الأسئلة الشرعية » الأحوال الشخصية » النكاح


24 - شعبان - 1437 هـ:: 01 - يونيو - 2016

ما حكم اشتراط الزوجـة عدم زواج زوجهـا بثانية عند كتابـة العقد؟


السائلة:يسرا

الإستشارة:مبروك بهي الدين رمضان

السلام عليكم و رحمـة الله

كنت قد قرأت أنّ علماء الإسلام قد انقسموا قسمين حول مسألة اشتراط الزوجـة عدم زواج زوجهـا بثانية عند كتابـة العقد، و لديّ هنا عدّة أسئلة :
إذا ترك الأمر لأهواء كلّ امرأة لظلّت بعض النساء دون زواج، خاصّةً أنّ الجواب المرجّح في هذه المسألة هو صحّة الشرط لأنّ الزوجـة بهذا لم تعتد على حـقّ أحد ..
و كما هو معلوم أنّ من أسباب تشريع التعدّد هو زيادة عدد النساء على الرجال، و موت الرجال في الجهاد و الحرب و السعي على الرزق .
و سؤالي الأوّل: هل يعتبر مكث قسم كبير من النساء دون زواج في المجتمع الإسلامي ظلما و تعدّيا على الحقّ ؟ حال من تشترط عدم زواج زوجهـا في ذلك حـال الغنيّ الذي لا يلتفت لمن جاعت بطنه، و كلّ همّه أنّـه وجد طعاما يملأ بـه بطنه ؟
و أوليس هذا ضدّ مبدأ التعاون و التكافل الذي هو أساس لدين الإسلام ؟
و أو ليست عرضة لأن تفقد زوجهـا في طرفة عين، فتصبح بين عشيّةٍ و ضحاهـا أرملة تحتاج إلى الزواج من أرمل مثلهـا أو متزوّج لينفق عليها ؟
أليس في هذا تعارض منطقيّ لوقت اشتراطها شرطهـا، وحالها حين الطلاق أو الترمّل ؟
فالفتاة جبلت و فطرت على أن تتوق إلى السكن والطمأنينة و البيت الهادئ و الزوج الذي يحمل عنها عبء النفقات و الخروج إلى مجالات العمل التي تحفل بالكثير من المؤامرات من قبيل التعامل مع (الأجيرة) بمبدإ المصلحة فقط و دون أدنى اعتبار لها أو رحمة بهـا ؟
و سؤالي الثاني :
إذا كان الإسلام قد شرع التعدّد فإنّه اشترط العدل في الجانب المادّي، و لكنّه لم يشترط العدل في الجانب المعنوي رغم أنّ الناحية المعنويّة للمرأة أبقى و أهمّ بالنسبة لها ..
و هل يا ترى تطيق امرأة أن يحبّ زوجهـا ضرّتهـا بقدر أكبر منهـا ؟ حيث أنّ كلّ إنسان (لاسيما المرأة) يحبّ أن يشعر دوما أنّه محبوب و مرغوبٌ فيـه، و يحبّ أن يشعر أنّه متساوٍ مع غيره في كلّ شيء، فالعدل يحقّق الأمان النفسي للإنسان.
سؤالي الثالث:
لم رفض الرسول صلّى الله عليه و سلّم رغبة نسائه في استقبال هداياه في بيوتهنّ عندما وجدن أنّه لا يتلقّى الهدايا من الصحابة الكرام إلاّ في ليلة عائشة ؟ و قال صلّى الله عليه وسلّم: لا تؤذوني في عائشة . أوليس هذا ممّا يثير الغيرة في نفوس باقي زوجاته خاصّةً أنّه لا يعود بالضرر على السيّدة عائشة رضي الله عنها ؟
(سؤالي هذا مجرّد استفسار و ليس حكما على النبيّ)
سؤالي الرابع:
هل طلّق الرسول السيّدة سودة بنت زمعة فجأة لعدم رغبتـه فيها و عزوفه عنهـا ؟
سؤالي الخامس و الأخير:
لم اهتمّ الإسلام كثيرا بالحقوق المادّية، و لم يهتمّ بالحقوق المعنويّة فأجد أكثر الآيات تتكلّم عن الكسوة و الإنفاق على الزوجة و الولد بينما لم يبيّن الشرع مثلا الحقوق المعنويّة للمرأة و الولد، و أؤكّد في سؤالي هنا على الولد: حيث يهتمّ كثير من الآباء بالإنفاق على أبنائهم، لكن لم يلزم الوالدين بمراعاة الحقوق النفسيّة لأولادهما و عدم التعدّي على حقوقهم أو ضربهم دون وجه حقّ أو إهانتهم بألفاظ تجرح كرامتهم؟
فضلا أريد الردّ طبقا للشرع، لأنّ أسئلة كثيرة مثل هذه تدور في ذهني و تفتنني و أنا أخشى الفتنة و جزاكم الله خيرا.


الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ..
نشكر لكم ثقتكم في موقع لها أون لاين، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والرشاد ..
بداية نحن نحسن الظنّ ونقول إنّ مثل هذه الأسئلة للمعرفة والعلم، ولكنّنا في نفس الوقت لا بدّ من التنويه أنّ مثل هذه النوعية من الأسئلة هي التي يحرص زاعمو دعاة حقوق المرأة على إثارتها ، ويثيرونها للتشكيك في شريعة ربّنا والنيل من حبيبنا ورسولنا صلّى الله عليه وسلّم، كما نشير إلى أنّ مثل هذه الشبهات ليس محلّها الاستشارات المختصرة الموجّهة، وإنّما مجالها البحوث والدراسات والردود العلميّة المؤكّدة بالدليل والواقع .
وحاجتك للردّ من الناحية الشرعيّة يمكنك – وأنت يظهر لنا على اطّلاع – بمراجعة شبهات حول المرأة في الإسلام ومعرفة آراء العلماء في ذلك ..
ومع ذلك نشير إلى أهمّ النقاط حول أسئلتك ..
ج1/ صحيح قد اختلف أهل العلم في صحّة اشتراط المرأة على زوجها في عقد النكاح ألاّ يتزوّج عليها، ونحوه من الشروط، والراجح عند أهل العلم أنّه شرط صحيح، لازم. والدليل قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ أحقّ ما وفّيتم به من الشروط، ما استحللتم به الفروج» وفي لفظ: «إنّ أحقّ الشروط أن توفوا بها، ما استحللتم به الفروج» متّفق عليه، وأيضًا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم».
وليس معنى لزوم الشرط أنّ الزوج إذا أخلّ بشرطه، بطل النكاح، وإنّما معناه أنّه يحقّ للزوجة فسخ النكاح إذا أخلّ الزوج بالشرط .
أمّا بقاء بعض النساء بلا زواج في حال عدم التعدّد فذلك ما قدّره الله تعالى لكلّ منهنّ ، فالزواج رزق من الله تعالى للمرأة ولن تموت امرأة ولا رجل ولا ينقص من رزقه شيء وتلك عقيدة أهل السنّة، أنّ الرزق مكتوب ومحسوم قال تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون).، وقد شرع الإسلام التعدّد لمن يستطيع ويقدر سواء برضا الزوجة أو بعدم رضاها ما لم تشترط .
ج2/ من له دراية بالفقه وأحكام الشريعة يعلم أنّه يجب على الزوج إذا كان له عدّة زوجات أن يعدل بينهنّ في القسم .. والمبيت .. والنفقة .. والسكن، أمّا الجماع فلا يجب؛ لأنّه تابع للشهوة وجمال المرأة، فإن أمكن فهو أسلم . ولا جناح على الزوج في المحبّة والميل القلبي لأنّه لا يملكه .
وفي قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) إشارة إلى أنّ المنتهى فيها العدل بينهنّ من كلّ جهة وفي الحديث إلى أنّ المراد بالعدل التسوية بينهنّ بما يليق بكلّ منهنّ ، فإذا وفّى لكلّ واحدة منهنّ كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضرّه ما زاد على ذلك من ميل قلب .
أمّا كون المرأة تتحمّل هذا فذلك يرجع إلى مدى قبولها بالتعدّد وعلمها بأنّ لغيرها حقّا كما لها حقّ .
ج3/ بخصوص السيّدة عائشة رضي الله عنها، فإنّ المعلوم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يحبّ عائشة حبّا شديدا ، وكانت أحبّ النساء إليه، كما أنّ أباها هو أحبّ الرجال إليه .
فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، "أنّه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الناس أحبّ إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها ،.. الحديث .. وكانت رضي الله عنها تبادل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل هذا الحبّ، ولهذا كانت أكثر زوجاته غيرة عليه، ولها في الغيرة قصص كثيرة ومتعدّدة.
وتروي عائشة عن نفسها، فتقول: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "ما لك يا عائشة أغرت ؟" فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك .
وقالت عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكرها .
قال الذهبي: قلت: وهذا من أعجب شيء أن تغار رضي الله عنها من امرأة عجوز توفّيت قبل تزوّج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بها بمدّة ثمّ يحميها الله من الغيرة من عدّة نسوة يشاركنها في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فهذا من ألطاف الله بها وبالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لئلاّ يتكدّر عيشهما ولعلّه إنّما خفّف أمر الغيرة عنها حبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لها وميله إليها فرضي الله عنها وأرضاها.
وقد علم الصحابة هذا الأمر فكانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة .
قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أمّ سلمة فقلن: والله إنّ الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه ما كان أو حيث ما دار .
قالت: فذكرت ذلك أمّ سلمة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: فأعرض عنّي، فلمّا عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عنّي، فلمّا كان في الثالثة ذكرت له ذلك، فقال: "يا أمّ سلمة لا تؤذوني في عائشة، فإنّه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكنّ غيرها.
ج4/ بخصوص زوجة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (سودة) رضي الله عنها، قال القرطبي في تفسيره نقلاً عن ابن أبي مليكة: إنّ سودة بنت زمعة لمّا أسنّت أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يطلّقها فآثرت الكون معه فقالت له أمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل صلّى الله عليه وسلّم وماتت وهي من أزواجه. انتهى.
أمّا ما ورد أنّ سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها ساعية رضا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد ثبت ـ أيضا ـ عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : "غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم.
أمر آخر: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يتزوّجها أصلا من أجل صغر سنِّها، ولا من أجل الشهوة ، فقد كانت كبيرةً في السنِّ حين تزوّجها، وكلّ نسائه لمَّا تزوّجهنّ كنَّ ثيّبات، وذوات أولاد، إلاّ عائشة رضي الله عنها، فلم يكن نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم صاحب شهوة يبحث عن أبكار وصغيرات ليتزوّجهنّ، ثمّ إن كبرن طلَّقهن، وكلّ من علم شيئا من سيرته وحاله : قطع بذلك، ونزّهه عن إفك الأفّاكين .
إنّ زواج الرسول صلّى الله عليه وسلّم من سودة كان من الأساس زواج رحمة ورأفة لا زواج رغبة فقد كانت في السادسة والستّين من العمر ، وكانت قد أسلمت وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة فرارا من أذى الجاهلين من قريش ومات بعد أن عادا ، وكان أهلها لا يزالون على الشرك فإذا عادت إليهم فتنوها عن دينها فتزوّجها الرسول صلّى الله عليه وسلّم لحمايتها من الفتنة ، ولكن بعد زمن بلغت السيّدة سودة درجة الشيخوخة يصعب معها على الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يعطيها كامل حقوقها فأراد تطليقها رأفة بها كي لا يذرها كالمعلّقة، و لكيلا يأتي الجاهلون في عصرنا ليقولوا أنّ الرسول لم يكن يعدل بين زوجاته، فقالت رضى الله عنها إنّي قد كبرت ولا حاجة بي للرجال ، ولكنّي أريد أن أبعث بين نسائك يوم القيامة، فأنزل الله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيرا).
علّمتنا هذه الآية أنّه إذا خافت المرأة من زوجها نفورا أو إعراضا فلها أن تسقط عنه بعض حقوقها سواء نفقة أو كسوة أو مبيتا ، وله أن يقبل ذلك فلا حرج عليها في بذلها ذلك له ولا حرج عليه في قبوله فراجعها الرسول وكان يحسن إليها كلّ الإحسان.
ولتعلم المسلمات أنّ أحوال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع نسائه لم تكن فقط علاقة زواج وحسب، ولكنّها وسائل ضمن وسائل التشريع، كي يكون هناك موقف ثمّ يكون له من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلم هدي أو يكون بسببه تشريعا للأمّة ..
ج5/ لا شكّ أنّ الحقوق التي يغفل أو يتغافل عنها كثير من الناس، الحقوق المعنويّة للمرآة والتي تراعي مشاعر المرأة وحاجاتها النفسيّة والقلبيّة، وهي الحاجات التي بغيابها تهدم كثير من البيوت العامرة.
وجميع الحقوق المعنويّة أو الأدبيّة التي كفلها الإسلام للمرأة المسلمة في مجال الأسرة مستنبطة من قوله عزّ وجلّ والذى يعتبر هو الأصل والأساس في الحياة الزوجيّةّ قوله تعالى: (وعاشروهنّ بالمعروف)، فالمعاشرة بالمعروف هي عماد قيام البيوت، ودعامة بقائها، وسرّ قوّتها .
وفي تفسير هذه الآية يقول العلاّمة ابن كثير: كان من أخلاقه صلّى الله عليه وسلّم أنّه جميل المعاشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويسعهم نفقة، ويضاحك نساءه... ويجمع نساءه كلّ ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهنّ العشاء في بعض الأحيان، ثمّ تنصرف كلّ واحدة إلى حجرتها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع على كتفه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلّى العشاء يدخل منزله ويسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام: يؤانسهنّ بذلك، وقد قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .
ولو قلّبنا البصر والبصيرة في هذه الآية وتطبيقاتها الواقعيّة في الحياة الزوجيّة لسيّد الخلق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، لعلمنا أنّ هذه الآية هي ملاك الحقوق المعنويّة كلّها وأساسها وأصلها، ويكفي أنّ الله عزّ وجلّ قد شبّه المعاشرة والمعايشة للزوجة بنفس ما شبّه ووصف به القيام على الوالدين ، فقال الله عزّ وجلّ في حقّ الوالدين: (وصاحبهما في الدنيا معروفا)، وقال في حقّ الزوجة: (وعاشروهنّ بالمعروف).
ولكنّها لم تغفل أبدا الحاجات النفسيّة التي لا يكون الإنسان إنسانًا إلاّ بها، كما قال الشاعر قديمًا: فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان.
بل إنّ القرآن الكريم يذكر الزواج باعتباره آية من آيات الله في الكون ونعمة من نعمه تعالى على عباده. فيقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الروم:21)
فتجد الآية الكريمة تجعل أهداف الحياة الزوجيّة أو مقوّماتها هي السكون النفسي والمودّة والرحمة بين الزوجين، فهي كلّها مقوّمات نفسيّة، لا مادّية ولا معنى للحياة الزوجيّة إذا تجرّدت من هذه المعاني وأصبحت مجرّد أجسام متقاربة، وأرواح متباعدة .
ومن هنا يخطئ كثير من الأزواج حين يظنّون أنّ كلّ ما عليهم لأزواجهم نفقة وكسوة ومبيت، ولا شيء وراء ذلك. ناسين أنّ المرأة كما تحتاج إلى الطعام والشراب واللباس وغيرها من مطالب الحياة المادّية، تحتاج مثلها – بل أكثر منها – إلى الكلمة الطيّبة والبسمة المشرقة، واللمسة الحانية والقبلة المؤنسة، والمعاملة الودودة والمداعبة اللطيفة التي تطيب بها النفس ويذهب بها الهمّ وتسعد بها الحياة.
وقد ذكر الإمام الغزالي في حقوق الزوجيّة وآداب المعاشرة جملة منها لا تستقيم حياة الأسرة بدونها، ومن هذه الآداب التي جاء بها القرآن والسنّة :
حسن الخلق مع الزوجة، واحتمال الأذى منها، قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وقال في تعظيم حقّهنّ: (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)، وقال: (َالصَّاحِبِ بِالجَنبِ)، قيل: هي المرأة.
قال الغزالي: واعلم أنّه ليس حسن الخلق معها كفّ الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهنّ يومًا إلى الليل .
وكان يقول لعائشة: ” إنّي لأعرف غضبك من رضاك ! قالت: وكيف تعرفه؟ قال: إذا رضيت قلت: لا، وإله محمّد، وإذا غضبت قلت: لا وإله إبراهيم. قالت: صدقت، إنّما أهجر اسمك" .
ومن هذه الآداب التي ذكرها الغزالي: أن يزيد على احتمال الأذى منها، بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهي التي تطيّب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمزح معهنّ، وينزل إلى درجات عقولهنّ في الأعمال والأخلاق، حتّى روي أنّه كان يسابق عائشة في العدو.
وكان عمر رضي الله عنه مع خشونته يقول: ينبغي أن يكون الرجل في أهله مثل الصبيّ، فإذا التمسوا ما عنده وجدوا رجلا .
وفي تفسير الحديث: ”إنّ الله يبغض الجعظري الجواظ ” قيل: هو الشديد على أهله، المتكبّر في نفسه. وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى: (عتلّ) قيل: هو فظّ اللسان، غليظ القلب على أهله .
والمثل الأعلى في ذلك كلّه هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فرغم همومه الكبيرة ومشاغله الجمّة في نشر الدعوة وإقامة الدين، رغم هذا كلّه لم يغفل حقّ زوجاته عليه، ولم ينسه الجانب الربّاني فيه، الجانب الإنساني فيهنّ، من تغذية العواطف والمشاعر التي لا يغني عنها تغذية البطون، وكسوة الأبدان.
يقول الإمام ابن القيّم في بيان هديه صلّى الله عليه وسلّم مع أزواجه: “كانت سيرته مع أزواجه: حسن المعاشرة، وحسن الخلق، وكان يسرّب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. وكانت إذا هويت شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه موضع فمها وشرب وكان إذا عرقت عرقًا – وهو العظم الذي عليه لحم – أخذه فوضع فمه موضع فمها ”.
” وكان يتّكئ في حجرها، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها. وربّما كانت حائضًا. وكان يأمرها وهي حائض فتتّزر، وكان يقبّلها وهو صائم .
“وكان من لطفه وحسن خلقه أنّه يمكّنها من اللعب ويريها الحبشة، وهم يلعبون في مسجده، وهي متّكئة على منكبيه تنظر وسابقها في السير على الأقدام مرّتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرّة .
وكان يقول :" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ".
” وكان إذا صلّى العصر دار على نسائه، فدنا منهنّ واستقرأ أحوالهنّ . فإذا جاء الليل انقلب إلى صاحبة النوبة خصّها بالليل. وقالت عائشة: " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يفضّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قلّ يوم إلاّ وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلّ امرأة من غير مسيس ، حتّى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها"
وإذا تأمّلنا ما نقلناه هنا من هديه صلّى الله عليه وسلّم في معاملة نسائه، نجد أنّه كان يهتمّ بهنّ جميعا، ويسأل عنهنّ جميعًا، ويدنو منهنّ جميعا، ولكنّه كان يخصّ عائشة بشيء زائد من الاهتمام، ولم يكن ذلك عبثًا ولا محاباة، بل رعاية لبكارتها، وحداثة سنّها، فقد تزوّجها بكرًا صغيرة لم تعرف رجلاً غيره عليه السلام.
وحاجة مثل هذه الفتاة ومطالبها من الرجل أكبر حتما من حاجة المرأة الثيّب الكبيرة المجرّبة منه. ولا أعني بالحاجة هنا مجرّد النفقة أو الكسوة أو حتّى الصلة الجنسيّة، بل حاجة النفس والمشاعر أهمّ وأعمق من ذلك كلّه.
ولا غرو أن رأينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينتبه إلى ذلك الجانب ويعطيه حقّه، ولا يغفل عنه، في زحمة أعبائه الضخمة، نحو سياسة الدعوة وتكوين الأمّة وإقامة الدولة. ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ”
والله أعلم.



زيارات الإستشارة:3432 | استشارات المستشار: 1527


استشارات محببة

حماتي سوف تطلّقني من ابنها!
الاستشارات الاجتماعية

حماتي سوف تطلّقني من ابنها!

السلام عليكم ورحمة الله
حكايتي غريبة نوعا ما ولكنّي أتمنّى...

هدى محمد نبيه1631
المزيد

نظرته متفتّحة جدّا أي كما تمنّيت يوماً !
الاستشارات الاجتماعية

نظرته متفتّحة جدّا أي كما تمنّيت يوماً !

السلام عليكم ورحمة الله
أنا فتاة في السنة النهائيّة من الثانويّة...

د.مبروك بهي الدين رمضان1631
المزيد

يريد أن يعيش معي فقط بشكل صوريّ من أجل ابنتنا !
الاستشارات الاجتماعية

يريد أن يعيش معي فقط بشكل صوريّ من أجل ابنتنا !

السلام عليكم ورحمة الله
قصّتي طويلة وهذا آخر باب أطرقه لأنّي...

أماني محمد أحمد داود1631
المزيد

هل أكون مع (الناس ماذا يقولون) أم مع راحتي النفسية?
الاستشارات الاجتماعية

هل أكون مع (الناس ماذا يقولون) أم مع راحتي النفسية?

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا فتاة بعمر الـ19 عاما،...

طالب عبدالكريم بن طالب1632
المزيد

هل آثم إذا لم  أصطحبهما معي إلى أهلي ؟!
الأسئلة الشرعية

هل آثم إذا لم أصطحبهما معي إلى أهلي ؟!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أريد من شيخ أن يجيب لأنّي أتخبّط...

د.مبروك بهي الدين رمضان1632
المزيد

أريد أن أحبّب طفلتي إليّ وتكفّ عن التهرّب منّي!
الإستشارات التربوية

أريد أن أحبّب طفلتي إليّ وتكفّ عن التهرّب منّي!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا متزوّجة وعندي طفلة عمرها...

د.عبد المحسن بن سيف بن إبراهيم السيف1632
المزيد

هذه المادّة ما زلت لا أفقه فيها شيئا!
الإستشارات التربوية

هذه المادّة ما زلت لا أفقه فيها شيئا!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أنا أحمد.. عندي 18سنة بالصفّ...

د.عبد المحسن بن سيف بن إبراهيم السيف1632
المزيد

ما حكم تكبير الصدر في هذه الحالة ؟
الأسئلة الشرعية

ما حكم تكبير الصدر في هذه الحالة ؟

السلام عليكم أعاني من صغر في الثدي بشكل ملحوظ إلى درجة أنّه...

د.بدر بن ناصر بن بدر البدر1632
المزيد

لا أستطيع ولا أملك مبلغا لمساعدتها وحياتها في خطر!
الاستشارات الاجتماعية

لا أستطيع ولا أملك مبلغا لمساعدتها وحياتها في خطر!

السلام عليكم ..
مرحبا أرجو الردّ فورا فأنا في حيرة من أمري...

فدوى بنت عبد الله بن عمير الخريجي1632
المزيد

زوجي لا يريدني أن أزور أهله!
الاستشارات الاجتماعية

زوجي لا يريدني أن أزور أهله!

بِسْم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
...

د.محمد سعيد دباس1632
المزيد