الاستشارات الدعوية » الدعوة والتجديد


28 - جمادى الآخرة - 1423 هـ:: 06 - سبتمبر - 2002

أعمل في مركز صيفي وأعاني بروداً في النشاط ؟


السائلة:ر

الإستشارة:هند بنت حسن بن عبد الكريم القحطاني

أنا أعمل في أحد المراكز الصيفية.. شعلة نشاطي، أفكاري، إبداعي، تزداد من عام إلى آخر، ولكن لاحظت في الأعوام الأخيرة بروداً عجيباً في النشاط حتى وصل إلى مرحلة التجمد في هذا العام الأخير.. أرجو إذابة هذا التجمد إلى درجة النشاط الطبيعي المئوي باستشارة ثاقبة من الأخت الفاضلة "هند حسن عبدالكريم القحطاني".. ولكم ولها جزيل الشكر، وأرجو أن يكون ذلك عاجلاً.


الإجابة


الغالية " ر ":

أشعل الله قلبك بالإيمان، وأنار دربك بحبه ورضاه..

وبعد يا غالية:

قرأت سؤالك فتراءى وجهك المكدود أمامي..

أحسّ بكل كلمة كتبتها.. فمن منا لا يمر بمثل ما عشت وكتبت؟!

دعينا نحاول معاً أن نجمع الكلمات، ونضع النقاط على الحروف..

أنت شخصية مبدعة ومتجددة دوماً، أفكارك تتوارد كالنهر الجاري.. يظهر ذلك من طريقة كتابتك للسؤال.. قد تكونين أقل مما أتصوره أو أكثر.. مما لم أستطع تصوره..

لكن حتماً لست إنسانة عادية.. بارك الله فيك ولك فيما أعطاك وحباك.

تُرى..
شخصية في مثل صفاتك وإبداعك، من أين يكون قد دخلها الفتور؟! وحتى نستطيع الإجابة.. عودي بي إلى تلك الفترة التي كنت فيها الشعلة المتوقدة ودعينا نراك.. وقد التفت الناس إليك.. المكان الذي تكونين فيه يمتلئ حيوية ونشاطاً، وحين تغادرين من المكان يعود هامداً مواتاً!

أراك..
والناس تتسابق لتشركك معهم في برامجهم وأنشطتهم.. أيهم يفوز بك.. أراك هناك فوق المنصة ومن خلفها.. تتقنين فن جذب الناس وإدارتهم.. ويملأ اسمك المكان..

أنت هناك..
كيف كان قلبك؟! كيف كان حالك مع سيدك ومولاك؟! حين كنت تعدين برنامجاً أو مسابقة.. هل كنت ترمين الأوراق جانباً وتنطرحين ساجدة بين يدي ربك تسألينه أن يوفقك ويفتح عليك.. وأن لا يكلك إلى نفسك أبداً؟!

غوصي في خبايا نفسك.. في تلك اللحظات.. ماذا كان يتراءى في خيالك وأنت تفكرين وتعملين وتعدين الأفكار والأنشطة.. أهو مدح الناس وابتساماتهم.. نظرات الإعجاب منهم.. أم هو التفكير في استنقاذ قلب من ظلام المعصية إلى نور الطاعة وإنقاذ روح من درك الناس إلى جنَّات النعيم؟!

عفواً..

أنا لست أشكك في نواياك أبداً.. ولكنه الشيطان لا يرضى أن يترك صالحاً لوحده.. فما يزال يحبب إليه كلام الناس ومدحهم ويخوفه من ذمهم دون أن يشعر ذلك الصالح بنفسه.. حتى يحبط عمله.. وللشيطان في ذلك حيل وأساليب، ولكنها دوماً ضعيفة إن صدمت بجدار قوي..

في أحيان كثيرة..

نقبل العمل ونقدم عليه ونعرض أنفسنا في مكان ما، ثقة بما نملك من طاقات وقدرات.. وحين نمسك المكان، ندخل في معركة إثبات النفس والجدارة.. وذلك كله تحت عنوان عريض اسمه العمل لله.. متناسين في خضم ذلك كله، أن نتكل على الله، لا على أنفسنا ولا على قدراتنا.. متناسين أن نستمد القوة ممن يبارك في العمل القليل ويزكيه إن صفا، ويحبط الجهد الكبير ويرفضه إن اختلط وتكدَّر.

إنَّه الإخلاص لله في العمل.. يشعل في القلب جذوة من إيمان لا تطفأ في قلب المؤمن، إلى أن تطفأ روحه تحت التراب.. تخبو أحياناً وتبرق أحياناً.. ولكنها أبداً لا تطفأ.. ابحثي عنها.. تجدينها هناك قد خبت.. زكيها باللجوء إلى الله والضراعة له، جددي إيمانك فهو يخلق في الجوف كما يخلق الثوب.. وثمة سحر في المسألة اسمه قيام الليل.. يفعل في الثوب الأعاجيب.. يبعث في القلب نشاطاً وحيوية لا يعرف الإنسان سرها.. ويبارك في العمر ويزكيه.. فليكن لك منه أوفر الحظ والنصيب.. هذه واحدة..

ثم دعينا نقف وقفة مع زادنا.. وتحركنا.. ومبعث الطاقات فينا..

يقول ربنا تبارك وتعالى: {إنَّما يخشى الله من عباده العلماء}..

فكلما زاد الإنسان علماً كلما ازداد خشية وإنابة.. كلما ازداد توقد قلبه واشتعاله بحرارة الإيمان..

فهو يعرف من يعبد ولمن يركع ويسجد ويحفد، يعرف الحلال والحرام.. كل يوم يحيي فيه سنة ويميت فيه بدعة.. ذلك العلم يجعل من الإنسان "زنبركاً" لا يتوقف.. فهو لا يكل ولا يمل.. وكيف لا وهو يعلم أنه يسعى ما بين مولده إلى مماته..

يعلم أنَّ الجنة والنار أمامه، والموت يطلبه، وربه فوقه، والملائكة تشهد وتسجل.

تقولين إنك تعملين في أحد المراكز الصيفية، فهل أفهم أنك موظفة أثناء بقية السنة؟! فإذا كنتِ كذلك فحتماً أنتِ مثقلة ومجهدة بروتين يومي ثقيل يقعدك عن كثير من العلم، ويجعلك تملين من كل شيء فلا جديد..

ولكن دعيني أسألك: هل صقلت مواهبك وإبداعك بعلم شرعي أصيل؟ أتصورك أنك بالتأكيد منضمة إلى إحدى حلق طلب العلم التي مرت عليها السنون والأيام..

تنتقلون فيها من كتاب إلى آخر.. وهذا خير بل هو مطلوب.. ولكني لست عن هذا أسألك.. إني أسألك عن آخر آية قرأتِ تفسيرها في خلوة فدمعت عيناك.. أسألكعن حديث قرأتيه..

فسبرتِ أغواره تبحثين عن أسراره ثم انطلقتِ به داعية، وإليه حامية.. أسألك عن ذلك الكتاب الذي حرَّك قلبك وذلك الشريط الذي فتح أمامك آفاقاً وآفاقاً..

حين قال جلَّ جلاله: {وذكِّر فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين} كان يعلم أنَّ نفوسنا تصدأ ويعلوها الغبار.. تلك الهمزات والهنَّات والنظرات والمزحات؛ لا بدَّ أن ندفع ثمنها عاجلاً أم آجلاً.. إن لم يغفرها لنا ربنا ويرحمنا..

فالعلم لا يقاس بالسنين ولا بالمجلدات، بل بما يورث في قلوبنا من خشية وخوف ورجاء.. وبما يورثه في أرواحنا من يقين ونشاط وعزم..

راجعي طلبك للعلم.. قفي معه وقفات.. ووقفات.. افتحي تلك الكتب القديمة.. اقرئي أكثر في أعمال القلوب.. وشدي الرحال إلى منازل {إياك نعبد وإياك نستعين}.. نوِّعي الأشرطة والمحاضرات..

واعلمي أنَّ نفسك لم تفتر إلا حين ملَّت.. ولا تملُّ النفس إلا إذا ضعف الزاد.. أو خلت الطريق.. فأما الزاد فأمامك النبع الصافي انهلي منه.. وأمَّا الطريق فطريقنا واضح أبلج.. ليله كنهاره لا يزيغ عنه إلا هالك.. فالزميه.. هذه الثانية.

والثالثة..
لعله ذنب من هنا أو هناك.. استصغرته عيناك فعظم قدره عند الله وكبر.. أو لعله ذنب أحدثت له استغفاراً لسانياً وما استشعر قلبك صدق التوبة والأوبة.. لقد أذنب أحدهم ذنباً فقال: لأجدنَّ مغبتك ولو بعد حين، فوجده بعد أربعين سنة!!

اعذريني يا أختي إن شددت عليك أو قسوت.. لكنَّا إن "طبطبنا" على أنفسنا "طبطبنا" على ركام وذنوب..

نشتكي من الفتور والكسل وضعف الإيمان.. وقد ملأنا قلوبنا بمحقرات الذنوب والتقصير في الواجبات.. فأنَّى لهذه القلوب أن تتحرك أو تعمل وقد خنقناها؟!

هي التصفية لا بدَّ لها دوماً قبل أن نبدأ بالتحلية..

فتعاهدي نفسك.. وجددي التوبة.. وحين تدعين الليلة بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني" استشعري كل حرف منه وتخيلي أنك تدعين وقد سجل الله عليك ذنوبك منذ عشرات السنين.. أحصاها عنده ونسيتها.. فادعي الله على خوف ووجل.

وأخيراً..

تعاهدي أورادك وأذكارك في الصباح والمساء.. لا تفرطي فيها مهما كان.. اجعليها جزءاً لا يتجزأ من يومك.. تحصني بالله ولوذي بحماه.. ابدئي يومك بذكره.. تكونين معه في حصن حصين، لا يضرك كائن من كان.. إلا شيء كتبه الله لك.

اجعلي سورة البقرة ضمن أورادك اليومية.. فالشياطين لا تطيقها ولا تستطيعها، فالداعية محط أنظار الخلق.. وهو ضعيف بنفسه قوي بربه، وذكر الله يجعله في مناعة من كيد الكائدين وأعين الحاسدين.

لقد كان ابن تيمية ـ رحمه الله ـ يمكث في مصلاه بعد الفجر إلى قرب انتصاف النهار، ثم يلتفت إلى من خلفه ويقول: "هذه غدوتي ولو لم أتغدها لسقطت قوتي"!!

فكري في كلمته مراراً.. ما الذي وجده ابن تيمية في مصلاه حتى إنَّه لو لم يجلس تلك الجلسة لسقطت قواه؟! أي توكل إذن وأي احتساب؟! أي تجديد للتوبة وإعلان للعبودية إذن؟! أي استمداد للقوة من الرب القوي الجبار؟ أترى من يبدأ يومه بالانطراح بين يدي مولاه ذلة وخضوعاً ورغبة ورجاء، كيف يكون سائر يومه وكيف يكون نشاطه وحاله؟!

لا عجب إذن أن يكون ابن تيمية من كان.. وهو الذي مع ذلك يقول: "والله إني لأجدد إسلامي في كل حين"! إعلاناً لعبوديته وتجديداً للبيعة.

تلك نقاط عابرة.. لعلها لامست شيئاً من الحقيقة أو لم تلامس..

حسبي وأملي.. أن تكون قد فتحت لكِ مع نفسك أبواباً من الصدق والصراحة تطّلعين فيها على تلك الملفات القديمة.. وتجددين فيها البيعة مع الله.. في يوم أن أنزل: {إنَّ الله اشترى...}.

شرح الله صدرك بالإيمان، وبارك فيك ولك فيما أعطاك وحباك، وجعلك جنداً من جنده تدافعين عن حوزة الإسلام بالقليل والكثير، ونوَّر قلبك بطاعته واستعملك في محبته ورضاه..

وجمعنا وإياك ووالدينا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

ومن عرف المنتهى.. قدَّم المُهَج.

والحمد لله ربّ العالمين.



زيارات الإستشارة:6422 | استشارات المستشار: 101


أصبت فجأة بالتصبغات الجلدية؟!
الأمراض الجلدية

أصبت فجأة بالتصبغات الجلدية؟!

د.عبد الله بن صالح بن عبد الله المسعود7603
مشكلة مزمنة  ؟
الدورة الشهرية

مشكلة مزمنة ؟

د.عفاف أحمد التويجري3935

استشارات إجتماعية

والد زوجي يتحرش بي  وزوجي لا يحرك ساكنا !
الزوجة والأقارب

والد زوجي يتحرش بي وزوجي لا يحرك ساكنا !

د.مبروك بهي الدين رمضان 01 - جمادى الآخرة - 1428 هـ| 17 - يونيو - 2007

قضايا الخطبة

ادعوا لي ربي يزوجني!

فدوى بنت عبد الله بن عمير الخريجي5707




استشارات محببة

مكرر سابقا
الأسئلة الشرعية

مكرر سابقا

السلام عليكم،،،

امراة تشتكي من زوجها فهو يضربها ضربا مبرحا...

قسم.مركز الاستشارات1494
المزيد

كيف أستطيع تطوير نفسي وتدارك أخطائي ؟!
الاستشارات النفسية

كيف أستطيع تطوير نفسي وتدارك أخطائي ؟!

السلام عليكم ورحمة وبركاته... أنا في التاسعة عشرة من عمري خجولة...

أ.ملك بنت موسى الحازمي1494
المزيد

كيف أعود ذاك البريء الذي لا يفهم شيئا?
الاستشارات النفسية

كيف أعود ذاك البريء الذي لا يفهم شيئا?

بسم الله الرحمن الرحيم..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.....

أنس أحمد المهواتي1495
المزيد

هل أكون مع (الناس ماذا يقولون) أم مع راحتي النفسية?
الاستشارات الاجتماعية

هل أكون مع (الناس ماذا يقولون) أم مع راحتي النفسية?

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا فتاة بعمر الـ19 عاما،...

طالب عبدالكريم بن طالب1495
المزيد

صعوبة الدراسة تثني قليلاً من  عزيمتي!
الاستشارات الاجتماعية

صعوبة الدراسة تثني قليلاً من عزيمتي!

السلام عليكم .. هذه قصّتي أريد من المستشار الأستاذ عبد الله...

عبدالله أحمد أبوبكر باجعمان1495
المزيد

طفلي يضع أصابعه في فمه ولا يكفّ عن قرض أظافره!
الإستشارات التربوية

طفلي يضع أصابعه في فمه ولا يكفّ عن قرض أظافره!

السلام عليكم طفلي عمره 3 سنوات...هو الطفل الثاني...ذكيّ اجتماعيّ... منذ...

د.عبد المحسن بن سيف بن إبراهيم السيف1495
المزيد

أشعر بنفور شديد تجاه الناس عموما حتّى أقاربي!
الاستشارات النفسية

أشعر بنفور شديد تجاه الناس عموما حتّى أقاربي!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أتمنّى أن تشرحوا لي وتبيّنوا...

نوره إبراهيم الداود1495
المزيد

الهدوء سبّب لي عائقا كبيرا في حياتي!
الاستشارات النفسية

الهدوء سبّب لي عائقا كبيرا في حياتي!

السلام عليكم ..
أنا فتاة عمري 25 عاما متزوّجة منذ 5 سنوات...

رانية طه الودية1495
المزيد

ما الذي جعلها تلجأ إلى الحيلة الفظيعة  ؟
الإستشارات التربوية

ما الذي جعلها تلجأ إلى الحيلة الفظيعة ؟

السلام عليكم دكتور
رجاءً الردّ على رسالتي للأهمّية .
ابنتي...

أماني محمد أحمد داود1495
المزيد

أبي و أمّي يحبّان إخوتي أكثر منّي و يميلان إليهم!!
الاستشارات الاجتماعية

أبي و أمّي يحبّان إخوتي أكثر منّي و يميلان إليهم!!

السلام عليكم ورحمة الله اسمي عبد الله محمّد عمري سبع عشرة سنة...

عواد مسير الناصر1495
المزيد