الاستشارات النفسية » الاضطرابات النفسيه للراشدين


08 - جمادى الآخرة - 1428 هـ:: 24 - يونيو - 2007

صدمات متتالية وتجارب قاسية!


السائلة:رولا

الإستشارة:عبد العزيز بن عبد الله بن صالح المقبل

سيدي أعرض عليك مشكلتي هذه ولا أعرف إن كنت حتى جادة في وصفها بالمشكلة..حقيقة لا أدري.
أنا فتاة في ال 23 سنة من عمري..مثقفة واجتماعية ومرحة إلى حد كبير ومحبوبة من قبل عدد كبير من الأصدقاء..مشكلتي يا سيدي أنه في السنة والنصف الماضية قد مررت بتجارب قاسية وتعرضت لصدمات متتالية لم أتحملها وواجهتها بصعوبة بالغة..لكن الأثر قد ظهر علي في وقت متأخر..ففي بداية المشاكل كنت أهزأ منها وأواجهها باستغراب واستهجان..وبخليط من المشاعر المتناقضة المشحونة..مرة بالصراخ ومرة بالهدوء المطلق ومرة بالبكاء ومرة بعدم الاكتراث ومرة بالملل ومرة باليأس والكآبة سوف أحاول أن أشرح لك ما نوع الصدمات التي تلقيتها..
أبسطها كان تأجيل خطبتي لخطيبي حاليا  حوالي الست مرات متتالية ولأسباب مختلفة ومتنوعة..منها موت أحد الأقارب من طرفي العائلة..ومنها المرض المفاجئ ومنها الجدال حول المهر والتي كانت شديدة علي لتدخل الناس ومحاولة زرع الفتن لكن الحمد لله استطعنا أن نعقد قراننا بعد فترة من الزمن وبعد أدائي لصلاة الاستخارة وتيسر الأمور معنا.
وآخرها كانت بسبب الحرب الأخيرة على لبنان حيث كنت أشتري خاتم الخطبة عندما انهال القصف علينا وعلقنا لمدة ثلاث ساعات في بلدة بعيدة عن بلدتي..وبعدها مكثت في ملجأ صغير,سحقت فيه كل الآمال بالعيش وبالشعور بالفرح من جديد فكنت لا أشعر إلا بالكآبة المفرطة واليأس والخوف..بعدها استطعت أن أنتقل مع أهلي إلى بلدة أكثر أمانا بينما بقي خطيبي في بلدته...المهم أني قد مررت بالمصاعب الكثيرة..ولولا أن الله قد أنعم علي بخطيب محب وكريم وحنووون ومتفهم جدا" لما استطعت اجتياز المشكلات هذه..المهم بعدما مررت بهذه التجارب التي حدثت في فترات متقاربة جدا"...بدأت أشعر ببعض التغييرات تطرأ علي..بعضها استطعت تجاوزها والبعض الآخر ما زلت أعاني منها وإن قلت حدتها...سوف أحاول أن أختصرها وأبسطها
1-التشاؤم المستمر والشعور بأني سأموت قريبا جدا...في حادث سيارة.. في انفجار.. في ذبحة قلبية مفاجئة.
2- التلعثم المفاجئ وقلب الأحرف غير إرادي حين التعبير عن فكرة تجول في رأسي أو في وصف شيء ما.
3-ذاكرة شبه خالية من أي ذكريات سوى تلك التي حدثتك عنها...والتي كانت لها اثر بالغ في..وصعوبة في انتقاء المفردات والأفكار للتعبير عن نفسي.
4-الملل الشديد والرغبة في التغيير حتى في علاقتي مع خطيبي الذي أعشقه وما زلت...(لقد عدت إلى حالتي الطبيعية والحمد لله وذلك بسبب صبره علي وتفهمه لمشكلتي) وقد أوشكت على تدمير علاقتي بخطيبي لأسباب أجهلها وعندما أتذكرها لا أجد غير الاستحقار من قبل نفسي..والحمد لله خطيبي لم يمل وكان شديد الدعم لي في كل المواقف وقد حاول انتشالي من مخاوفي وقد فلح في الكثير منها.
5-عدم انتظار شيء مفرح...فالأيام القادمة بكل أحداثها غدت تشبه بعضها جدا...ولا يوجد شيء يمكن أن يصل بي إلى الفرحة المطلقة (التي غدت أمنيتي في الوقت آنذاك).
6-الشعور بالخوف وعدم الأمان وبأنه بعد ثانية أو ثانيتين سأتلقى ضربة حادة على رأسي أو سيحدث شيء مرعب أو زلزال عنيف سيضرب الأشياء من حولي..المهم هزة قوية..(أشعر فعلا بأن دقات قلبي ترتفع بين الحين والآخر وحالة من الخوف الشديد تنتابني للحظات قصيرة وكأنني أنتظر فاجعة مؤلمة ثم تختفي ثم تظهر وهكذا).
7-الرغبة الشديدة في البكاء وفي الصراااخ وأن أشعر بأني أملك سلطة قاهرة وفي استحقار الناس من حولي وإلقاء اللوم عليهم بكل سهولة وإحداث شجار ضخم بيني وبين أي أحد أصادفه..والتأثر الشديد في المشاهد الحزينة التي أشاهد على التلفاز وخاصة تلك التي تتعلق بالموت..
8-الشعور بالكسل والانحطاط الجسدي وبالارتخاء وخاصة حينما سماع أي صوت مفاجئ من حولي..فأشعر بأنني سأنهار ولو كانت حتى صفقة باب قوية أو مفرقعات نارية..
9- بعدما كنت متفوقة في مجال دراستي وهو اللغة الانكليزية أصبحت أواجه صعوبة في كتابة المفردات أو في تركيب الجمل إلا بعد تركيز مرهق..حيث تغدو عملية التفكير عملية معقدة لاسترجاع كيفية كتابة أو لفظ كلمة محددة..وتشتت الذهن وصعوبة التركيز في حفظ الأرقام أو معلومات ضرورية...
ملاحظة: اقترح علي خطيبي بعد عودتنا من الحرب سالمين وذلك لأنه لاحظ علي هذا التغيير المفاجئ وبدأ يشعر بحالة النفور الغريبة التي أصابتني والملل منه أن أذهب إلى طبيبة نفسية وحدث هذا بعون الله تعالى دون معرفة أهلي ولكن بعد تشخيصها بأنه لدي عوارض اكتئاب لم أتقبل الفكرة واستهزأت بتحليلها وهربت منها إضافة أني ازددت كآبة علما بأنها كانت تتقاضى مني مبالغ كبيرة ولم أستطع أن أؤمنها دوما لأني أتكفل برعاية أهلي..المهم لم أعد إلى زيارتها وخطيبي حاول التخفيف عني بطرق بديلة والحمد لله لأنه كان الأقرب إليه وكنت أبوح له بكـــل شيء قد ساعدني جدا...حتى ارتحت قليلا وخرجت من الدوامة..
سيدي..قد قرأت مرة عن عوارض الصدمة النفسية وصدمت بأن معظم العوارض التي تلازم هذه الحالة قد حدثت لي وإن كان بعد فترة طويلة ,,لقد تخلصت من بعض المشاكل إلا تلك التي تتعلق بعدم الشعور بالأمان وكان فرحتي لن تكتمل وأنه سيحدث شيء مروع آخر عما قريب كذلك التلعثم وقلب الأحرف وصعوبة إيجاد المفردات لأعبر عن أفكاري..وتزداد ظهورا في وجود الناس من حولي...وأوضح لك أن التعبير الشفوي أصعب بكثير من التعبير الكتابي ككتابتي لهذه الرسالة لك أجزم لك أنني لن أستطيع التعبير عنها بهذا الأسلوب إن كنت تخاطبني وجها لوجه..
أريد أن أعرف ما هي هذه الحالة؟؟ هل هي فعلا عوارض اكتئاب ؟ أنا الآن أضحك مجددا وأمرح مع أصدقائي وأحاول أن أشعر بالفرح كلما استطعت..لكن ما زال الشعور بأن هناك شيء ما ينتظرني...عذرا على الإطالة وعلى عدم ترابط الأفكار..حبذا لو يرد على مشكلتي الدكتور مقبل حفظه الله....لأني ارتاح لاقتراحاته والحلول التي يقدمها.. مع فائق الاحترام للجميع..


الإجابة

الأخت الفاضلة : رولا.. لبنان، وفقها الله.
بنتي الكريمة : لقد اقتضت حكمة الله – سبحانه وتعالى – أن تكون الدنيا دار امتحان وابتلاء، والابتلاء علامة خير للمؤمن، فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاه). لكن الناس تجاه أحداث الزمان ومصائبه أصناف ؛ فمنهم من تثبت تلك المشكلات أن أرضية نفسيته (هشة) جداً.. فتترك تلك المشكلات آثاراً كبيرة على نفسيته وسلوكه.. ومنهم من (يتجلّد)، ويصبر ويصابر، ويسلي نفسه أن هذه طبيعة الدنيا، وينظر إلى من هو أقسى وضعاً، ثم يلتفت إلى الجوانب الإيجابية في حياته، ويبعث منها مستقبلاً جديداً، فتكون نظرته منطلقة من منطقة إيجابية، لتكون رؤيته للحياة جميلة، مع ما فيها من كدر.. فمن حق المسلم أن يستمتع بحياته  في دائرة المباح..
وقد وصفت نفسك – بنتي الكريمة – بأنك : (مثقفة واجتماعية ومرحة ومحبوبة من قبل عدد كبير من الأصدقاء)، ومعي هذا أنك – بتوفيق الله قادرة على مواجهة ما يعترض طريقك من مشكلات، والتعايش معها بصورة جيدة.. وأنت – مرة أخرى – تثبتين أنك واجهت ما اعترضك من صعوبات بـ(صعوبة بالغة).. ومع هذه الصعوبة فأنت أثبت لنفسك قدرتك على (المواجهة)، وعدم الانهزام، مع تباين أساليبك في المواجهة، تبعاً لحالتك النفسية.بل إن مواجهتك، و(تطبعك) مع تلك المشكلات أثمر (نتيجة) إيجابية، فأنت تقولين عما تركته عليك تلك المشكلات من (وشمٍ) : (بعضها استطعت تجاوزها، والبعض الآخر لا زلت أعاني منها، وإن قلّتْ حدّتها) !.. وهذا يعني – بوضوح – أمرين ؛ وجود (بذور) المقاومة الجيدة لديك، وهو ما يمنحك،أو هكذا يفترض، قوة وإصراراً، في المواجهة.
وأنك مع مرور الوقت قادرة على (مداواة) الجروح، التي خلّفها (إعصار) تلك المشكلات.. وأظن أن أهمّ (مرهم) يمكنك استعماله لإزالة ما بقي من آثار، هو التفاؤل والتطبّع.
دعيني أدلف أكثر لقطار المشكلات، الذي مرّ عليك، وآذاك دخانه، وأصمّ أذنيك صوته، وكادت عرباته أن تسقطك :
بنتي الكريمة : بالنسبة لتأجيل الخطبة فهو أمر قدري، ولكن أقدار الله لا تتمحض لشرٍّ قط، وتأملي قول المولى – سبحانه وتعالى - : (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء/19]  )
وتأكدي أن الله العظيم – بعلمه وحكمته – اختار لخطبتك الوقت الأكثر مناسبة، فربما إن هناك أموراً لو تمت الخطبة في أجوائها، لكانت مهددة بعدم النجاح، ولاحظي ماذا تقولينه، وما يعكسه من ارتياح نفسي : (لكن الحمد لله استطعنا أن نعقد قراننا بعد فترة من الزمن وبعد أدائي لصلاة الاستخارة وتيسر الأمور معنا).
بل لاحظي الوجه المشرق من تلك الأحداث، فتتاليها عليك دفعت خطيبك أكثر للتفاعل معك، ومن ثم غرست محبتك في قلبه بصورة أعمق، وكأنما تهيأ لك نفسياً، بين يدي الزواج.. فتقولين : (ولولا ان الله قد انعم علي بخطيب محب وكريم وحنووون ومتفهم جدا" لما استطعت اجتياز المشكلات هذه).
بنتي الكريمة : التشاؤم هو اختيار الجهة الخطأ في السير، وعلى الإنسان أن يتذكر أن الله رحيم بعباده.. وأن ما حدث لهم من أمور بدت لهم غير جيدة، سيتبين لهم حاضراً أو مستقبلاً، أنها كانت في صالحهم.. ولذا فقد كان المصطفى – صلى الله عليه وسلم – يعجبه التفاؤل.. وأظنك – عند تأمل هذا الأمر – قادرة على تحويل خط سيرك جهة التفاؤل، وأظنك حينها سيهبّ عليك هواء الراحة العليل !خاصة وأنك تلاحظين أن مثل هذه التوقعات، التي تمثل ضغطاً نفسياً، لم يحصل منها شيء، طوال مسيرك الماضي، وأنها علامات خطأ، لأن الجهة التي سلكتِها هي في الأصل خطأ.. فقط انسي أو تناسي !!
وأتمنى أن تدركي – بنتي الكريمة – إن الفرحة التي تنتظرينها هي – أيضاً – تنتظرك أن تتوقعيها، لتهبط عليك.. إن الفرح أو الحزن مشاعر نفسية قبل أن تصبح واقعاً معاشاً.. فكم ممن يملكون الملايين، لم تستطع (ملايينهم) انتشالهم من بحار الحزن والهمّ والغمّ، مع أنه يتوقع أنهم – عكس ذلك – يغرقون في بحار السعادة.. أليسوا يستطيعون (توفير) كل ما يريدون ؟!!.. لكن الحقيقة أن السعادة لا تباع، بل تصنع !!.. ومن جهة أخرى فكم هم الفقراء، الذي يقضون سحابة نهارهم وطرفاً من ليلهم، بحثاً عن لقمة العيش، وبعد هذا الجهد الكبير يحصلون دراهم معدودة، والذين لا يعرفونهم، ويرون كيف تظلهم سحابة السعادة والحبور، يشكون أنهم يتكئون على (متكآت) من الأرصدة !!
بنتي الكريمة: من المؤكد أن الإنسان حين يتوقع من نفسه الغلط أنه سيغلط.. وحين يظل يفكر في أمر تفكيراً سلبياً يقع فيه، أو يقترب من الوقوع.. ولو تأملت لوجدت أنك تلعثمت مرة أو مرتين، وهو ما يحدث مع كثيرين،  في ظروف عارضة، لكنك أنت لم تدعي هذا الأمر يمرّ، كما يمرّ عند غيرك، وإنما شكّل لك مشكلة، ورسم حولك أجواء من الخوف، فبدأت تتشكل عندك عقدة أن لديك تلعثماً، فبدأت تتلعثمين.. ولو أنك رجعت من حيث أتيت، وأعدت التفكير من جديد، أن ما اعتراك من تلعثم، إنما كان أمراً عرضياً، وأنك كما أنت لم تتغيري، لتحول الأمر !!
بنتي الكريمة: من الطبيعي لو جلست في غرفة مغلقة النوافذ، أن تشعري بالتضايق شيئاً فشيئاً، بسبب انحباس الهواء، وركوده في تلك الغرفة.. ولذلك لو خرجت منها إلى ميدان فسيح، ربما أخذت نفساً عميقاً بصورة تلقائية، كتعبير عن التضايق السابق.. إنك – بنتي الكريمة – قد (حبست) نفسك في غرفة ذكريات (مزعجة)، وأنت لا تكادين تبرحينها، ولذا فمن الطبيعي أن تشعري بالضيق، وألا يرد على ذهنك سوى هذه الصور الحزينة.. إن من هي في مثل حالك من الجيد ألا تجلس وحدها إلا حين تحس بالنوم يداهمها، حتى تعطي فرصة أكبر لـ(نسيان) الذكريات التي تحاصرها.. وتلك الذكريات باشمئزازك منها، من الطبيعي أن تفرض نفسها عليك حين تكوني وحدك، وليس لأنك لا تملكين ذاكرة، ولكن لأن وقع تلك الذكريات عليك أقوى وأشد !
أما ما أشرت إليه من (صعوبة) في انتقاء المفردات، فمن الواضح أن ذلك لا يعدو أن يكون لوناً من الوهم.. فرسالتك هذه – دون مجاملة – تؤهلك لأن تكوني كاتبة صحفية متميزة.. وإن كنت تقصدين أن ذلك يكون في المشافهة، فإني أقول فيه ما قلته في موضوع التلعثم !!
أما شعورك بالملل، والرغبة في التغيير، فهو ليس شعوراً (حقيقياً) بالملل، بقدر ما هو لون من الهروب إلى جهة لا تعرفينها بالضبط، ولكنك تعتقدين – نفسياً – أنها – ربما لغموضها يمكن أن تضيف لك أمراً مختلفاً، فتبعدك عن هذه الأجواء النفسية السلبية، التي تحاصرك بعنف !
وإذا كنت – بنتي الكريمة – قد تصرفت تصرفات غير جيدة، مع خطيبك، فلا شك أن للظروف التي عشتِها، والمشكلات التي واجهتك، دوراً واضحاً فيها، ولذا فإن خطيبك (العاقل المدرك)، قد تفهم الموضوع، ولذا فليس من الحكمة، وأنت تتذوقين (طعم) العافية، أن تظلي تجلدي ذاتك بسياط اللوم، فأي فتاة لو كانت في أجوائك، فإن من الطبيعي أن تتصرف مثل تصرفك أو أشد.. ولومك ذاتك إنما هو من الشيطان ليدخل عليك الحزن، فاستعيذي بالله من الشيطان، وابتعدي عن (أي) لون من اللوم لذاتك، فضلاً عن (استحقارها).
بنتي الكريمة: من الواضح أن تلك المشكلات قد تكون خلفت في نفسك قدراً مما يطلق عليه الرهاب.. ومن الطرق التي توصل إليها النفسانيون أن التخلص مما نخافه يكون أسرع عندما نواجهه..
أي أنه بدلاً من أن يوصى من يعاني من المخاوف والوساوس بتركها وتجنبها وتناسيها، أن يوجه إلى (استدعائها)، عبر جلسة يومية لمدة لا تقل عن شهر إلى شهرين. يجلس فيها الإنسان ويستدعي مخاوفه ووساوسه، يحاول استحضار الجو، الذي تأتيه فيه، وهو بالنسبة لك في المفرقعات والأصوات الشديدة، وحتى الموت، ثم يحاول أن (يطبّع) نفسه عليها، بتصور نفسه داخل لجتها، غير متضايق منها، ماض في طريقه وسطها، مبتسماً.. ومن الطبيعي أن الإنسان في البداية سيشعر بضغط المخاوف أكثر.. ولكن من المهم ألا يقوم أو ينصرف – مهما يكن الأمر – حتى ينتهي وقت الجلسة المحدد بنصف ساعة. لأن انصرافه يقوي شعوره بالخوف، وانهزامه أمام هجوم المخاوف، ومن ثم يعطي نتيجة عكسية.
لأن الأفكار – مهما كان ضغطها وإزعاجها – لها سقف تقف عنده، فهي ترتفع لدى الإنسان، وينتابه التوتر والخوف والضيق، وقد تعتريه حالات من الخفقان والتعرق، لكن ارتفاعها يقف عند سقف معين، لتبدأ بالانسحاب والتراجع.. ولا يلبث الإنسان بعد مدة أن يتأقلم معها.. حتى لم تعد تحدث عنده مثلما كانت تحدثه قبل ذلك.
بنتي الكريمة: لعل من الأمور الجيدة – في مثل حالتك – التنفيس بالكتابة.. فخصصي بعض الوقت.. واتركي قلمك يركض على الورق، ويتحدث – بالإنابة عنك – بكل ما ينوبك، أو تتضايقين منه.
ومن الطبيعي على جسد يظل عقله مشتعلاً بالتفكير طيلة الوقت، وربما حتى في الأحلام، أن يشعر بالإجهاد والتعب.. ولذا فمن الجيد جداً أن تماري الاسترخاء، فهو نافع للحالة الأساسية، وقاطع لحبل التوتر.
بنتي الكريمة : إن المشكلات التي واجهتيها ربما جعلتك – لا شعورياً – تفسرين (كل) ما ينتابك تفسيراً (سلبياً)، على أنه ذو صلة بها.. ولعل أولى مثال لذلك قولك : (بعدما كنت متفوقة في مجال دراستي وهو اللغة الانكليزية أصبحت أواجه صعوبة في كتابة المفردات أو في تركيب الجمل إلا بعد تركيز مرهق..حيث تغدو عملية التفكير عملية معقدة لاسترجاع كيفية كتابة أو لفظ كلمة محددة..وتشتت الذهن وصعوبة التركيز في حفظ الأرقام او معلومات ضرورية).. وأودّ – بنتي الكريمة – أن أطمئنك على أن هذا أمر عارض، وسيرحل – بتوفيق الله – متى انتبهت، وتعاملت مع المشكلات، بصورة جيدة.. فهناك علاقة عكسية بين عمليات التفكير، أو العمليات الذهنية، وبين الانفعالات النفسية، ارتفاعاً وهبوطاً.. فإذا ارتفعت وتيرة الانفعالات النفسية، بالخوف أو الحزن، فإن وتيرة العمليات العقلية تنخفض وتتشوش.. وحين تستقر الانفعالات تصبح العمليات العقلية تسير بصورة طبيعية.. فأنت – تحت وطأة تفكيرك بما يعترضك، أو اعترضك من مشكلات – من الواضح أن وتيرة الانفعالات في أوجها.. ولا حظي ما تشيرين إليه من (استيلاء) مشاعر الخوف عليك.. ومن ثم فأظن أنه من الطبيعي أن يحدث ما أشرت إليه، تجاه مجال دراستك.
أخيراً : أرى أن اقتراح خطيبك كان جميلاً، وربما إن تشخيصها كان صحيحاً.. لكن أرى أنك تمتلكين ملكات جيدة، ولديك خطيب جيد يسندك، فكونك تحاولين الإفادة من العلاج السلوكي قد يكون أولى.. إلا لو رأيت ضرورة لتعاطي الدواء النفسي.
ولكني متفائل جداً أنك لو تأملت كلامي السابق، وحاولت الأخذ به، وزدت (جرعة) الثقة بنفسك، واستشعارك قرب خطيبك، وإفضائك إليه، وتخفيفه عنك.. أنك – بإذن الله – ستتعافين كلية مما تعانين.
وحين قرأت ختام رسالتك، وقولك : (أنا الآن أضحك مجددا" وأمرح مع أصدقائي وأحاول أن أشعر بالفرح كلما استطعت..لكن ما زال الشعور بأن هناك شيء ما ينتظرني).. توقعت – جداً – أنك قادرة على (توسيع) رقعة الفرح هذه، على حساب رقعة الحزن، والأفكار السلبية.. وأنك بهذا تسيرين في الاتجاه الصحيح.
أسأل الله أن يمن عليك بالعافية، وأن يحفك وزوجك بالسعادة، وأن يوفقك لكل خير.



زيارات الإستشارة:4893 | استشارات المستشار: 316



Fatal error: Smarty error: [in newdesgin/counsels_da3awy.tpl line 66]: syntax error: unrecognized tag: وليس الذكر كالأنثى (Smarty_Compiler.class.php, line 436) in /var/www/vhosts/lahaonline.com/httpdocs/libs/Smarty.class.php on line 1088