الاستشارات الاجتماعية » قضايا الخطبة


08 - شعبان - 1428 هـ:: 21 - أغسطس - 2007

يطاردني الخوف من عقاب الله!


السائلة:م ع ج

الإستشارة:مبروك بهي الدين رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم 
خائف من عقاب الله لي ساعدوووووني وانصحوووووني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  لجأت إليكم بعد الله ولا أعرف ما هو الحل وكيفية التوبة إلى الله عز وجل قصتي هي كالآتي:
أحببت فتاة منذ ما يقرب من 6 سنوات، ومن يوم ما أحببتها وعاهدت نفسي أن أتقدم إليها لخطبتها ومن ثم الزواج أي أنني كنت لا أتلاعب بها، وأيضا من صدق نفسي لم أخبر أحدا من أقرب الأقربين "أصدقائي" إلي أنني أحبها كي أحافظ عليها، وأحافظ على هذا الحب.
 وعلى فكرة هي تجاهلتني لفترة كبيرة عندما كنت ألاحقها بنظراتي ولكن بعد فترة استمعت إلي وأخبرتها عما كان بداخلي لها من حب وخير، و بعدها بادلتني كل الحب وكان كل ما بيننا اتصالات نطمئن على بعض، وظلت هذه العلاقة لمدة خمس سنوات من الحب الذي لا يظله أي رابط شرعي.  والحمد لله قمت الآن بخطبتها عندما تحسنت حالتي المادية.
 المشكلة هي: ضميري يؤنبني على الفترة الماضية حيث أنني أشعر بأن الله سوف يعاقبني وسيكون الجزاء من جنس العمل،  فأشعر كثيرا أنني مثل ما خنت أهلها وكنت أتصل بها وأكلمها أشعر أنه سوف يأتي اليوم الذي سوف أتجرع من نفس الكأس مع أحد ممن يقرب لي.
 وأشعر كثيرا أنها هي التي سوف (تخونني) هكذا ممكن مع أحد، رغم حبها الشديد لي وحبي الشديد لها إلا أنني أشعر بشيء مثل هذا العقاب سوف أعاني بل أقاسي منه على أنني كنت معها خلال فترة حبنا كنت أحافظ عليها، وكنت أطلب منها العبادة لله وقراءة القرآن إلا أنني أشعر أنني كنت كاذبا فكيف كنت أطلب منها هذه الأشياء وفي نفس الوقت كنا ما نفعله كانت علاقة آثمة وخطأ لا أعرف ماذا أفعل رغم أنني لم ألمس يدها خلال فترة حبنا أنا خائف جدا من عقاب الله لي فماذا أفعل؟


الإجابة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  أما بعد:
أسأل الله تعالى أن يوفقك للوصول إلى أمثل الحلول لهذه المشكلة، أو الحصول على الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلة، ونسأله تعالى أن يوفقنا للهدى، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ونسأله سبحانه أن يرينا الباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه.
المقدمة:
أشكرك على أمرين: الأول: على ثقتك في الموقع (لها أون لاين)، وثقتك في القائمين عليه، وشكرك لهم من البداية.
 ثانيا: استشاراتك وبحثك عن تحري الحق والتمييز بين الحرام والحلال، وأيضا اعترافك أنك نادم على فعل ما وقعت فيه من ذنب أو معصية، أو أنك واقع في مشكلة، وتعتقد أنها صعبة، وبإذن الله تعالى ستنتهي هذه المشكلة على خير، وهذا التساهل الذي وقع منك له أسباب سأوضحها بعد قليل، ولكن نحن في علاج مشكلة ما ترتب على استيقاظ ضميرك، وخوفك من الله تعالى وندمك على ما سبق وتوبتك، وكأنك تستفهم عن كيفية قبول التوبة مع عظم الذنب، والتوبة تبدأ بشعورك بتأنيب الضمير، وخوفك من العقاب الدنيوي قبل الأخروي.
وسنتناول في مشكلتك أيضا موضوع التساهل الذي وقع منكم، وسنذكر بعض أسبابه مع الإشارة لبعض الأحكام الخاصة بالمخطوبين، وموضوع التعلق الشاب بفتاة قبل الزواج، أو مسألة الحب قبل الارتباط، وكل هذا لأن هذه الأمور هي سبب مهم من أسباب المشكلة. ثم سوف نطرح عليك أجوبة لهذه الأسئلة المطروحة أو غيرها، وبإذن الله سوف نوضح الخطوات العملية والمتعلقة بسؤالك الرئيس ونسأل الله تعالى السداد والتوفيق.
أولا: التعرف على طرق الثبات:
أما مشكلتك _أي إقامة علاقة حب مع من ستتزوج بها مستقبلا_  تقابل كثير من الشباب، ولكن لا يستيقظ ولا يشعر بالذنب إلا القليل وأنت منهم، وقد أحسنت عرض الموضوع أثناء ذكرك للمشكلة وذكرت التفاصيل المهمة، ولكن لي ملحوظة سأذكرها بعد أن أشكرك لأنك على استعداد لتقبل الحلول، أو العمل بالنصائح و التوجيهات أو يمكن أن نسميها الخطوات العملية التي سوف أعرضها عليك وأرجو أن تكون للتطبيق والتنفيذ والعمل، وليس كلاما فقط، وهذه الخطوات تحتاج للصبر والتدريب، وسوف أكون صريحا معك أن المشكلات عموما لا تحل بغير ذلك.
أما الملحوظة لأنك لم تذكر لنا كيف تحولت في موقفك، و كنا نود أن نتعرف على كيفية حدوث التغيير في حياتك، وما المواقف التي تسببت في تحولك، أو كيف مَنَ الله تعالى عليك بالتوبة والندم، ومتى استيقظ ضميرك، وما سبب هذا التحول الكبير، ونرجو أن يثبتك الله تعالى على الاستقامة، وتستمر في طريق الطاعة، وألا يكون ذلك التحول صيحة ضمير مؤقتة، وهذا احتمال، ونرجو منك أن تتعرف على الخطوات العملية لملازمة التقوى وعدم التقهقر أو التراجع والرجوع لما فات، و علينا جميعا أن نسأل الله تعالى الثبات على طريق الاستقامة، وأن نتعلق بالأمور التي تقربنا إلى الله تعالى، وأن نتعلم الخطوات التي تثبتنا على طريق الاستقامة، وهي خطوات مجاهدة النفس وتقوية الإرادة للتمسك بالطاعات والتنافس في الخيرات، وهجر المعاصي، وتعلم البعد عنها، ويمكنك التوسع في اتباع هذه الخطوات بالرجوع للاستشارة منشورة في هذا الموقع لها أون لاين ضمن استشاراتي تحت عنوان: سكن خيالي هل هذا حب؟   .
ويوجد احتمال آخر أن تكون من البداية من المستقيمين وتعرف أن ما ارتكبته معصية، وتعلم جيدا عن حكم إقامة علاقة بين شاب وفتاة في إطار خارج الزواج، ولكنك تساهلت، ووقع منك التفريط لعدم ضياع ما اختاره قلبك، فمشيت خلف قلبك، واتبعك هواك، و بعد حدوث الارتباط بمن أحببت ندمت واستيقظ ضميرك ورجعت وتبت.
ثانيا: الحرص على تحري الحلال والحرام:
 أشكرك على حرصك الطيب في تحري الحلال والحرام، كما أشكرك على همتك العالية واستيقاظ ضميرك، وهذا الأصل في المسلم المستقيم أنه يحاسب نفسه بانتظام، وإذا وجد خيرا حمد الله تعالى وجدد النية واحتسب الأجر، وإذا وجد غير ذلك فليستعتب وليستغفر، و ليتب ويندم و يعزم على عدم العودة للمعصية مرة أخرى، ويتأكد أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، ويقبلها منه إذا كانت نصوحا، وحتى إذا عاد وأذنب فباب التوبة مفتوح.
لكن ما سبب ما وقعت فيه من حيرة أو تسائل؟ هل فقط بسبب شعورك بالذنب الذي اقترفته، وتوبتك منه فهذا شيء جميل، أو لأن ضميرك استيقظ؟ فهذا أمر مستحب، ونسأل الله تعالى لنا و لك الثبات حتى الممات، أم السبب الحقيقي هو خوفك من رد الدين، أو الرهبة أن ينال منك أي أحد، ويخونك في أهلك، فهذا الأمر سأتناوله في الفقرة الخامسة.
ثالثا: أهنئك على توبتك وندمك:
قبل أن أستمر في خطوات الحل لا بد من تهنئتك بالتوبة، فهي الحبيبة إلى الله تعالى، والله عز وجل يفرح بتوبة عبده، وهيسبب لنيل محبة الله عز وجل: كما قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْـمُتَطَهِّرِينَ} البقرة: 222؛ إذ في التوبة تقرب من الله تعالى بالإقدام على الطاعة واجتناب المعصية، وهي أيضا: سبب للفلاح في الدنيا والآخرة: كما قال الله عز وجل: {وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } النور: 31،  و والتوبة: سبب لتكفير السيئات ودخول الجنات: كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم: 8 . نسأل الله تعالى لنا ولك الثبات، والتوبة سببٌ لسلامة القلب ونقائه: فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «إن العبد إذا أخطأ نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نَزَع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيه حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المطففين: 14» الحديث عند الإمام مسلم.
وأبشرك بما توصلت إليه من قوة الندم وتكرار التوبة، واستيقاظ الضمير، ومحاولة البحث عن الحق و اتباع الصواب، و هذا دليل على قوة الإرادة، والتي هي الموصلة للتحكم في النفس، والنجاح في مجاهدتها، والتغلب على الشهوة، وعدم اتباع الهوى، وأطلب منك الاستمرار في تقوية إرادتك، بالاستمرار في مخالفة هوى النفس، والتمسك بالسير في طريق الاستقامة بالمواظبة على فعل الطاعات، والبعد عن المنكرات، والتقرب إلى الله تعالى بما افترضه علينا من جميع  من الأمور أو العبادات المفروضة، مع التنافس في الخيرات وإشغال الفراغ بمرضاة الله تعالى، واغتنام الصحة والشباب قبل هجوم العجز والهرم أو الشيخوخة.
ولكن لا تغتر بما أنعم الله تعالى عليك من توبة وندم، بل الحكمة تقتضي التمسك بوسائل الثبات على دين الله تعالى ولزوم الاستقامة ومعرفة كيفية ملازمة التوبة، والعزم على عدم الرجوع للذنب.
والعزم من شروط وجوب التوبة، وهو: الإصرار على عدم العودة إلى اقتراف الذنب مرة أخرى. وهو من لوازم صدق التوبة،والعزم على عدم الذنب لا يعني عدم الوقوع في الذنب؛ بحيث متى عاد إلى الذنب بطلت توبته، بل المطلوب من العبد أن يعزم عزماً أكيداً، وأن يصر إصراراً جازماً على عدم العودة إلى الذنب، فمتى فعل ذلك صحت توبته وقبلت، فمن أزله الشيطان بعد ذلك فوقع في الذنب مرة أخرى؛ فإنه يحتاج إلى توبة صادقة أخرى، ولا علاقة لهذه التوبة ـ الجديدة ـ بالتوبة الأولى، وتوبته الأولى صحيحة غير باطلة، لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي  صلى الله عليه وسلم  فيما يحكيه عن ربه ـ عز وجل ـ قال: «أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي! فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي! فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي! فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرت لك» رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.   
رابعا:الذنوب درجات الإيمان يزيد وينقص:
   وهناك فرق بين الكبائر والصغائر، فالذنوب تتفاوت في شناعتها وعظمها، وتختلف بحسب ما ينشأ عنها من مفاسد وما يترتب عليها من مصائب، فالكبائر تتفاوت فيما بينها على الرغم من شناعتها، فالصغائر تكفرها الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وصيام كما قال تعالى:" إن الحسنات يذهبن السيئات"، والكبائر لا بد لها من توبة وتكفير، وأعظمها جرما الإشراك بالله ثم عقوق الوالدين، ثم ارتكاب الفواحش المنكرة أو التي يتريب عليها إقامة حد في الدنيا، أو توعد صاحبها بالعذاب في الآخرة.
كما أن الإيمان يزيد وينقص: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وحين يرتكب العبد المعصية يكون إيمانه ضعيف، وإرادته مسلوبة، والشيطان قد أغواه، أو لم يستطع مجاهدة نفسه وترك الزمام والقيادة لنفسه الإمارة بالسوء، وحين يرسل الله تعالى له ما يوقظه من الغفلة من الاستماع لكتاب الله أو رؤية المريض أو المصاب أو صاحب العاهة، أو الخشوع في أداء العبادة، أو تذكر الموت أو العذاب والنعيم في الآخرة،  فكل هذا قد يوقظ الضمير، وينبه  الغافل، ويزداد إيمانه كما ورد في كتاب الله تَعَالَى  وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناًسورة الأنفال:2 وكما حكى الله  تعالى عن المنافقين فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ سورة التوبة:125,124 كَانَ إيمانهم ناقص، ثُمَّ ازداد الرجس وذلك لنقص الإيمان.
فالإيمان يزيد وينقص عند النَّاس بالفطرة السليمة. فمن يصلي الفرائض، ويسمع الآيات التي تقشعر لها الأبدان، فيخشع في صلاته، فيشعر أن إيمانه قد ازداد وقد يخرج إِلَى الحياة فيرى المتبرجات و الفاتنات، ويرى أهل الدنيا، ويرى ما حرم الله، فيقسو قلبه، فيحاول أن يعيد بعض الخشوع، فيقرأ نفس الآيات التي كَانَ قد تأثر بها فيما سبق، فلا يكاد يجد شيئاً من ذلك إذا كَانَ إيمانه زائداً ثُمَّ نقص.
وعكس ذلك فقد يكون الإِنسَان يصلي ويصوم ويحج، ولكنه غافل عن أمر دينه، فإذا فعل الأمور التي تزيد من الإيمان كتلاوة كتاب الله، أو يخشع في الصلاة، أو يتذكر الموت وسكراته والقبر وظلماته، أو يرى المريض المقعد فيحمد الله تعالى على نعمة العافية، فيقبل على الطاعات، وأحياناً يتثاقل عن أداء الواجبات فنتأكد بذلك أن الإيمان يزيد وينقص.
فالمسلمون عموما يحسنون تارة، ويرتكبون الأخطاء أو يقعون في الكبائر تارة أخرى، وفي الحديث: "كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون" هكذا خلق الله الإنسان؛ لأن الابتلاء والامتحان والفشل والنجاح يدور مع  هذه الأخطاء، ولو أن الإنسان لا يخطئ ولا يذنب لكان ملكاً، ولو أنه كان مذنباً مخطئاً بإطلاق لكان شيطاناً، لكن الإنسان هكذا وهكذا  إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً  سورة الإِنسَان:3، فالإِنسَان قد ينشط فيفعل الخير، وقد يكسل فيختار الشر، فحاله بين إقبال وإدبار، أو تقدم وتأخر، وهكذا خلقه الله تعالى، ونسأل الله تعالى الثبات حتى الممات. ولهذا يقول النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" فهناك شعب لا يعتبر الإنسان مسلما إذا لم يأت بها، وهناك شعب أخرى قد يتركها الإِنسَان ولا يأتِ بها فتنقص من إيمانه، مثل إماطة الأذى عن الطريق، فإذا استكمل رجلٌ الشُعَبَ وترك هذه الشعبة، نقص من إيمانه بهذا القدر، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
خامسا: موضوع السلف والدين:
أنت تعتقد أن الخيانة لا بد أن ترد لك، وأنها مثل  فاحشة الزنا سلف ودين، فالجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان, وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بروا أباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم)، أو مما قاله  الإمام الشافعي أن الزنا دَين مردود على صاحبه
فقد قال الإمام الشافعي – رحمه الله – :
عفوا تعف نساءكم في المحْرَم     ِوتجنبوا  مالا   يليق   بمسلمِ
إن  الزنا  دين  إذا  أقرضته       كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
من يزنِ في قوم بألفي  درهم     في أهله  يزنى  بربع  الدرهم
من يزنِ يُزنَ به ولو  بجداره       إن كنت يا  هذا  لبيب  فافهم
ياهاتكا  حُرَمَ  الرجال   وتابعا     طرق الفساد عشت غيرَ مكرم
لو كنت حُراً من سلالة  ماجدٍ    ما كنت  هتاكاً  لحرمة  مسلمِ
 
ويُروى أن رجلا أوصى ابنه عندما أراد الابن السفر ، فقال لـه : احفظ أختك، فاستغرب الابن من هذه الوصية وهو يريد أن يسافر ويبتعد عن أخته، فمضت الأيام، فرأى الأب ساقي الماء يقبل ابنته، فلما عاد الابن قال لـه أبوه: ألم أقل لك احفظ أختك . قال وماذاك؟ قل له : دقـة بدقّـة، ولو زدتّ لزاد السقا.
 
ولكن يا أخي هذا الكلام المقصود به لمن لم يتب، ويندم ويستقيم، وأيضا قد يكون ذلك  من باب المبالغة في التحذير من ارتكاب فاحشة الزنا ، صحيح أن الوقوع في هذه الفاحشة تسبقه خطوات، لكن لا يرد الدين إلا لمن أصر، وأيضا لمن مشي متعمدا في الخطوات من بدايتها.
وأيضا الذي فهمته من رسالتك أنك لم تقع في هذه الفاحشة، وقعت فقط في موضوع أخف وهو إقامة علاقة بمن تحب، وأنت والحمد لله توصلت لعدم شرعية إقامة هذه العلاقات قبل الزواج، وتبت إلى الله تعالى وإن شاء الله تكون توبتك نصوحا، وحاول أن تكون كذلك، ولاتخف من موضوع رد الدين، والله تعالى أعلم.
 
سادسا: أسباب التساهل من الشباب:
بعض الشباب يقول أقيم علاقة حتى يستمر الحب فيما بعد الزواج، وهذا مفهوم غير صحيح، فالحب الحقيقي يأتي بعد الزواج، أو يأتي عفويا قبل الزواج للمخطوبين، فالحب المؤكد يأتي بعد العشرة وحسن التعامل وهذا بعد الزواج.
وقد تنشأ علاقة الحب بين الشاب والفتاة بطريقة عفوية، فقد  يتعلق قلب الشاب بسبب الجيرة أو القرابة بفتاة فيحبها دون قصد ودون اختلاط، ودون مخالفات، دون تأثر  أو تطبيق لما يعرض في  المسلسلات و الأفلام، أو ما يشاهد في قصص ا لحب والغرام، فالحب الحقيقي يأتي بعد الارتباط الفعلي والرسمي بين الزوجين، ويزيد بحسن العشرة، وبالمعاملة الطيبة، أليس ذلك صحيحا؟ و بعض الناس المخدوعيين يقولون لك: لابد للزواج الناجح من حب قبل الدخلة يرسخون هذه المعاني بكل قوة في وسائل الإعلام و هذا ليس صحيحا،  بل أثبتت الدراسات وبينت الإحصائيات أن أسعد أنواع الزواج وأكثرها استقراراً ما كان على الطريقة العادية أو القديمة التقليدية.
و بعض الشباب يسعى لإقامة علاقة حب قبل الزواج ليتأكد من جودة المشاعر وهذه الأحاسيس والمشاعر يمكن أن يتأكد منها أثناء فترة الخطبة، مع مراعاة ضوابط ذلك،  مع العلم أن الشرع يرغب في رؤية المخطوبة قبل الزواج كما ورد في الحديث الصحيح وفيه خطب المغيرة بن شعبة امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما » رواه الترمذي. أي أجدر أن تتآلفها، وتجتمعا وتتفقا، أي الشعور بالألفة والمودة والرحمة التي ذكرها القرآن الكريم (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) هذه المودة تأتي بحسن العشرة وجودة التعامل و التخلق للأخلاق الفاضلة، ليس بالضروري أن تصل العلاقة قبل الدخلة إلى مرتبة الحب الولهان أو العشق الفتان، أو الغرام و الهيام.
وبعض الناس يؤكدون: لا بد من الحب قبل الزواج لأن الحب ينتهي بعد الزواج ولا يدوم أو يستمر إلا فترة محدودة، لكن الحق عكس ذلك وهو أن الزواج لا يقتل الحب، بل لعله يزيده عمقا وأصالة، فالحب العفيف  لابد من ترجمته و التعبير عنه بالزواج، ويمكن للزوجين التعرف على أسباب استمرار  الحب والسعادة، والبعد عن أسباب الفشل والشقاء والتعاسة، وهذا مسؤولية كلا من الزوجين أيضا.
ثم بعض الناس يصور لك الحياة الزوجية أنها حياة تمتع دائم لا ينقطع، وسرور لا ينغص، وبهجة لا تنطفىء، مع أحلام وردية، وأماني ساحرة. بل لا بد من النظر بواقعية للحياة الزوجية، وأنها قد تأتي عليها بعض المشكلات وقد تزعزهها بعض المنغصات أو تهدم أركانها عدد من المعوقات، ولا ينجح الزوجان في الوقوف أمام هذه التحديات سوي بقوة الإيمان، وبالحب والتفاهم و بالضوابط أو الاتفاقات التي تفاهما عليها قبل الزواج أو في بدايته،، فعلى الزوجين الحرص على التفاهم على مجموعة من الضوابط والقواعد المستمدة من منهج الإسلام يرجع إليها عند وقوع النزاع.  فالحياة الزوجية ينبغي أن تؤسس على قواعد متينة وأسس راسخة  تمكنها من الصمود في وجه تقلبات الزمن، وصعوبات الحياة.
سادسا: الحب قبل الزواج:
يسعى بعض الشباب إلى إقامة علاقة مع من رغبت بها أو تعلق قلبه بها، ثم تقع منه بعض التساهلات التي يندم عليها، و إقامة علاقة مع الفتاة قبل الزواج: حرام، سواء كانت العلاقة آثمة أو بريئة، لأن إقامة هذه العلاقة قد تؤدي للوقوع في الحرام، فالشيطان دائما هو الثالث بين الشاب والفتاة، وهو يقوم بدوره على ما يرام، إضافة للشعور بالذنب، وأيضا هذه العلاقات قد تفسد الارتباط مستقبلا، و تجعل بعض الأزواج يشك في زوجته بعد ذلك، لأنه قد يتسرب لنفسه أنها ستقيم علاقة مع شخص آخر.
ويتعلل من يقيم العلاقة بأن هذا حب برئ وعفيف، ولكن الحب أنواع فهو أولا لله تعالى أولا، ثم لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم فهذا هو الحب حقيقي ضروري لا يتم الإيمان إلا به. وفي الحديث: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وهذا رسول الله  صلى الله عليه وسلم يصرح بحبه لزوجته عائشة، فهذا لا غبار عليه، فهو في دائرة حب الأزواج والأولاد التي فطر الإنسان عليها. و من أنواع الحب: حب الآباء والحب الأخوي، حب الأقارب، لكن الحب لتفريغ الشهوة يكون  بين الأزواج، ويسبقه اختيار دقيق، واتباع لخطوات الشرع من خطبة وعقد ودخلة، بدون إقامة علاقة قبل الزواج.
 وأما الواقع:  فالشباب يفهم كلمة الحب تحت تأثير الغزو الفكري المقدم في وسائل الإعلام من الأفلام والمسلسلات والقصص والروايات، فكلمة الحب في عالم المراهقين لها مفهوم بعيد عن الدين ضاع بسببها الفتيات حين فقدت المنهج الصحيح، وتخلَّت عن الطريق المستقيم، وتعلقت بالحب قبل الزواج وتوهمت ألا زواج بدون حب قبله، و بعض الشباب حصروا الحب في مفاهيم مغلوطة، وأحلام خيالية، أو يقصر هذا المفهوم على رسم  الوردة الحمراء أو الدُمَى الملونة،  أو رسم قلبين بلون وردي يخترقهما سهم محفور على جذع شجرة أو مرسوم على ورقة، وهذه العلاقات غالبا تتلاشي وتنتهي حين تصطدم بالواقع المرير.
ثم لا بد أن نعلم جيدا يا ابنتي أنه ليس بالحب وحده تبنى البيوت، كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، بل تؤسس البيوت بحسن الاستعداد لبناء أسرة متينة تكون لبنة قوية لمجتمع متماسك، فالأسرة هي حجر الزاوية في بناء المجتمع، والقاعدة التي يقوم عليها بناء الأمة، فالزواج  التقليدي _ كما يطلق عليه بعض الناس هذه التسمية _ هو الزواج الذي يستمر ويدوم، وهو الزواج بطريقة صحيحة فلا تخجل من هذا الارتباط بالطريقة السليمة، فهو الحق في الارتباط دون حب، أو إقامة علاقات بريئة أو آثمة، فنرجو من المسلم أن يعتز بتعاليم دينه وتفتخر بها، ولا يخجل من إظهارها وتطبيقها.
فأين الخطأ: أما الخطأ الذي قد تكون وقعت فيه، و تتوب منه فهو: إقامة علاقة حب لظنك أن الحب لا بد منه قبل الزواج، لكن المطلوب أولا  هو النية الصادقة في تأسيس بيت مسلم متماسك، وثانيا  الشعور بالراحة أو القبول لشخصية زوجة المستقبل، بعد الاستشارة والاستخارة،، وثالثا يكون ذلك بعد التأكد من صفات ودين وأخلاق الفتاة، ومدى تحملها مسؤولية تأسيس أسرة مسلمة تكون لبنة قوية في بناء مجتمع متماسك غير مفكك، فلا تعصف به المشكلات، بل لديه المقدرة على الوقوف في وجه الصعوبات، وتجاوز العقبات.
وهذه الأسرة تقوم على التفاهم و الحب والمودة والرحمة والسكينة ويأتي كل هذا  بالتأكيد مع العشرة الطيبة، والحرص على حسن التعامل، وتنافس كل من الزوجين لإرضاء الآخر، وإسعاده، وإدخال السرور عليه  مع الاحترام، والتسابق في أداء الحقوق ومراعاة الواجبات.
فبعض الناس يرسخ في ذهنك أن الحب ضروري قبل الزواج، ويجعل معنى الحب ارتباط بين الشاب والفتاة قبل الزواج، ولا زواج بدون حب، ولكن للمرة الثانية إذا سألت أي شاب أقام علاقة آثمة مع فتاة، هل تتزوجها فستجد الإجابة بالرفض، لأن الشاب يريد اختيار زوجة مناسبة تحفظ كرامته، وتحسن تربية أبناءه.  
و أخيرا:
 نسأل الله تعالى لنا و لك التوفيق والسداد في مستقبل حياتك، ومرة أخرى عليك الاستعانة بالصبر و الصلاة، واللجوء إلى الله تعالى بصدق وإخلاص، خصوصا في أوقات استجابة الدعاء، أن يلهمك الله تعالى التوفيق و يرزقنا وإياك على طريق الثبات حتى الممات.
هذا و الله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



زيارات الإستشارة:8985 | استشارات المستشار: 1473


الإستشارات الدعوية

ما هي الواجبات والفروض التي علي كفتاة مسلمة؟
الاستشارات الدعوية

ما هي الواجبات والفروض التي علي كفتاة مسلمة؟

سلمان بن حسين الجدوع 07 - ذو القعدة - 1433 هـ| 22 - سبتمبر - 2012



وسائل دعوية

كيف أدعو أستاذتي وأناصحها؟!

محمد بن أمين بن محمد الجندي2977

مناهج دعوية

تعرفت على شاب عن طريق الإنترنت وتورطت ؟

فدوى بنت عبد الله بن عمير الخريجي6385

استشارات محببة

سألته عن مخطّطاته فصدمت لأنّه لم يخطر  بباله أن يخطبني !
الاستشارات الاجتماعية

سألته عن مخطّطاته فصدمت لأنّه لم يخطر بباله أن يخطبني !

السلام عليكم ورحمة الله
تعرّفت إلى رجل محترم ذي خلق عاقل وله...

هالة حسن طاهر الحضيري47
المزيد

حصل سوء تفاهم بيني وبين زوجي فكرهته بشكل فضيع !
الاستشارات الاجتماعية

حصل سوء تفاهم بيني وبين زوجي فكرهته بشكل فضيع !

السلام عليكم ورحمة الله مشكلتي الله العليم بها .. تمّت الملكة...

منيرة بنت عبدالله القحطاني48
المزيد

هل يجوز مخالطة الزملاء و أولاد العمّ ؟
الأسئلة الشرعية

هل يجوز مخالطة الزملاء و أولاد العمّ ؟

السلام عليكم ورحمة الله أودّ أن أسألكم : - هل يجوز للفتاة الخروج...

د.فيصل بن صالح العشيوان49
المزيد

ما حكم صيامي عندما أشعر أنّ الإفرازات على وشك النزول ؟!
الأسئلة الشرعية

ما حكم صيامي عندما أشعر أنّ الإفرازات على وشك النزول ؟!

السلام عليكم ورحمة الله عمري ثماني عشرة سنة أعاني من نزول...

د.فيصل بن صالح العشيوان49
المزيد

أصبحت أبكي بدون سبب طوال الوقت .. ما الحلّ ؟!
الاستشارات النفسية

أصبحت أبكي بدون سبب طوال الوقت .. ما الحلّ ؟!

السلام عليكم ورحمة الله بدأت مشكلتي وعمري ثلاث عشرة سنة ،...

ميرفت فرج رحيم49
المزيد

زوجي يستفزّني إلى أن أغضب فيضربني!
الاستشارات الاجتماعية

زوجي يستفزّني إلى أن أغضب فيضربني!

السلام عليكم ورحمة الله أحبّ زوجي وأعتقد أنّه يحبّني ، ولكن...

مالك فيصل الدندشي49
المزيد

مشكلتي مع زوجي له علاقات قديمة مع النساء!
الاستشارات الاجتماعية

مشكلتي مع زوجي له علاقات قديمة مع النساء!

السلام عليكم ورحمة الله
عمري أربع وعشرون سنة وزوجي أربع وثلاثون...

جميلة بخيتان الحربي50
المزيد

كثيرا ما يخطر في بالي أفكار وأشياء شيطانيّة وأفكار سلبيّة !
الاستشارات النفسية

كثيرا ما يخطر في بالي أفكار وأشياء شيطانيّة وأفكار سلبيّة !

السلام عليكم ورحمة الله مرحبا دكتور،الله يعطيك ألف عافية ...اعذرني...

أنس أحمد المهواتي50
المزيد

تعبت من الخيالات الكفريّة الكثيرة !!
الاستشارات النفسية

تعبت من الخيالات الكفريّة الكثيرة !!

السلام عليكم ورحمة الله ما حكم الكلام داخل القلب والعقل...

ميرفت فرج رحيم50
المزيد

الفقاعات و مخارج الحروف ليست وهما فهل أكمل صلاتي ؟!
الأسئلة الشرعية

الفقاعات و مخارج الحروف ليست وهما فهل أكمل صلاتي ؟!

السلام عليكم ورحمة الله يا شيخ - أعاني من مشكلة منذ حوالي سنتين...

د.فيصل بن صالح العشيوان50
المزيد