربائي , فابعثيها معي , فسرت بذلك , وزينتها بالثياب والحلي , واخذت علي المواثيق بالا اخونها.
فـذهـبـت الـى راس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية اني اريد ان القيها في البئر فالتزمتني , وجعلت تبكي , وتقول : يا ابت ايش تريد ان تفعل بي ؟.
فرحمتها, ثم نظرت في البئر, فدخلت علي الحمية , ثم التزمتني وجعلت تقول : يا ابت لا تضيع امانة امي فـجـعـلت مرة انظر في البئر ومرة انظر اليها فارحمها حتى غلبني الشيطان , فاخذتها والقيتها في البئر منكوسة , وهي تنادي في البئر: يا ابت , قتلتني .
فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت .
فـبـكـى رسـول اللّه (ص ) واصـحـابـه , وقال : ((لو امرت ان اعاقب احدا بما فعل في الجاهلية فعالبتك )) ((31)) .
وفي شان هؤلاء انزل اللّه تعالى في سورة النحل / 58:
(واذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ).
قصة الدكتور نجيب الكيلاني تدعونالأن نعترفَ ونقرَّبأن عقلناالبشري- مهماتقدَّم وارتقى- له قدرة محدودة.. وبأنه لا حيلةَ لنا في أمورٍ تخرج عن نطاق إرادتنا كَبَشَر...وكم كان كلام الطبيبةالتي
قالت له: ما لها البنت؟ إنها الآن تتعلم، وتنتج، وتعمل مثل الرجل تمامًا، وأنت مَن أتت بك إلى الدنيا؟ امرأة، أليس كذلك؟ أتريد أن تتحدى المشيئة الإلهية؟ حاشا لله.

-- ام بناتها - السعودية

25 - ذو القعدة - 1428 هـ| 05 - ديسمبر - 2007




قصةجميلةوواقعيةاناام لاربع بنات احمد الله على هذة النعمة واحمدة على حسن خلقهن وانهن سليمات وطبيعيات لة الحمدولةالشكر لم اجزع لانة ليس لدي ولدولكن انزعج احيانا من نضرة الشفقة من بعض الناس لانة ليس لدي ولد

-- الراسبي - سلطنة عمان

26 - ذو القعدة - 1428 هـ| 06 - ديسمبر - 2007




قصة تلامس شغاف القلب ..
و تستفز دمع العين ..
بلا ريب ، ما من امر يحدث في هذا الكون إلابقدر منه سبحانه ..لكن الحوادث تنسي الإنسان الحقائق في معظم الأحيان..
الكثير من التصرفات قد تصدر من الإنسان في لحظات استفزاز ،في نهاية المطاف يدرك تفاهة ما تبوء به فيندم..

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...