x
26 - ذو القعدة - 1431 هـ:: 02 - نوفمبر - 2010

مجرد هذا التفكير يقتل كل شيء جميل في حياتي !

السائلة:سارة
الإستشارة
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
الصراحة عندي موضوع عاجل و مهم - على الأقل بالنسبة لي - وأرجو ألا يتأخر الرد
السالفة من أولها:" أنا طالبة في سنة ثانية كلية في أحد أيام الأسبوع الماضي أو الذي قبله المهم كان عندنا المحاضرة الأولى دكتورة تدرسنا مادة (pharmaceutics) وأخذتنا المحاضرة التي بعدها كي تعوض لأنها كانت غائبة المهم كل محاضرة ساعة وأصلاً مادتها من المواد السهلة وما تحتاج شرح مكثف أو جهد وهي أصلاً تستخدم الحاسوب وتعرض المادة على الشاشة (data show) ونحن عندنا الملحوظات مطبوعة وهي تقرأ من الشاشة وتعلق على النقاط  والمواضيع ونحن نتابع معها المهم كانوا تقريباً ساعتين من الملل والثقل علي وعلى أغلب الطالبات إذا ما كانوا كلهم ومشكلتي تتمثل في آخر المحاضرة في آخر عشر دقائق تقريباً أتمنى لو أقدر أرجع الزمن وما أتصرف التصرف الغبي الذي فعلته،  الدكتورة يمكن كي تكسر الملل الذي كنا فيه قالت لنا آخر دقائق أقول لكم شيئا حلو وحانت الدقائق الأخيرة فخرجت عن موضوع المحاضرة تماماً وبدأت تتكلم بشكل ديني لكن الحق يقال مستواها وأداءها كان ضعيفا للغاية على الأقل في نظري ( يمكن لأني متعودة على محاضرات من دكاترة ومشايخ أرقى بكثير أمثال " المغامسي،عبد الرحمن السديس، عبد الرحمن العريفي، نبيل العوضي، إبراهيم الدويش، خالد المصلح، عبد الوهاب الطريري، سعد الشثري، خالد الجبير، عبد الكريم بكار، مشاري الخراز، وعبد المحسن الأحمد وغيرهم أصلاً ما في مقارنة أقوى في الأسلوب والمضمون والطريقة و كل شيء ) وكانت متحمسة بشكل كبير وتتكلم بحماس واندفاع وتتحرك يمينا يسارا وترفع صوتها كانت تذكر بعض الآيات خطأ وكان موضوعها مشتت للغاية مرة تقول أنتم لازم تحددوا هدفا ومرة تذكر أهمية حمد الله ومرة أهمية القرآن ومرة ومرة ... وتضرب أمثلة غريبة وتنتقل بأعجوبة من فكرة لفكرة بدون ترابط. يعني أنا من الأخير ما ارتحت ( يعني إذا كان موضوع بعيد عن الدين وكانت تتكلم بشكل غير مقبول بالنسبة لي من ناحية المضمون والأسلوب والجودة عادي ممكن أتغاضى وأتحمل لكن إذا كان هذا في أمر ديني يتعلق بالدين ما أتحمل ما أقدر أقعد وهذا طبعي حتى لو كنت لحالي وكنت أشاهد التلفزيون أو أسمع الراديو أو قاعدة على الإنترنت أو أتصفح  مجلة أو جريدة ومر علي موضوع  ديني وكان صاحب الموضوع يعرض بضاعته بأسلوب منفر أو هزيل أو مليء بالمغالطات والأحاديث الضعيفة والموضوعة ما أتحمل يا أنكر يا أني أتوقف عن المتابعة وبشيء من الانزعاج والقهر وأحياناً أدعو لهم بظهر الغيب أن يهديهم الله )
المهم هممت بالخروج ويا ليتني فعلت، قلت هي دقائق وستخرج الدكتورة وأرتاح وأصلاً أنا ما أحب أطلع من المحاضرات بوجود الدكتور مثل بعض البنات أشوفها غير مناسبة واحترام إذا ما كان في شيء ضروري لكن الذي فعلته بعد ذلك هو أفظع وأكثر قلة أدب وجرأة كلما تذكرته اسودت الدنيا في وجهي وضاق صدري الشيء الذي فعلته هو : لما كانت الدكتورة تتكلم وتتكلم ومندمجة  في الحديث ومتحمسة ذكرت مثال حسيته سخيف وغالبت ضحكتي وحاولت أن أبدو طبيعية وهي أصلا من أول ما بدأت تتكلم وأنا تجيبني الضحكة كل شوي والأسوأ أن نظراتي الضاحكة وقعت على نظر إحدى الطالبات التي كانت هي الأخرى ذات نظرات ضاحكة تكرر ذلك مرتين أو ثلاثة كلما ذكرت الدكتورة شيئاً أحس أنه سخيف ومضحك ( سخيف ومضحك بأسلوبها هي و ليس بمضمون الشيء وفكرته الأساسية التي هي واضحة عندي قبل أن تذكرها هي ) بالنسبة لي أنا متأكدة من أن الدكتورة لم تنتبه لي ولم تلاحظ علي شيء بالعكس كنت أحاول أن أبدو مهتمة كلما حولت نظرها إلى جهة القاعة حيث كنت جالسة أما بالنسبة لتلك الطالبة فما لبثت أن لاحظتها الأستاذة ووبختها بشدة علماً أن هذه الطالبة_ يعني ما أعرف كيف أقول لكن هو مجرد وصف لظاهرها وليس حكم عليه لأن الله هو يعلم ما في القلوب_ ظاهرها يوحي بأن تدينها ضعيف – وفي ظاهرها غير ملتزمة - أنا كنت أضحك على الأسلوب والجودة ليس على الأفكار والمبادئ بحد ذاتها وهي ما أعرف على أي كانت تضحك بالضبط يعني ما أعرف قصدها لكن أتذكر أن الدكتورة لما خلصت كلام طلبت من هذه الطالبة أن تلحقها إلى المكتب ،وهي طالعة سمعت البنت تقول لوحدة من البنات :" شو أقول لها الحين ؟ إني كنت أضحك على غبائك؟" وتقصد الدكتورة (باختصار يعني) :أخاف أن البنت التي تبادلت أنا وإياها الضحكات أثناء المحاضرة تكون متعمدة أو تستهزئ فعلاً وأنا شاركتها الابتسامة!
مشكلتي الآن بل مصيبتي : أنني متضايقة من نفسي وتسود الدنيا في وجهي عندما أتذكر آيات سورة التوبة ( قل أبالله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم ) أنا أكتب هذه الكلمات و عيناي تدمعان ، لم أتخيل نفسي يوماً هكذا ما أقدر أكتب هذا السؤال و لا أقدر أنقر أحرفه (هل بهذا التصرف أكون دخلت دائرة الكفر ) يشهد الله و هو الذي خلقني ويعلم ما في نفسي أني ما ضحكت  لا ابتسمت تلك الابتسامات الغبية السخيفة استهزاء بشرعه أو استهزاء بتعاليم الدين أو بالأمور التي كانت تتطرق لها الدكتورة سامحها الله أنا ما كان يعجبني أسلوبها وطريقتها لكن هل هذا مسوغ سليم وما الحل أحس أني ما أقدر ألتمس لنفسي أي عذر لما أقرأ الآية 65 و 66من سورة التوبة أحسها تكلمني أنا كلمات الآية قوية والوعيد فيها مؤلم أحس أني أخطأت خطأ عمري وما في شيء أكبر من الذي فعلته إلا الكفر والشرك الصريح
 حتى الزنا و الربا و شرب الخمر أهون خصوصاً لما سمعت عن مناسبة نزول الآيات و كيف أن الصحابي وهو صاحبي كان يتعلق بناقة الرسول صلى الله  عليه وسلم لما سمع هذي الآيات وقد كان هو أحد أطراف المشكلة والرسول صامت لا يرد عليه ويمضي بناقته وقدما الصحابي تخطان في الأرض (هذا و هو صحابي كيف أنا ) من جد مرات أحس لما أتذكر موقفي الأحمق صار رصيدي عند ربي  صفر، لما أتذكر قول الله في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي أتوقف وأحاول أطرد هذا الإحساس
قد يبدو من كلامي أني يائسة لكني لست كذلك أنا على علم ودراية أن الله تواب رحيم غفور يفرح بتوبة العبد ويقبلها ما لم يغرغر وأنه يبدل السيئات حسنات ومن هذا الكلام لكن ما سر قوله تعالى في الآية 66 من سورة التوبة (لا تعتذروا )
أعلم أن القرآن مليء بالآيات التي تبين رحمة الله لكنه في المقبل يتضمن آيات تبين شدة غضب الله و بطشه إذا غضب ( ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) كيف أخرج من شعور أن الله قد يكون غضب علي في تلك اللحظة مجرد هذا التفكير يقتل كل شيء جميل في حياتي كيف لا والله يقول ( فقد هوى ) و"قد" دخلت على فعل ماض وغرضها التأكيد يعني ما في مجال
أحس أن خطأي كان غير مقصود ( يمكن من فرط غيرتي على الدين و على أن يعرض بتلك الطريقة بالغت وأخطأت التصرف بتلك الضحكة الكريهة ) لكن ما المخرج حينما يذكر الله تعالى ( ...إنما كنا نخوض و نلعب ...)
وما هي الأمور التي تجعل المسلم يدخل نطاق الكفر وينسلخ من إيمانه وهل مجرد الإقدام على أحد منها يحبط أعمال العبد وعليه أن يبدأ من الصفر وهل إذا فعلها وهو يعلم أنه مخطئ ويحترق لأن قدمه زلت ولم يضبط نفسه يجعله كافراً حتى لو كانت عقيدته لا تزال سليمة من توحيد صادق وإيمان جازم يتبعه عمل من صلاة وصيام وغيره  ؟
و إذا كانت الإجابة نعم
كيف يوفق بين هذا و بين أنه يحصل له اقشعرار الجلد وذروف العين عند سماع القرآن وهي علامات ذكرها الله في كتابه وخصها للمؤمنين ؟
أريد تفسير واضح يقضي على تساؤلاتي بخصوص الآيات 66 و 65 من سورة التوبة ؟
أرجو مراعاة خطورة الأمر _على الأقل بالنسبة لي _وسرعة الإجابة
كما أرجو ممن يجيب أن ألا يكون رده عاماً فقط، أقصد أريد أن يتطرق للأسئلة ذكرتها ويتناول إجابتها مشكوراً
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
الإجابة
الطالبة العزيزة والفاضلة سارة...
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته...وبعد
الدكتورة الفاضلة معلمتكم أسأل الله تعالى أن يغفر لها لقد عرضَّت نفسها لأمر لا تطيقه، فمسألة نصح الناس ومنهم المتعلمات وتوجيهن للخير والتمسك بالدين يُشترط له العلم الشرعي على الأقل الحد الأدنى منه، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُبَّلغ عنه ولو آية ، والبلاغ عنه صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون صحيحاً لأن الكذب عنه كبيرة من كبائر الذنوب قال صلى الله عليه وسلم :( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) فأي مسلم ومسلمة لديهم حب نصح الناس وتوجيههم يجب ألاَّ ينصح إلا بمشروع ومفهوم من القرآن الكريم والحديث الشريف حتى لا يتحول نصحه وتوجيهه إلى فتنة تضر الناس ولا تنفعهم، وما حدث من الدكتورة الفاضلة وبناءً على وصفك أختي سارة ( فخرجت عن موضوع المحاضرة تماماً  وبدت تتكلم بشكل ديني لكن الحق يقال مستواها وأداءها كان ضعيفا للغاية على الأقل في نظري ... )
فلا يصح لها ما فعلت، حاولت أن تُغّير لتدخل الفرح والسرور عليكن وهي مأجورة بإذن الله تعالى على نيتها الطيبة لكن أن تتكلم في أمور الدَّين وهي غير متمكنة وبضاعتها من العلم الشرعي قليلة ،فهذا أمر منكر شرعاً يُحتسب عليها فيه ، فتُنصح برفق ولين ممن كان في درجتها العلمية ، ورأيِ يا سارة أن التصرف الحكيم عندما حصل ما حصل_ وإذا تكرر الأمر وهو قيام امرأة غير مؤهلة للتوجيه والنصح – أن تبحثِ عن دكتورة تخصصها شرعي ومتدينة فعلاً كي توجه لها نصح رقيق لين، بأنه لا يجوز للمسلم و المسلمة نصح الناس على جهل وقلة معرفة، لأن المسألة دين ومقام الشريعة يجب أن يكون مهاب الجانب، وحتى لا تكثر الأخطاء في حياة المسلمين فيختلط عليهم ويتلبس عليهم معرفة الحق من الباطل.
الأمر الآخر في الرسالة الضحك والهمز واللمز الذي صدر منك وسأجيب عن أسئلتك التي أوردتها.
س1: ما تفسير آية 65و66 من سورة التوبة ؟
أختي الحبيبة سارة لقد فهمت تفسير الآيتين فهماً غير صحيح وفيه خلط وتشويش ،وبنيتِ على الفهم الخطأ والتفسير المغلوط حكم شرعي وهو أنكِ حكمتِ على نفسك بالكفر ، وتصورتِ أن الدين فيه تناقض كيف تكونِ كافرة وقلبي  متعلق بحب الله ورسوله ودينه ،وأيضاً يا سارة الأمر ليس متعلق بآيتين من سورة التوبة بل بعدد من الآيات القرآنية التي أوردتها في معرض رسالتك ، ولذلك أرجوا أن تتقبلِ نصحي لكِ ،لقد أعبْتِ وضحكتِ على الدكتورة لأنها غير متمكنة وغير مطلعة ومُلمة بالعلم الشرعي، أرجوا ألاَّ تغضبِ أنت كذلك ،خلطتِ المفاهيم الشرعية خلطاً عجيباً جدا سببه عدم الفهم الصحيح لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم .
أنقل لك تفسير فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى لآيتين التوبة جزء1/ص342
({ 64 - 66 } { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } .
كانت هذه السورة الكريمة تسمى "الفاضحة" لأنها بينت أسرار المنافقين، وهتكت أستارهم، فما زال الله يقول: ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين: إحداهما: أن الله ستير يحب الستر على عباده.
والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب، حتى خافوا غاية الخوف.
قال الله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا }
وقال هنا { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } أي تخبرهم وتفضحهم وتبين أسرارهم حتى تكون علانية لعباده ويكونوا عبرة للمعتبرين.
{ قل استهزئوا } أي استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية { إن الله مخرج ما تحذرون } وقد وفى تعالى بوعده فأنزل هذه السورة التي بينَّتهم وفضحتهم وهتكت أستارهم.
{ ولئن سألتهم } عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم يقول طائفة منهم في غزوة تبوك "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- أرغب بطونا وأكذب ألسنا وأجبن عند اللقاء" ونحو ذلك
ولما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بكلامهم جاءوا يعتذرون إليه ويقولون { إنما كنا نخوض ونلعب } أي نتكلم بكلام لا قصد لنا به ولا قصدنا الطعن والعيب
قال الله تعالى -مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك- { قل } لهم { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم [ ص 343 ] دينه ورسله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة
ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة والرسول لا يزيدهم على قوله { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم }
وقوله { إن نعف عن طائفة منكم } لتوبتهم واستغفارهم وندمهم { نعذب طائفة } منكم { بأنهم } بسبب أنهم { كانوا مجرمين } مقيمين على كفرهم ونفاقهم
وفي هذه الآيات دليل على أن من أسَّر سريرة خصوصا السريرة التي يمكر فيها بدينه ويستهزئ به وبآياته ورسوله فإن الله تعالى يظهرها ويفضح صاحبها ويعاقبه أشد العقوبة.
وأن من استهزأ بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله الثابتة عنه أو سخر بذلك أو تنقصه أو استهزأ بالرسول أو تنقصه فإنه كافر بالله العظيم وأن التوبة مقبولة من كل ذنب وإن كان عظيما) انتهى تفسيره رحمه الله .
وجاء في تفسير ابن كثير رحمه الله جزء4/ص174 ما يلي :
( ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة "الفاضحة"، فاضحة المنافقين.
{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) }
قال أبو معشر المديني (3) عن محمد بن كعب القُرَظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرُفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } إلى قوله: { مجرمين } وإن رجليه لتنسفان (4) الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس (5) ما رأيت مثل قُرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبتَ، ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقا بحَقَب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تَنكُبُه (6) الحجارة (7) وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } .
وقد رواه الليث، عن هشام بن سعد، بنحو من هذا (8)
وقال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وَديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد، من بني عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مُخَشّن (9) بن حُميّر يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جِلادَ بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مُقَرّنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين، فقال مُخَشّن (10)
بن حُمَيّر: والله لوددتُ أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإما نَنْفَلتُ أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني -لعمار بن ياسر: "أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا". فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقَبها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، [فأنزل الله، عز وجل: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } ] (1) فقال مُخَشّن (2) بن حُمّير: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مُخَشّن (3) بن حُمّير، فتسمى (4) عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل (5) شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر (6)
وقال قتادة: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } قال: فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها. هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: "عَليَّ بهؤلاء النفر". فدعاهم، فقال: "قلتم كذا وكذا". فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب.
وقال عِكْرِمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم، إني أسمع آية أنا أعنَى بها، تقشعر منها الجلود، وتجيب منها القلوب، اللهم، فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسّلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره (7)
وقوله: { لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به { إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً } أي: لا يُعْفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم، { بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } أي: مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.) انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.
الحبيبة سارة هل قرأت التفسير السابق للآيتين كلاهما صادر من علمين من أعلام التفسير ، وكلاهما قالا إنّ الآيات كانت في المنافقين الذين توعد الله تعالى في فضحهم ، لأن نفاقهم من النفاق الأكبر الذي هو في صلب الاعتقاد وأصحابه في الدرك الأسفل من النار ، وهو يختلف عن النفاق الأصغر وهو النفاق السلوكي ،كالكذب في الحديث وإخلاف الوعد ، وقد جاء في رسالتك أن الذي قام بفعل الاستهزاء هم من الصحابة وهذا محال في حق خيرة الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهم أصحابه ، إنما هم جماعة من المنافقين يبطنون في قلوبهم غير ما يُظهرون ،وقد فضحهم الله تعالى بسورة التوبة ، فضح أخلاقهم وأعمالهم ، وجاء التحذير للمسلمين من بعدهم على أن يتصفوا بهم.
س2: ما هي الأمور التي تجعل المسلم يدخل نطاق الكفر وينسلخ من إيمانه ؟
الأمور متنوعة بحسب السلوك الصادر من المسلم لكن من أبرزها نواقض الإسلام العشرة .
س3: وهل إذا فعلها وهو يعلم أنه مخطئ ويحترق لأن قدمه زلت ولم يضبط نفسه يجعله كافراً حتى لو كانت عقيدته سليمة؟
إذا أخطأ المسلم في أمر كبير في الدين كأن يكون فعل كفري مثل الاستهزاء بالدين وأهله ،وكان خطأه عن جهل وقلة علم ، فلا يُحكم عليه بالكفر إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفعت الموانع ،وهي مسائل يختص بها علماء الشريعة ، فتكفير المعين مسألة خطيرة يحكم بها أهل الحل والعقد من علماء الشريعة.
س4: كيف يوفق بين هذا وبين أن يحصل له اقشعرار بالجلد و ذرف العين عند سماع القرآن و هي علامات ذكرها الله في كتابه و خصها للمؤمنين ؟
الأسئلة الأربعة كلها مرتبط بعضها ببعض وهي تتعلق بعلم التوحيد والإيمان والاعتقاد وهي في باب " حكم الاستهزاء بالدين ،حكم الاستهزاء بأهل الدين ، الكفر وأحكامه ، وهل الفعل الكفري يستوجب تكفير صاحبه مباشرة ،وهذه المسألة أشكلت عليك ، أختي الفاضلة الإسلام يُفرق بين فعل الكفر وفاعله ، فقد يصدر من مسلم فعل كفري مثل الاستهزاء بشعائر الدين كالصلاة والزكاة والحج وباقي أحكام الشريعة كلها فما الحكم الشرعي ؟ فعله فعل كفري
أما هو فهل يكفر بما فعل ؟ هذه مسألة شرعية تُعرف بتكفير المعين ، هل يصح لي أنا فاطمة أقول عن سارة إنها كافرة؟ لا يجوز فعل ذلك وقوله ،بل هو من المحرمات أن نتجرأ على المسلمين ونكفرهم وهي مسألة خطيرة جداً ، لأن من شروط الحكم بالتكفير على أحدٍ من الناس توفر الشروط وانتفاء الموانع وهذا لا يقوم به ويصدر عنه إلا أهل العلم والخشية من العلماء المحتسبين الصادقين ، فلا يصح أن يتكلم كل إنسان في عقائد الناس ويحكم عليهم بالكفر وغيره
وقد حكمت على نفسك يا سارة بالكفر ورتبتِ على هذا الحكم تصورات كثيرة خاطئة سببت لك القلق والألم والحيرة
وكل ذلك سببه الجهل وقلة الزاد من العلم الشرعي.
التصرف الذي قمتِ به من الضحك على الدكتورة لا يدخل أبداً في باب الاستهزاء بالدين أو أهله ، أنتِ ضحكت من المعلومات الغريبة والعجيبة وضعف الأسلوب وتشتت الأفكار الذي صدر من معلمتك ،وهي غفر الله لها دفعتكم إلى هذا الضحك بطريق مباشر ، وأنتِ لم تجاهري بالضحك بل حاولتِ تغطيته ،وفلت منك همز ولمز لإحدى الطالبات ضحكت مثلما ضحكت على نفس السبب ، فأرجوا ألاَّ يكون الأمر كما هولتِ وضخمتِ ، إنما يدخل تصرفك في باب ضعف الاحترام لمعلمتك الدكتورة ،ولذلك عاقبت تلك الطالبة بدعوتها لغرفة الإدارة .
بعض الناس من المسلمين يكونون سببا لسخرية الناس منهم والضحك عليهم لما يقومون به من أفعال تدفع إلى الضحك لكن مقامك يا سارة مقام طالبة علم عليها آداب ينبغي الالتزام بها ورعايتها ومنها توقير المعلم واحترامه حتى لو بدر منه ما يدعوا إلى الضحك ، ثم بعد الدرس والمحاضرة يُكتب لها في ورقة مجهولة الاسم أنكِ أخطأتِ في كذا وكذا شرط أن تكونِ متأكدة أنَّ ما فعلته هو خطأ فعلاً.
عزيزتي أنتِ متدينة ويظهر من كلامك حب الله تعالى وحب رسوله فلا يليق بك أن تكون بضاعتك وزادك قليل من فهم القرآن الكريم والحديث الشريف أحيلك إلى موقع صيد الفوائد ابحثي عن كيفية طلب العلم وبما يبدأ طالب العلم وما هي الكتب التي بيد أبها ؟ أما موضوع الاستهزاء بالدين وأهله وأحكام الكفر والنفاق وتكفير المعين ونواقض الإسلام فأحيلك إلى موقع فضيلة الشيخ بن باز وابن عثيمين وأكتبِ في خانة البحث حكم الاستهزاء بالدين وأهله وباقي الموضوعات الأخرى، وكذلك موقع الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة فإنها سهلة وميسرة الفهم.
أرجوا أن أكون وُفقت لإزالة قلقك وتوترك وطمأنت فؤادك ،فأنت مؤمنة رزقك الله تعالى تعظيم دينه والغيرة عليه والخشية من عذابه مع حب وتعلق به جل جلاله.
أسأل الله تعالى أن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح ويزيدك تقوى وإيمان ترتقي به في مراتب الصالحات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
زيارات الإستشارة:4302 | استشارات المستشار: 126
فهرس الإستشارات