الاستشارات الاجتماعية » قضايا بنات


21 - محرم - 1427 هـ:: 20 - فبراير - 2006

اسمحوا لي بالانحراف!!


السائلة:سمر

الإستشارة:علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

بسم الله الرحمن الرحيم..
أنا فتاة أبلغ من العمر 20 عاماً في الواقع لدي سؤال واحد فقط أتمنى أن تجيبوني عليه.....
({لماذا لا أنحرف؟} عندما أكون فتاة مرتاحة ولله الحمد [مادياً+ أسرياً] لكن وحتى الآن وأنا أبلغ هذا العمر لا أشعر بأنني موجودة، لم أشعر أنني كأن حي وأنني مؤثر على من هم حولي أو أنني بشر ليس لدي تجارب ولا مواقف.. حياتي الماضية كالصفحة البيضاء خالية من جميع ألوان الحياة ولا حتى 1%: عندما أريد التعليق على أمر ما أعلق خطاء.. عندما أريد أن أروي حادثة على صديقاتي اللاتي أعتدت الجلوس معهن دوما ً أتلعثم وأنسى جزءاً منها وتكون حادثتي التي أرويها بلا طعم وسخيفة بسبب طريقة إلقائي.. عندما أريد أرسم لوحة أو كتابة خاطرة أو قصة قصيرة [لأنني أحب الرسم + والكتابة جدا] لا أستطيع الإبداع أو حتى الابتكار ليس لأنني لا أجيد ذلك.. لا ولكن لأنه ليس لدي مواقف أو حوادث أو تجارب في حياتي توسع لي مخيلتي أو تجعلني أقتبس منها شيء.. والأمثلة كثيرة جداً.. وما يزيد الطين بله.. أن لدي طاقة كبير.. مهولة داخلي.. أشعر بها أنني أستطيع أن أصلح مجتمع برمته.. أشعر أنني قادرة على إثبات وجودي.. أحب التميز أحب العمل كثيرا.. أحب النشاط.. ولست من أولئك الأشخاص المتبلدين.. وأحب العلاقات والأصدقاء لكن المواقف والأقدار لم تقف يوما ًمعي حاولت واجتهد.. واجهت المصاعب لذلك.. علني أجد نفسي علني أحقق ذاتي.. ولكن اكتشفت أخيرا وبعد عناء طويل أن هذه المهارات ليست لي.. فنسيت ذلك رغم أني احتاج إليها كحاجتي إلى الماء.. فسئمت من هذا الوضع.. ومللت التجارب الفاشلة.. ونفسيتي صارت تتدهورا ً يوما ً بعد أخر.. فحتى الآن لم أجد نفسي.. وهذه الجملة تميتني تكاد تفنيني.. وكثيرا ما ألقب نفسي بالساذجة.. وهذا يقهرني أكثر.. لأنه واقع.. وأنا في غمرة هذا البلاء.. يحدث الشيطان عقلي الباطن ويقول: ماذا عن الانحراف؟ هو السبيل الوحيد الذي بقي؟ علك به تجدي نفسكِ.. فأبدأ بالتفكير في هذا الكلام.. في الواقع أنا وإن استمرت معي هذه الحالة 20 عاما ً أخرى فلن انحرف.. لأن ما منعني من أن انحرف السنوات الماضية.. ليس عقلا.. ولا تربية.. ولا عرف.. إنما هو خوفاً من الله.. وحبا ً له.. ورجاء ً في رحمته.. وإن سألتم ماذا أفعل في الحياة الآن.. فأنا طالبة جامعية.. أما عن نشاطاتي فقط أحاول أن أحفظ القرآن الكريم.. أما عن تسليتي فهي فقط الدخول إلى ساحات الدردشة.. وهذه التي لن أستغني عنها مطلقاً مهما حدث، مع علمي أنها خطأ ومضيعة للوقت.. لكنها منفذي الوحيد إلى الحياة إلى الناس والبشر والعالم.. وإلا فإني سأجن)..


الإجابة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:\r\nأسأل الله تعالى أن يوفقك للوصول إلى الحل الأمثل أو المناسب لهذه المشكلة، أو هذه الأفكار أو تلك الوساوس، ونسأله تعالى أن يوفقنا للهدى، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ونسأله سبحانه أن يرينا الباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه.\r\nالمقدمة:\r\nقبل الدخول في تفاصيل المشكلة كنت أود أن تفصلي في نشأتك، لنعرف الطريقة التي تربيت بها، أو لنتعرف على الأسباب الأساسية في الموضوع، التي قد يكون منها أسلوب الأهل في التعامل معك، فقد يكون الأهل أسرفوا في مدحك منذ صغرك، أو فضلوك على أقرانك، وأشعروك أنك المتفوقة دائما، أو المتميزة غالبا، ولم يعتدلوا في مدحك، أو لم يكونوا واقعيين في وصفك، وهذا من باب التشجيع.\r\nوسواء كان هذا حصل لك هذا أم لا، وسواء كان الإسراف في المدح من الوالدين أو بعض الأهل أو أحد المدرسين أو المدرسات، المهم أشعر أن مشكلتك أنك مصابة بالغرور، أو الكبر، أو الثقة الزائدة في النفس، وظننت أنك بإمكانك أن تتصدري المجالس، وتتفوقي على الأقران في جميع المجالات، ولم تتعرفي عل قدراتك الحقيقية إلا بعد الوصول للمرحلة الثانوية أو الجامعية، فأنت من الممكن أن تكوني متميزة في المرحلة الابتدائية لصغر المدرسة أو لكونها في منطقة أو حي صغير أو لعدم اكتشاف قدراتك الحقيقية في مثل هذه السن، أو أن المكان الذي نشأت وتعلمت فيه لا يوجد فيه أعداد كبيرة من المتميزيات.\r\n وقد تكوني متفوقة في المرحلة المتوسطة أو الإعدادية، وفوجئت في المرحلة الثانوية لكبر المدرسة وقلة الإقبال على الدخول لهذه المرحلة إلا للراغبات حقا في طلب العلم، فوجئت بمن يتميز عنك ويتفوق عليك، وأنت كنت تعيشي في الخيال الذي يشعرك دائما أنك الأفضل، لم تميزِِ صفاتك الواقعية، أو تصلي لقدراتك الحقيقية إلا بعد الوصول لهذا السن، فعشت في أحلامك الخيالية، وظننت أنك مبدعة في جميع المجالات. \r\nافتراض آخر:\r\n قد تكوني تربيت منذ صغرك على عدم الانخراط في إقامة العلاقات، أو أنك تأثرت بشخصية تتجنب إقامة العلاقات والخوف من الناس، فهناك ما يسمى بالشخصية التجنبية، فهي تتجنب الاختلاط بالناس لقلة الذكاء الاجتماعي أو وجود الإحساس بالدونية أو عدم الكفاءة، والحساسية الشديدة لقبول النصح أو الانتقاد من الآخرين، وهذا النمط من الشخصية يبدأ في مراحل مبكرة من العمر ويتأكد وجوده ببعض الخصائص منها: تجنب الأنشطة التي تتضمن التفاعلات الاجتماعية خوفا من الانتقاد أو الاعتراض أو الرفض، أو عدم الرغبة في الاختلاط أو التعامل أو الاندماج مع الناس إلا بعد التأكد من قبولهم وحبهم، مع إظهار تحفظ في إقامة العلاقات الشخصية القريبة، مع وجود الشعور بالخجل، أو الخوف من الفشل في المواقف الاجتماعية، أو القدرة على جذب انتباه الآخرين، بسبب الإحساس بالدونية وعدم الكفاءة، وعدم الحماس لأخذ مبادرة أو مغامرة شخصية للاندماج في أي أنشطة اجتماعية جديدة، وذلك خوفا من التعرض لمواقف مخجلة أو محرجة.\r\nوهذه الأمور تقع في بعض المجتمعات التي تنظر للصغار على أن قدراتهم متواضعة أو أنهم غير جديرين بالثقة، وأن عليهم فقط الاستماع للكبار دون مناقشة، وأن الفتاة في بعض العائلات ينظر إليها على أنها مخلوقة من الدرجة الثانية، وفي هذا الجو يخاف الصغار على أنفسهم ويتجنبون الدخول في أي الحوار أو أي نقاش يمكن أن يجرهم إلى الخطأ أو يعرضهم للانتقاد من الناس عموما ومن الكبار خصوصا، وتترسب في نفوسهم فكرة أنهم الأدنى أو الأسوأ ولهذا تنهار ثقتهم بأنفسهم ويزيد إحساسهم بالخجل والحرج في المواقف الاجتماعية.\r\n  فهل هذه الخصائص تنطبق عليك، سواء كان الجواب بنعم أم لا، فهي افتراضات قد تصح ولو بنسبة قليلة، أو لا تصح، ولا يمكن أن نحكم على الأهل أو المجتمع بالظلم، أو الجهل بطرق التربية السليمة لأنهم لديهم الأعذار الكافية، ولابد أن نعذرهم بالجهل، ونبدأ نحن بالتعلم للطرق التربوية الصحيحة، وقد يكون من المناسب أن يبحث في كيفية الوصول للحل الصحيح، وهذا يكون بأمرين الأول: هو التوجه لأحد المختصين في العلاج النفسي. \r\nوالأمر الثاني: هو أن تبدأي أن بالعلاج وقد اتخذت الخطوة الصحيحة والآن نبدأ في البحث عن العلاج المناسب والذي لا بد أن ينبع من نفسك، أو بعد اقتناعك، وهذا هو الحل الذاتي، والذي يتمثل في مراجعة المفاهيم الخاطئة التي ترسخت في نفسك حول عدم القدرة على الإبداع في بعض الأمور، أو حول الخوف من الانتقاد أو الخوف من الحوار والنقاش، أو الخوف من الحرج.\r\nوالمهم الآن أن نبدأ في العلاج الذاتي أو البحث عن الحل المناسب الذي يقنعك ويغير مفاهيمك.\r\nأولا: لديك قدرات طيبة:\r\n من بداية سؤالك (لماذا لا أنحرف) فيه طرح شيق لينجذب القارئ إليه، ويهتم بمواصلة القراءة. فأنت عندك قدرات طيبة، ومنها القدرة على شد الانتباه، والنجاح في إثارة القضايا المهمة، والتوفيق في اختيار العناوين المثيرة.\r\nفقد لمست هذا من سؤالك فهو يدل على أن عندك طاقة كبيرة، ولديك مواهب مهمة وتمتلكي مؤهلات مؤثرة، وهذه الطاقة تحتاج لحسن توظيف، وتلك المواهب بحاجة لمعرفة كيفية الاستفادة منها.\r\nكما أنه ينبغي أن تبحثي في نفسك لتتعرفي على نقاط القوة، وتحددي نقاط الضعف في نفسك، أو في قدراتك.\r\nولكن لا بد أن تعرفي أن من يملك بعض هذه القدرات لا يشترط أن يكون متميزيا في بقية الأمور، فبعض الناس عندك قدرات مثل القدرة على الحفظ والتفوق، لكنه لا يتمكن من حسن التعامل مع الناس، أو لا يستطيع أن يستوعب الآخرين، فمجال التفوق في الحياة المدرسية يختلف عن التعايش مع عموم الناس، وحتى مع صديقاتك لابد من الإيمان بأن كل واحدة لها ملكات تختلف عن بقية الصديقات، وكل منها بحسب البيئة التي نشأت فيها، فمثلا تجدي صديقة متميزة أعمال المنزل مثل الطبخ، وأخرى في صناعة الحلويات، وهذا في الأمور المنزلية، ثم في بقية الأمور الحياتية تتنوع الاهتمامات، وتختلف الهوايات، تجدي من تحب الزينة والاهتمام بالجمال أكثر من غيرها، وتجدي من تهوى الخياطة، وغيرها تحب الحاسب الآلي وهكذا فأنت بحاجة لتعرفي قدراتك الحقيقية، والمجالات التي تتميزي فيها، ثم تعملي على تنمية مهاراتك، والاستفادة من قدراتك، ولا تدعي أن عندك طاقة هائلة فحسب، بل عليك أن تقفي على قدرات الحقيقية، وتتعرفي عليها، ولا تدعي الكمال فهو لله وحده، أو لا تدعي العلم لأمور كثيرة.\r\nثانيا: ما الانحراف المقصود؟\r\nماذا تقصدين بالانحراف؟ فالانحراف منوع وله درجات، ممكن أن يكون في الأفكار والمعتقدات، أو لعلك تقصدي بالانحراف الغواية عن طريق الاستقامة، هل الانحراف هو أن يكون لك ماضٍ كئيب، ومغامرات عاطفية، وعلاقات شبابية أعلم جيدا أنك تعرفي أنها محرمة!\r\n وهذا ما فهمته من رسالتك، لأنك لا تمتلكي الماضي الحقير وصفحتك كما في كلامك بيضاء  وماضيك مشرف، وصفحتك البيضاء حتى الآن خالية من الخبرات! وكأن الخبرات لا يمكن الحصول عليها إلا بالانحراف، فهل هذا هو العلاج، طبعا لا، هذا التفكير من وساوس الشيطان، حيث سول لك هذا المنطق الغريب، كأن الماضي المنحرف هو الذي سيعطيك الانطلاق في الكلام، ويمنحك القدرة على التفوق في لفت الأنظار، أو تحقيق الانتصار في بعض المواقف، أو كسب ود الآخرين.\r\nولنفترض أنك فعلت ذلك فهل من هي مثلك، أو شخصيتها كشخصيتك، هل ستنجح في هذا الأمر، لا أظن، فنحن قد تأكدنا وعلمنا أن كثيرا من أصحاب الخبرات، ومن لهم ماض كئيب قد لا يكونوا بالضرورة ناجحين؟\r\n بل من المؤكد أنه لا يوجد ارتباط أصلا بين الخبرات والماضي الكبير، وبين النجاح أو كسب ثقة الآخرين، أو التفوق على القرناء في مناظرة أو تفاوض أو سباق. \r\nفأنت بحاجة لوضع فرضيات أخرى لتغيير قناعاتك، سأتناول بعضها ثم نعود لطرح بعض الحلول العملية، وإن كانت كل هذه الحلول هي عملية أيضا. \r\nثالثا: هل تبحثين عن الحقيقة؟\r\nومن طريقة طرحك لمست كأنك تبحثي عن الحقيقة، وتذكرت عدة قصص ألفت قديما وحديثا من عدد من المؤلفين للبحث عن حقيقة الكون والوجود، أو للبحث عن حقيقة الروح والجسد، أو للبحث عن السعادة، وبعضها تحول لأفلام روائية لتجسيد شخصية الباحث عن الحقيقة، وملخص هذه المؤلفات أو تلك القصص: أن رجلا جادا نشيطا شعر أنه يعمل كترس في آلة، ولا جديد في يومه أو حياته، وتسرب الملل لنفسه، وسيطر اليأس على قلبه، وبدأ رحلة البحث عن الحقيقة لكسر الملل، ولمعرفة حقيقة الحياة وتأكد أن الموت نهاية كل حي، فوجد نفسه يعيد التفكير في الفائدة من العمل والجدية بدون إعداد جيد لما بعد الموت، ومن ثم بدأ يقرأ كثيرا، ويفكر كثيرا لمعرفة الوصول لتحليق الروح للاقتراب من خالقها، وحاول أن يجرب كل الخبرات البشرية السابقة، وتنقل من التفكير، وفكر في حالته إذا أراد أن يكون ملحداً، وافترض أن يموت على تلك الحالة، وافترض أن يحيا في ديانة أخرى من الديانات السماوية المحرفة، أو الديانات غير السماوية، ثم توصل إلى أن الإسلام هو الدين الحق، ولكنه احتار بين المذاهب الفكرية والفقهية، فهل يسير على فكر المعتزلة أو غيرهم من الفرق الفكرية، أم يلتزم باتباع الطرق الصوفية، وجرب بعض هذه الطرق سواء المنحرفة منها أو المعتدلة، ولم يجد مبتغاه في أي منها، وفكر أن يسير في طريق الانحراف الجسدي، ولا يهتم بالروح والفكر، بل جعل كل همه السير في طريق المعصية أو إشباع الجسد بشتي طرق الإشباع من متع وملذات، من مأكولات ومشروبات، من الزنا أو الزواج بالنساء وشرب الخمور ولعب القمار والعيش في الحياة لتلبية طلبات الجسد كالحيوان.\r\nولكن في النهاية لم يجن من رحلته الطويلة إلا الفشل فإتباع الفرق الفكرية المنحرفة لم تزده إلا حيرة واضطرابا، والتنقل بين الطرق الصوفية المنحرفة لم توصله إلى ما يريد، وتجربته في سوق إتباع اللذات والانحراف أوصله لارتكاب الفواحش والمحرمات، ولم يجن من ذلك سوى التعب والهلاك والأمراض، ووصل به الأمر إلى ارتكاب جريمة لم يستطع أن يتخلص منها، وأمضى بقية حياته في السجن، وتوصل للحقيقة أنه كان في خير، وكان عليه أن يبعد الملل عن نفسه بأمور أخرى نافعة غير السير في طريق الانحراف والغواية.\r\nرابعا: هل تبحثين عن السعادة؟\r\nقد يكون سؤالك يدل على أنك تبحثي عن السعادة، وأيضا كتب فيها الكثيرون، وبدأوا بطرح رؤى مختلفة، وأفكار منوعة لمعرفة طرق الوصول للسعادة، وكتب المؤلفون القصص والحكايات وطرح بعضهم فكرة السير في طريق الانحراف للوصول للسعادة، وفي إحدى هذه القصص بدأ البطل بالبحث عن السعادة التي يفتقدها، فهو لا يجدها في المال الوفير الذي يملكه، ولا في السكن المريح أو الزوجة الجميلة، ولا يستطيع حتى أن يشعر بالسعادة مع فتيات يمارس معهن الرذيلة، على الرغم من تمتعهن بالجمال والزينة، وبدأ يبحث عن السعادة وجرب أمورا أخرى ارتكب فيها مجموعة من الجرائم والموبقات، وطبعا قد يكتسب خبرات، ويثبت للآخرين أن عنده ماضي كما تحبي أنت أن يكون لديك خبرات وتجارب وماضي، ولكنه سيكون ماض كئيب، ويتألم كلما تذكره، وقد يصاب بالأمراض الفتاكة أثناء تحقيق هذا الماض المزعوم الذي يندم كلما تذكره، وفي النهاية لم يصل لما يريد بعد أن جرب كل الطرق والوسائل، وبعد فوات الأوان أو في النهاية توصل إلى أن السعادة في القرب من الله تعالى، وفي فعل الطاعات التي تزيد الإيمان، والحرص على فعل الأعمال التي تزيد الإيمان وتسهل الوصول للجنات مع الاجتهاد في البعد عن المعاصي، وتجنب الآثام والمنكرات.\r\n أما من وقع في شيء من هذه المنكرات وقت الغفلة فعليه بالمبادرة إلى التوبة والندم والإقلاع عن الذنب والمسارعة إلى الاستغفار. \r\n وأخيرا وفي النهاية تأكد هذا الشخص وغيره من الباحثين عن السعادة أن السعادة الحقيقية هي في الإيمان والعمل الصالح، فالسعادة دين يتبعه عمل، والله تعالى في كتابه الكريم لم يقرن الحياة السعيدة بالمال، ولا بالسلطة والجاه ولا بكثرة الأولاد، ولا بالسير في طريق الغواية... بل أرشد المولى سبحانه وتعالى إلى أن الحياة السعيدة مع طاعة الله، والوصول إليها مضمون لمن يعمل الصالحات، ونصوص القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تنص نصاً صريحاً على الحياة الطيبة للمتقين، وتدل على طمأنينة القلب لمن كان من الذاكرين (الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱاللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱاللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ الَّذِينَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـئَابٍ [الرعد:28، 29].\r\nثم إن فقدان السعادة من قلب المرء، يعني هجوم القلق والاضطراب النفسي في شخصه، \r\nفتجتمع عليه الهموم الأحزان، إضافة إلى الأرق والسهر، مع الشعور بالندم والذنب.\r\nفالسعادة أختي الفاضلة غاية ينشدها كل البشر، من المثقف والمتعلم والعالم، إلى العامي البسيط في تصرفاته، ومن السلطان في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير، ينشدها الرجال والنساء، ينشدها الأزواج والزوجات، فكيف يمكن الوصول إليها؟ كيف يمكن الوصول لحقيقة السعادة، هل بالسير في طرق الغواية، أو بالانحراف عن الاستقامة، كلا. فكل إنسان لا يتمكن من معرفة معنى السعادة الكاملة ولا كيفية الوصول إليها، إلا بالطرق الصالحة ومنها القراءة النافعة أو حضور مجالس العلم، أو الاستفادة بخبرات العلماء الناصحين، أو الجلساء الصالحين. مع حسن الاستفادة بالوقت في الأمور النافعة والمفيدة، كالاشتراك في الأعمال الدعوية والخيرية التي تدخل السرور على الآخرين، وأما من يلجأ لغير ذلك تجده يتخبط ولا يصل للمطلوب إلا بعد فوات الآوان.\r\nوقد عد الله سبحانه وتعالى الذين يعملون الصالحات بالحياة الطيبة وبالسعادة والهناء، نعم وعدهم بالسعادة التي تتحقق بالحياة الطيبة يقول تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل:97].\r\nخامساً: هل المال والجاه سبيل الانحراف؟ \r\nفأنت أعطاك الله تعالى كما ذكرت الأسرة والمكانة والمال، فبدلا من أن تشكري الله عز وجل على نعمه تتطلعي لتفسدي بهذا المال أو تنحرفي به عن خط الاستقامة.\r\nاعلمي أن الله تعالى أعطاك المال ليختبرك ويمتحنك وينظر ماذا أنت فاعلة فيه , هل نؤدي حق الله في المال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة: 254 وهل تتبعي المنهج الإسلامي في تصرفاتك المالية أم لا ؟.\r\nوتأكدي أن الإنسان مهما ملك من مال فهو فقير إلى الله تعالى وقد يذهب ماله في لحظة ويتحول من غني إلى فقير, فالسعادة ليست في امتلاك المال وحده بل في الإيمان والطاعة التي يجد لذتها وحلاوتها المؤمن المجاهد لنفسه ولشيطانه فيلزمها تقوى الله ويأخذ من سير المتكبرين عبرة وفي قصة قارون عبرة لأولى الأبصار (راجعي الآيات في سورة القصص).\r\nسادسا: اختلاف القدرات حكمة ربانية\r\nفاعلمي أن الله تعالى أنزل الأرزاق وقسمها بحكمة, قد لا تظهر لكِ إلا بعد مدة طويلة فتحمدي الله على ذلك لأنه لو أعطاك الله تعالى جميع القدرات، ومنحك كل المؤهلات لأصابك الكبر والغرور ولا بد أن يعطيك الله شيئا أو نعما ويحرمك من غيرها لتعلمي أن الإنسان دائما يشعر بالحاجة والفقر لله ثم إذا منحك الله كل شيء قد تصيري مسرفة أو مستهترة، وقد تضيعي مالك وتفقديدينك, وحتى من يملك المال عليه التوسط في الإنفاق بين التبذير والتقتيير وإذا كان كريما فعليه بالكرم في الإنفاق في سبيل الله تعالى.\r\n ثم إن الله تعالى من حكمته أن خلق الأغنياء والفقراء وخلق الاختلاف في الأجواء وغيرها لنعرف نعمة الله علينا من رؤية هذا الاختلاف قال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) الشورى 27, وخلق الله الأغنياء والفقراء لحكمة أيضا وهي تسيير أمور الناس والفقراء يقومون بالأعمال الوضيعة ولكنها شريفة ومن يقم بهذه الأعمال لو خلق الله العباد كلهم أغنياء ؟ وقال سبحانه: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا) الزخرف: 32.\r\nسابعا: أنت بحاجة لإعادة زرع الثقة في نفسك\r\n فالثقة من العوامل الأساسية للوصول إلى طريق النجاح، والناجح لا بد أن يتمتع بالثقة في النفس، ولابد أن يستخدم ما عنده من إيمان وإرادة وقوة  لإعادة الثقة لنفسه، ويشعر أن عنده القدرة على علاج السلبية، لأن الوقوع تحت وطأة الشعور بالضعف أو بالسلبية والتردد وعدم الاطمئنان للإمكانات هو بداية الفشل.\r\n إن الهزيمة النفسية هي بداية الفشل فعلا وهي التي تساهم الإنسان في الوصول للنجاح، أو هي السهم المسموم الذي يصيب الإنسان في مقتل خطير.\r\nوالثقة بالنفس: هي نوع من الاطمئنان المدروس إلى إمكانية تحقيق النجاح والحصول على ما يريده الإنسان من أهداف، ولابد من التأكد والثقة بوجود الإمكانات مهما كانت حتى لو كانت ضعيفة، وكل إنسان منحنه الله تعالى طاقة، وأعطاه إمكانات ليستخدمها بعد أن يتعرف عليه ويكتشفها. فهذه ثقة محمودة وينبغي أن يتربى عليها الفرد ليصبح قوي الشخصية, ولكن ينبغي مع ذلك أن يؤمن الواثق بنفسه أن هذه الإمكانات إنما هي نعم الله تعالى وأن فاعليتها إنما هي مرهونة بعون الله وتوفيقه للعبد، وبذلك ينجو الإنسان الواثق بنفسه من شرك الغطرسة والغرور.\r\nالنفس إذن فيها طاقات ينبغي اكتشافها والاستفادة منها وعدم الاستسلام بحجج واهية، أو للشعور بالتعثر أحيانا أمام الآخرين، فمن الممكن أن تكون قدراتك ضعيفة في الإلقاء أو الحديث والحوار، أو جذب انتباه الآخرين، لكن من المؤكد أن لديك قدرات أخرى، ومهارات منوعة تحتاج للاكتشاف. \r\nثامنا: كيف تنجحين بعيداً عن الانحراف؟\r\nمما سبق يتبين عدم تعرفك على ما عندك من إمكانات ومن ثم عدم ثقته في وجودها أو التشكيك فيها، فهذا فيه عدم رضا بما قسم الله تعالى للإنسان، إضافة إلى غياب القناعة عن ذهنه وظلمه لنفسه أنه بهذه الصورة، وهذا من شأنه أن يظل الشخص مهزوز الشخصية لا يقدر على اتخاذ قرار، فعلى الشخص أن يذكر نعم الله تعالى عليه، فكل فرد قد حباه الله مواهب وذكاء لكنه يشك في هذه المنحة الإلهية، لا يثق في قدراته على حسن التصرف واستخدام القدرات للوصول للحل الصحيح بإذن الله تعالى.\r\nثم إذا أردت أن تتحسني في معاملة الناس أو تثبتي جداراتك في بعض الأمور فكيف تصلي لذلك؟\r\nأو كيف تنجحي في الأمور التي تشعري أنك غير ناجحة فيها مثل القدرة على إدارة الحوار، أو تحبي أن تشدي الانتباه إليك فكيف يتم ذلك؟ هل يتم بالانحراف كما وسوس إليك الشيطان؟ كلا، بل بما فعلت من الإقبال على كتاب الله ، ولكن لا تكتفي بالحفظ فقط لا بد من العمل والتطبيق، والتدبر، والتحاكم إلى قرآننا المجيد بل والاستشفاء به، وكذلك لا بد من أن تعملي على اكتساب مهارات أو فن التواصل، وذلك بالحرص على المزيد من طلب العلم في الأمور التي تنقصك من حسن التعامل مع الآخرين ، أو كيفية كسب الأصدقاء أو الوصول لاحترام الزميلات وقد يكون التدريب على متى ينطق الإنسان ومتى يتكلم، ولا يتكلم إلا بعلم وإلا فالصمت أفضل، ويمكنك تعلم الأمور السابقة من فنون الاتصال وغيرها بحضور دورات علمية في ذلك، مع الإكثار من القراءة النافعة، أو سماع الأشرطة المفيدة، والدخول لمواقع مفيدة، وابتعدي عن الشات فمخاطره كبيرة، جالسي كبار السن الصالحين والصالحات، وابتعدي عن الجليسات السيئات، توجهي لله تعالى واسأليه بصدق وإخلاص أن يحل مشكلتك، ويوفقك في الأمور التي تتعثري فيها، واعلمي أن كل يوم ستقابلي مشكلة واعلمي أن مفتاح حلها بالتقرب إلى الله تعالى، والتودد إليه سبحانه، والتضرع بالدعاء بين يديه، ومراعاة أداب الدعاء، والبعد عن موانع الإجابة، مع التذلل إلى الله تعالى، وقيام الليل بين يديه خصوصا في أوقات الإجابة مثل الثلث الأخير من الليل، وهذه العبادات وتلك الأدعية سوف تعينك على تجاوز هذه الأزمة أو الأزمات القادمة، وكذلك استعيني بالصبر والصلاة فهي أيضا من ضمن أسلحة المسلم للوقوف في وجه المشكلات وتجاوز العقبات.\r\n وعليك بالتوبة والاستغفار إلى الله تعالى من وساوس الشيطان، ومن التساهل الذي وقع منك في التفكير في الانحراف، وعليك العزم على عدم العودة إلى التفريط في التمسك بالأخلاق الفاضلة، وأن تنوي وتعزمي على السير في طريق الاستقامة.\r\n \r\nنسأل الله تعالى لنا ولكِ التوفيق والسداد وأن يمنحنا جميعاً القدرة على الوقوف في وجه المشكلات ومواجهة العقبات.\r\nهذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



زيارات الإستشارة:6551 | استشارات المستشار: 161


الإستشارات الدعوية

ما الكتاب الذي تنصحيني بقراءته بعد مدارج السالكين؟
وسائل دعوية

ما الكتاب الذي تنصحيني بقراءته بعد مدارج السالكين؟

بسمة أحمد السعدي 12 - ذو القعدة - 1431 هـ| 20 - اكتوبر - 2010


الدعوة والتجديد

لا أصلي وأخاف من الموت

هالة بنت محمد صادق شموط ( رحمها الله )6922


الدعوة والتجديد

أريد قلبا لأنه لا قلب لي!

هالة بنت محمد صادق شموط ( رحمها الله )4969

استشارات محببة

هل للولى الحق فى الإشراف المالي على ما تملكه المرأة ؟
استشارات الولاية

هل للولى الحق فى الإشراف المالي على ما تملكه المرأة ؟

السلام عليكم ..
هل للوليّ الحقّ في الإشراف المالي على ما...

د.محمد بن عبد العزيز بن عبد الله المسند2414
المزيد

كيف أعدل بين الأولاد في الملاهي؟
الإستشارات التربوية

كيف أعدل بين الأولاد في الملاهي؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..rnعند وصول الإجازة الصيفية والقيام...

د.مبروك بهي الدين رمضان2416
المزيد

هل صلواتي وصيامي يحتاج إعادة 23 سنة?
الأسئلة الشرعية

هل صلواتي وصيامي يحتاج إعادة 23 سنة?

السلام عليكم ورحمة الله..rnسؤالي إلى الدكتورة رقية المحارب..rn...

د.رقية بنت محمد المحارب2416
المزيد

إن كان متصلا بالحيض ولم تر الطهر فهو ملحق بالحيض!
الأسئلة الشرعية

إن كان متصلا بالحيض ولم تر الطهر فهو ملحق بالحيض!

السلام عليكم..
قرأت لابن عثيمين أن الكدرة سائل أبيض به عروق...

د.بدر بن ناصر بن بدر البدر2416
المزيد

ابنتي تشاهد مشاهد مخلة بالأدب!
الإستشارات التربوية

ابنتي تشاهد مشاهد مخلة بالأدب!

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أعاني من مشكلة تذكّرت أنّي...

فاطمة بنت موسى العبدالله2416
المزيد

أحيانا أفكر أنني إنسانة عظيمة!
الاستشارات النفسية

أحيانا أفكر أنني إنسانة عظيمة!

السلام عليكم .. في أوقات خلوتي مع نفسي يأخذني التفكير إلى أنّي...

نوره إبراهيم الداود2416
المزيد

ما رأيكم  في تصرّفي وكيف أمنعه من السفر للفسق ؟
الاستشارات الاجتماعية

ما رأيكم في تصرّفي وكيف أمنعه من السفر للفسق ؟

السلام عليكم ..
أنا متزوّجة منذ 3 سنوات ونصف ولديّ ولد وبنت..لا...

نورة العواد2416
المزيد

أمي لن تزوجني لشاب أمّه لا ترتدي الحجاب!
الاستشارات الاجتماعية

أمي لن تزوجني لشاب أمّه لا ترتدي الحجاب!

السلام عليكم .. أنا طالبة بالثانويّة العامّة و منذ 3 أسابيع...

د.محمد سعيد دباس2416
المزيد

أحيانا أتصرّف كالنساء!
الاستشارات النفسية

أحيانا أتصرّف كالنساء!

السلام عليكم .. أنا في السادسة عشرة من عمري أعاني من مشكلة...

رانية طه الودية2416
المزيد

ما هي حقوقي أمام زوجي في وجود أبنائه؟
الاستشارات الاجتماعية

ما هي حقوقي أمام زوجي في وجود أبنائه؟

السلام عليكم
أنا متزوّجة من زوج له أبناء من قبل .
قبل الزواج...

أ.سلمى فرج اسماعيل2416
المزيد