x
20 - جمادى الآخرة - 1433 هـ:: 11 - مايو - 2012

قررت أن أصاحبهم جميعاً!

السائلة:سايا ه
الإستشارة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
شكراً لكم جزيل الشكر على ما تقدمونه وأتمنى تفيدوني في مشكلتي.
أنا كعادتي منذ صغري أذهب لمدرسة في بلد أخرى بسبب أن أمي من هناك ومدرسة بإحدى مدارسها والمستوى التعليمي ممتاز عندما دخلت المرحلة المتوسطة أصبح عندي دروس كثيرة في بلدتي وليس بلد مدرستي فكنت أسافر عبر سيارة أبي كل يوم فصادقت فتاة طيبة جداً زميلتي في الدروس لن يتصور أحد مدى سعادتي وراحتي بأني أخيراً وجدت ذلك الصديق الحقيقي كانت علاقتي جيدة جداً بجميع زملائي وأصدقائي لكن صديقتي لم تكن كذلك كانت حساسة خجولة لذلك حاولت أني أقربها من زملائي وكنت أقوم من جانبها وأجلس بجوارهم لكي تأتي إلي وتتحدث معهم لكنها لم تفعل ذلك وأخذت الأمر بمفهوم خاطئ قلت إن هذه الطريقة لن تجدي بعدها وجدت طريقتها تغيرت معي تحبني نعم لكن ليس مثل الماضي نعم صادقت فتاة أخرى وكانت تكلمها أكثر مني وكانت في منتهى السعادة عندما تكون معها وعندما يحين موعد الذهاب تلح عليها بأن تبقى بعض الوقت وأنا أتعذب وأبكي كل يوم وكانت تبعث لي رسائل وتكلمني وكان ينقص رصيدها كل هذا لأجل تلك الفتاة وأنا قدمت لها أشياء كثيرة هدايا وقصائد ورسوم لأني رسمي جيد أعلم أن هذا ليس له معنى في الصداقة لكنها كانت تفضل علي الفتاة الأخرى حتى أنها قالت لي أنك تكرهين نفسك وعندما سألتها عن السبب قالت كلمة جاءت على بالي وعندما جاءت السنة الثانية وجدت تلك الفتاة التي صادقتها صادقت فتاة أخرى بحجة أن صديقتي تحبني أكثر منها وصديقتي غاضبة وتقول لي ماذا فعلت بها لكي تتركني؟ فأصبحت علاقتنا كما في السابق وقالت إنها نزلت من نظرها لكن برغم هذا كانت تنتظرها وفي يوم جمعتنا نحن الثلاثة كنت غاضبة جداً من هذا أنها تهين كرامتها مع فتاة مثل هذه وجدتهما يضحكان مع بعضهما مرة واحدة كأنها أصدقاء منذ الطفولة فقلت ركزا في الامتحانات لأنها الأسبوع القادم فقالت صديقتي أنا آسفة لكما وسأعاملكما كزميلتين ولكنهما اتصلتا بي أول يوم في الامتحان وأنا أصبحت محتارة ولا أعرف ماذا أفعل لكنني قررت أن أصاحبهم جميعاً وألا يكون لي صديقة غير صديقتي التي بالمدرسة.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..
ابنتي الحبيبة.. سعدت بوجودكِ معنا ونشكركِ علي كلماتكِ الرقيقة ونحب أن تكوني علي ثقة أنكِ هنا بين أهلكِ وأحباءكِ فلا تترددي في الاتصال بنا في أي وقت وطلب المشورة في أي موضوع.
فهمت من رسالتكِ أنكِ في مرحلة المراهقة، وهذه الفترة العمرية تتسم الفتاة فيها بتدفق العواطف والأحاسيس، كما تتسم أيضا بالحساسية المفرطة، وتبدأ الفتاة في البحث عن الصداقة، فتتعلق بمن تشاركها آمالها وأحلامها، وبمن تخالطها وقتا أكبر من غيرها، فالوقت هنا عامل مهم للتعارف الحميمي وزيادة عمق التواصل. ولكن دائما علماء الاجتماع يشيرون إلي أن الصداقة في هذه الفترة تكون متأرجحة بين المد والجذب؛ بمعني يكون التقارب شديدا فترة لدرجة الرغبة في الاستئثار وحب التملك، ثم يتبعه بعد ذلك شيء من الفتور، وغالبا لا تدوم صداقة المراهقة كثيرا، فالتغيرات الزمانية والمكانية وتطور المشاعر وتبدل الأفكار والرؤى تجعل هذه الصداقة لا تصمد عبر مرور الأعوام.
ابنتي الصغيرة.. لعلكِ فهمتِ من سطوري الماضية لماذا شعرتِ بالسعادة عندما تعرفتِ علي هذه الفتاة التي وصفتها بأنها (فتاة طيبة جدا)؛ فهي تشترك معكِ في الدروس (زميلتي في الدروس) ولأنكِ تقضين وقتا طويلا معها صارت العلاقة بينكما قوية، فاعتقدي أن ما يربطكما صداقة والحقيقة غير ذلك؛ فهناك فرق كبير بين الزمالة والصداقة؛ الزمالة هي اشتراك أكثر من شخص في ظروف مشتركة وهو ما حدث معكِ تجاه تلك الفتاة، فاشتراككما في الدروس وقضاء وقت طويل معا جعلكِ تعتقدين أن ما جمعكما هو صداقة، وهذه الصلة ستنقضي بانتهاء تلك الظروف، أما الصداقة الحقيقية فهي رابطة قوية متجردة من أي مصالح دنيوية تكون لله وفي الله وبالله، تجمع شخصين أو أكثر علي الحب في الله؛ لأن كل أخوة وصداقة لا تقوم على الإيمان والتقوى والتواصي بالحق والصبر، تتحول إلى وبال على أصحابها، قال تعالى: ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُو إِلَّا الْمُتَّقِينَ ). لهذا يا قرة عيني عندما تجدي الفتاة الصالحة التي تسعي لمرضاة ربها وتحافظ علي عبادتها وعلي ملبسها الشرعي والتي تغض بصرها ولا تذكر أحدا بسوء، والتي هي صادقة في حديثها، والتي تكون ناصحة لكِ في الخير، والتي تحرص علي مصلحتكِ وعلي مشاعركِ وتحترمكِ وتحفظ سركِ وترد غيبتكِ؛ فاعلمي أن مثل تلك الفتاة تكون الصديقة الحقيقية فتقربي إليها واعترفي لها بمكانتها لديكِ؛ فهي مكسب عظيم. فإن كانت هذه الفتاة التي تتحدثين عنها بهذه الصفات فلا تترددي في السعي للمحافظة علي صلتكِ بها، وإن لم تكن كذلك؛ فاحرصي أنتي علي التحلي بهذه الصفات، وثقي أنه مع الوقت ستعثرين علي ما تتمنين، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، واعلمي أنه ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل،  لذلك قال عمر - رضي الله عنه -: (ما أعطي الإنسان بعد الإسلام نعمة أفضل من صديق حسن)، وكان يقول لابنه عبد الله بن عمر: (واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خاف الله تبارك وتعالى). لهذا أشدد علي نصيحتي لكِ ولبناتنا الفضليات الاهتمام بانتقاء الصديقة التي علي تقوي من الله تعالي ورضوان.
ابنتي الغالية.. ذكرتِ أن صديقتكِ تتسم بالخجل والحساسية (كانت حساسة خجولة)، بينما ذكرتِ أنكِ (علاقتي جيدة جداً بجميع زملائي وأصدقائي) أي أنكما تختلفان في نمط شخصيتكما، ولكي تجعليها تندمج معكِ كنت تتركينها وحيدة لتجلسي مع زميلاتكِ ظنا منكِ أن هذه الطريقة سوف تحفزها علي التقرب والاندماج معكن، وهذا التصرف رغم أنكِ تفعلينه بحسن نية، إلا أن هذا التصرف قد أحدث شرخا في نفسية الفتاة واعتبرته إساءة لها (أخذت الأمر بمفهوم خاطئ)، ولهذا بادرت بمصادقة فتاة أخري وجدت معها تقارب وتفاهم أكثر مما وجدته معكِ (صادقت فتاة أخرى وكانت تكلمها أكثر مني وكانت في منتهى السعادة عندما تكون معها).. نعم هي لم تقطع صلتها بكِ ولم تبغضكِ (تغيرت معي تحبني نعم لكن ليس مثل الماضي) والسبب أنكِ لم تفرقي بين ما تحبين وبين ما تحبه هي، هي بطبيعتها حساسة وخجولة وانطوائية، بينما أنتي اجتماعية ومنفتحة علي الآخرين، فلم تحترمي طبعها ورغبتها، لذلك فضلت الابتعاد عنكِ والبحث عمن تتآلف معها وتحترم سمتها. لذلك لا يجب أن تنزعجي من تصرفها هذا والتمسي لها العذر واحرصي علي الاقتراب منها ولتكن مشاعركِ نحوها دون غلو أو إفراط، لا أن يصل بكِ الحال إلي ( أتعذب وأبكي كل يوم) فقد أوصانا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم بترشيد مشاعرنا تجاه الآخرين وعدم المبالغة في عواطفنا: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ومعنى ذلك أن يكون حبّ المرء للآخرين أو بغضه لهم مقتصدًا لا إفراط فيه ولا تفريط ، إذ ربَّما انقلب ذلك بتغيُّر الزمان والأحوال بغضًا فلا تكوني قد أسرفتِ في حب من لا تستحق هذا الحب فتندمي عليها إذا أبغضتها، أو حتى لا تكوني قد أسرفتِ في بغضها يوما ما  فتستحي منها إذا أحببتها، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن فقد ينقلب الحبيب مبغضا ، فإذا أطلعتها على أسرارك حال الحبِّ ثمَّ كان البغض كانت عارفة لأسرارك مفشية لها.
ابنتي العاقلة.. أقدر مشاعركِ الطيبة تجاه هذه الفتاة ولكن ليس معني أن تحبي زميلة وتعتبريها صديقتكِ المقربة أن تصير هذه الصديقة ملكا خالصا لكِ بحيث تصادري حقها في وجود صديقة أخري تحبها وتتقرب إليها، كما أنه ليس من حقها أن تمنعكِ من أن تحبي جميع صديقاتكِ وتتوددي إليهن، فنحن مطالبون أن نحب جميع أصدقاؤنا وأن نزيد في حب المطيعة منهن، وما أراه أن هذه الصديقة باقية معكِ علي الود والتواصل بدليل أنها (تبعث لي رسائل وتكلمني) ولكن إصراركِ علي الاستحواذ عليها جعلكِ تشعرين أن رصيدها بدأ ينقص (كان ينقص رصيدها كل هذا لأجل تلك الفتاة).. فالأصل هو تعدد الصديقات مع احتفاظ كل صديقة بخصوصيتها وعدم الوصاية عليها. كما أن الصداقة تحتاج منكِ إلي صبر ومصابرة واحتمال للصغائر، لأنه لا يوجد من هو خال من العيوب والنقائص، كما نحن كذلك لا نخلو من العيوب. ولكن توقفت عند جملة قالتها لكِ (قالت لي أنكِ تكرهين نفسكِ) وعند سؤالكِ عما تقصد قالت لكِ (كلمة جاءت علي بالي) وأعتقد أنها بهذه الجملة تقصد شيئا ما قد حدث بينكما قد أغضبها منكِ وجعلها تحمل في نفسها، فربما قد بدر منكِ ما يشعرها أنكِ تمنين عليها بما تقدميه لها من هدايا (أنا قدمت لها أشياء كثيرة هدايا)! لذا أري أن تتصارحا لتتصالحا وبادري لها بالاعتذار إن كان بالفعل صدر منكِ ما يؤذي شعورها.
ابنتي الصغيرة.. قبل أن أختم معكِ، أوصيكِ بالجد والاجتهاد والسعي للتفوق، ولا تقفي طويلا أمام القيل والقال وأحسني الظن بالأخريات والصبر عليهن والتعاون معهن قدر استطاعتكِ، وبإذن الله تعالى سترين النتيجة الإيجابية في علاقتكِ مع زميلاتكِ. نسأل الله أن يؤلف بين قلبكِ وقلوب زميلاتكِ، ويجمعكنَّ على الخير والدين، هو ولي ذلك والقادر عليه.
زيارات الإستشارة:2101 | استشارات المستشار: 442
استشارات متشابهة
    فهرس الإستشارات