لها أون لاين » » الأسس العقديةوالاجتماعية والنفسية للمناهج الدراسية

تقييمك للمقال
  • حاليا 5/3 نجمات.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
(250 صوت)
25 - ربيع أول - 1424 هـ| 27 - مايو - 2003

الأسس العقديةوالاجتماعية والنفسية للمناهج الدراسية


الأسس العقدية والاجتماعية والنفسية للمناهج الدراسية بالمملكة العربية السعودية

د.عبدالإله عبدالله المشرّف

المدير العام للمناهج بوزارة المعارف  

أدرك القادة السياسيون والاقتصاديون والاجتماعيون - في وقت مبكر - أن نهضة الأمة وتقدمها ورقيّها ومنافستها تبدأ من غرفة الفصل، ولذا انطلقت المشروعات التربوية في معظم دول العالم تقريبًا، حيث يوشك أن لا تجد دولة مستقرة في الوقت الحاضر لا تعيد النظر في مناهجها وطرائق تدريسها وأساليب تقويمها وارتباط ذلك كله برؤية الدولة وخطتها التنموية وحاجة سوق العمل بها.

وقد واكب هذا الاهتمام إعادة النظر في أهداف التربية العامة وغاياتها النهائية، وعلاقة التربية بموروث المجتمع ومستجدات العصر، ومن هنا برزت أهمية تحديد الأسس العامة لمناهج التعليم، هذه الأسس معنية بتحديد الإطار الثقافي والتربوي والتعليمي الذي ينبغي أن تسير فيه أهداف التربية ومخرجاتها، وأن تُبنى على ضوئية الخطط والاستراتيجيات والأساليب والخبرات.

والمملكة العربية السعودية - بفضل الله وتوفيقه - سبقت كثيرًا من دول العالم حين وضعت وثيقة عامة لسياسة التعليم، حددت فيها الأطر والمنطلقات والتوجهات والأهداف العامة للتربية والتعليم في مراحل التعليم الأساسي والجامعي بمختلف فروعه وأنماطه.

وفي ظل التطورات العالمية السريعة، والانفتاح العالمي المذهل، وتقارب الأمم والشعوب، وظهور تجمعات اقتصادية وثقافية وإعلامية مؤثرة على المستوى الدولي والشعبي، ظهرت الحاجة إلى مزيد من الإجرائية في تحديد الأسس العامة للمناهج ليتمكن صنّاع المنهج ومنفذوه من تقويم أدواته ومخرجاته وفقًا لمعايير واضحة ومحددة.

وتأتي ورقة العمل هذه الورقة محاولة لإلقاء الضوء على بعض القضايا الفكرية والمنهجية في صناعة المنهج، وسعيًا إلى مزيد من البحث والإثراء لما تم إنجازه في هذا المجال بوزارة المعارف، وتفاعلاً مع ندوة بناء المناهج الأسس والمنطلقات التي تتبنّاها كلية التربية بجامعة الملك سعود من منطلق دورها الريادي التربوي في المملكة العربية السعودية.

والله نسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. آمين

مدخل الدراسة:

في أوليات سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية تحددت غاية التعليم بأنها: (فهم الإسلام فهمًا صحيحًا متكاملاً، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها، وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية والمثل العليا، وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة، وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة، وتطوير المجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وتهيئة الفرد ليكون عضوًا نافعًا في بناء مجتمعه).

لقد أجملت هذه الغاية الدور الحقيقي المنتظر من التعليم، الذي تصوغه المناهج الدراسية لتبدو أكثر من كونها عمود التعليم الفقري، لكن صناعة منهج ما من أجل أن يحقق تطلعات المهتمين بالتعليم ليس بالأمر الهين؛ إذ يجد المعنيون بالمنهج أنفسَهم أمام تحدٍ كبير اسمه أسس بناء المنهج، يجسد هذا التحدي: أن المنهج الذي يطمح لصياغته لا بد أن يكون متكاملاً يوفر الخبرات الحياتية للمتعلمين؛ من أجل تحقيق نمو شامل لجوانب شخصياتهم لتبدو تصوراتهم وقيمهم وسلوكاتهم بصورة راقية وناضجة وفق الغايات والأهداف التربوية المنشودة.

أن المناهج لا بد أن تكون مستوعبة للأسس التي اتفق عليها كثير من منظري التربية (العقدية(*)، والنفسية، والاجتماعية، والمعرفية) وهذا الاستيعاب ليس أمرًا سهلاً، وبخاصة إذا اشترطنا فيه أن يكون منسجمًا متناغمًا. فصعوبة الوصول إلى ضوابط دقيقة (معيارية) في جميع الأسس؛ واختلاف الثقافات والعادات والمؤثرات بين المجتمعات، والدور المزدوج للتربية في العمل على استثمار القوى التربوية لمجموعة متنوعة القدرات والميول والفروقات وفق أطر محددة مشتركة؛ يجعل من قضية استيعاب المناهج للأهداف وتحقيقها للغايات مطلباً ليس يسير التحقيق.

كما أن الاختلاف في تحديد ماهية أساس ما، وتباين ملامحه بين الفرق التربوية المعنية، والعلاقة الجدلية بين هذه الأسس، وحدود التقاطع بينها أو الالتقاء أو التوازي، واحد من مشاهد التحدي.

وفي سياق الحديث عن تحديات بناء المنهج فإن التغيرات الاجتماعية المتلاحقة وثورة المعلومات وما تبعها من تغير سريع في التقنيات والنظم وأساليب العيش والاتصال أدت إلى تسارع إيقاع الحياة وإحداث موجات من التبديل والتجديد، جعلت استيعاب معظم الناس لذلك أمرًا بالغ الصعوبة، وتأتي قضية العولمة والانفتاحات الثقافية والاقتصادية، وما تبعها من طرح مفاهيم ومصطلحات تعتمد الضبابية والهلامية في أحيان كثيرة، لتشكل تحديًا في أبرز تجليات تحديد الهوية الفكرية والعقدية والثقافية لمجتمع ما.

كل تلك المتغيرات والصعوبات أوجدت عنتاً وإرهاقًا للمعنيين بالدراسات الاجتماعية، وضغطًا كبيرًا على مخططي المناهج الدراسية، يوضح ذلك أن المهمة الجديدة للتربية ليست أن نعد الأجيال لتقبل التغيرات الكثيفة القادمة والتكيف معها فحسب، وإنما السيطرة عليها، واستخراج خير ما فيها، وقيادتها إلى جانب المقاومة الصُلبة للسيئ والضار منها.

أهمية الدراسة

تبرز أهمية الورقة في النقاط التالية:

أنها تسهم في حصر مجالات الأسس التي ينبغي أن يبنى عليها المنهج.

أنها تسهم في تحديد مصادر اشتقاق الأسس بشكل عام، ومصادر اشتقاق الأسس في المملكة العربية السعودية.

أنها تسعى إلى تحديد الثوابت والمتغيرات وطبيعة العلاقة بينهما، وأفضل السبل والآليات لتحقيق أهداف التربية.

أهداف الدراسة:

الإسهام في رسم ملامح الهوية الثقافية والفكرية للمنطقة، في محاولة لحفز المؤسسات التربوية للمبادرة إلى إحداث التغييرات المطلوبة في أهداف التعليم واستراتيجياته، في إطار عقيدة الأمة ومبادئها ومصالحها.

التعريف بالأسس العامة التي يقوم عليها التعليم في المملكة العربية السعودية، كخطوة أولى في المشروع الشامل لتطوير مناهج التعليم العام الذي دخل في طور التنفيذ.

العمل على استيعاب المتغيرات المعاصرة، وبثها في منظومة (إعداد الأجيال لقبول التغيرات والتكيف معها والسيطرة عليها)، في إطار تنظيري تأسيسي.

المنهج البحثي:

تم إتباع نوعين من البحث في هذه الورقة:

المنهج الوصفي القائم على جمع المعلومات والبيانات من المراجع ذات العلاقة، وهذا فيما يتعلق بالإطار النظري للورقة.

المنهج التحليلي الاستنباطي لما أوردته الأدبيات الفكرية والاجتماعية والنفسية ذات العلاقة.

مصادر اشتقاق الأسس:

تنبثق كل تشريعات ونظم المملكة العربية السعودية من الدين الإسلامي الحنيف، وعليه فجميع مصادر اشتقاق الأسس محددة وفق ضوابط المنهج الإسلامي القائم على الكتاب والسنة.

 ومن أبرز هذه المصادر ما يلي:

وثيقة سياسة التعليم.

أدبيات المجال العلمي.

معطيات الثقافة الإسلامية.

التجارب العالمية.

مشروع (بحث أسس المناهج).

المصطلحات الرئيسة في الورقة:

تعريف الأسس

جاء في تاج العروس للإمام (الزبيدي): الأسس: جمع أساس، وهي - في أصل معناها اللغوي -: ما يقوم عليه غيره من الأعيان أو المعاني، وأصل كل شيء ومبدؤه.

 وفي التعريف الاصطلاحي فإن الأسس:هي مجموعة الأصول التي تشكل إطارًا نظريًا للتربية، وتحديد غايتها، وتوضيح معايير نجاحها، وتضفي نوعًا من التوحد على أنشطتها ومفاهيمها، وتحلل عملياتها( بكار،1422هـ).

أو هي النظريات الفكرية والعقائد النظرية التي يدين بها واضعو المنهج وينطلقون منها في بناء ذلك المنهج وتنفيذه وتقويمه ( الشافعي، 1417هـ).

تعريف المنهج

المنهج، أو المنهاج، في معناه اللغوي الطريق الواضحة، ومنه قوله - تعالى -: (ولكل جعلنا شرعة ومنهاجًا). وفي التعريف الاصطلاحي التربوي تتعدد تعريفات المنهج وفقاً للإطار العملي والفلسفي الذي يحدده، ولعل أبرز التعريفات التي تم تداولها في العالم العربي خاصة، تعريف تايلور(tyler, 1958) المشهور وهو: مجموع الخبرات التربوية التي تهيؤها المدرسة للتلاميذ داخلها أو خارجها بقصد مساعدتهم على النمو الشامل (لجميع جوانب شخصية الإنسان) نموًا يؤدي إلى تعديل سلوكهم ويعمل على تحقيق الأهداف التربوية المنشودة. 

 والواقع أن كثيراً من المهتمين بالتربية والتعليم يخلطون بين مفهوم المنهج كما يرد في أدبيات التربية وبين مفهوم المنهج الذي تتبناه المؤسسة التربوية والذي يترجم إلى لوائح ونظم وإجراءات داخل تلك المؤسسة. وقد تناول ( الحارثي، 1419هـ ) بحث مفهوم المنهج وخلص إلى أنه لا يمكن إيجاد ما اسماه تعريفاً مانعاً جامعاً للمنهج في ظل تعدد المدارس التربوية وتباين التطبيقات العملية للمناهج.

أن المستقرئ للواقع العام بالمجتمع السعودي يخلص إلى وجود فريقين لكل منهما فهمه الخاص للمنهج. فغالب التربويين يفهمون المنهج على أنه جميع ما تقدمه المدرسة من خبرات تعليمية تربوية للطالب سعياً إلى تحقيق أهداف معينة ( الأهداف العامة للتعليم بالمملكة )، في حين أن النظرة من عامة الناس نحو المنهج على أنه الكتاب المدرسي فقط.

وهذان الفهمان وإن كانا يتقاطعان مع المفهوم الإجرائي للمنهج الذي تتبناه وزارة المعارف إلاّ أنهما لا يتطابقان معه، فالمنهج في وزارة المعارف يرتكز على محورين: الأول هو محور التنظير والتشريع، ومنه يُعرف المنهج إجرائياً بأنه (جميع الوثائق والخطط الدراسية التي تعدها الوزارة وتنفذها المدرسة لتحقيق أهداف التعليم من خلال المواد والأنشطة التعليمية التي تنتج في ضوء تلك الوثائق)، ويمكن اصطلاحاً تسميته "بالمنهج المكتوب" والمحور الثاني هو محور التنفيذ والمتابعة، وهو (كل ما تمارسه جميع جهات التعليم التنفيذية بدأ بالمدرسة ومروراً بإدارات التعليم وانتهاء بقطاعات التعليم التنفيذية بالوزارة لتنفيذ المنهج المكتوب)، ويمكن أيضاً تسميته " بالمنهج المنفذ ".

والواقع التربوي في عالمنا العربي والإسلامي بشكل عام يشير إلى أن الاهتمام بالتربية والتعليم أقتصر في بداياته على الجانب الكمي، وتركز العمل في المناهج على برامج محو الأمية وتوفير فرص التعليم لكل فرد(*)، ولذا فيمكن القول أن الاهتمام بمناهج التعليم من الناحية النوعية يُعدّ توجهاً حديثاً في الجملة، ويؤكد هذا أن كثيراً من الدول العربية والإسلامية لديها مشروعات تطوير للمناهج تُعد الأولى في تأريخها التربوي.

وقد سبقت المملكة العربية السعودية كثير من الدول في تأسس الأطر العامة للتعليم من خلال وثيقة سياسة التعليم، والتي تُعد بحق سبقاً تربوياً رائداً يسجل للمملكة العربية السعودية في المجال. وتضمنت وثيقة سياسة التعليم الأسس العامة للمناهج بصورة عامة دون تقسيم إلى أسسٍ عقدية واجتماعية ونفسية.

تصنيف أسس بناء المنهج

شاع تصنيف أسس بناء المنهج إلى مجالات محددة حتى غدا عرفاً عاماً، وقد لا يشكل ذلك خطرًا باعتباره اصطلاحًا ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن ألا يمكن أن يكون هناك تصنيف آخر يمنح بناء المناهج حيوية أكثر وقوة أعمق وديناميكية في التنفيذ أكثر مرونة؟      

ومع ذلك فمن الملاحظ أن التصنيفات التي جرى عليها العمل منبثقة من قوالب فكرية تأثرت بخلفية فلسفية ما، وتعاملت معها على أنها أسس متساوية المستوى.

أو أنها أسس متداخلة على النحو التالي:

ولكن ماذا لو تعاملنا مع هذه الأسس على أنها ترتبط ببعضها بعلاقة هرمية، كما في النموذج التالي:

 


أولاً: الأسس العقدية

مفهوم الأسس العقدية.

العقدية: كلمة مشتقة من عَـقًَـدَ، وتشير إلى العقد أو العهد، والضمان، والتوثق، وهي كناية عن انعقاد الحبل أي توثقه. واعتقد الشئ: أي صلُبَ وأشتدّ، ومنه أعتقد بينها الإخاء أي صدق وثبت واستحكم، وأعتقد كذا أي بقلبه ( الزبيدي، تاج العروس)،  والاعتقاد: افتعال من العقد وهو الربط والشدّ، وفي الاصطلاح حكم الذهن الجازم، يقال اعتقدت كذا أي جزمت به في قلبي، فهو حكم الذهن الجازم، فإن طابق الواقع فهو صحيح، وإن خالف الواقع فهو فاسد (بن عثيمين، 1419هـ ).

والأساس العقدي هو ذلك الأساس الذي يقدم للإنسان النظرة الكلية الشاملة للكون والإنسان والحياة وعلاقة كل منها بالله جل شأنه خالق الكون والإنسان والحياة، وعلاقة الكون والحياة بالإنسان ودور الإنسان في هذه الحياة وما بعد الحياة للإجابة على الأسئلة والغائية والنهائية ( علواني، 1415 ).

وهو ينطلق من اليقين الكامل بكل الإجابات الصادرة من المصادر المعرفية عن طريق الوحي (الكتاب والسنّة ) ولعل هذا فارقاً رئيساً بين مصطلح ( الأساس الفلسفي ) وبين الأساس العقدي، فالأول يشير إلى سمة التأملية والتحليلية وعدم الاستقرار والقابلية للتغيير، وضعف العلاقة بين التصور الفكري وبين السلوك العملي، في حين أن الأساس العقدي يُبنى على اليقينية المطلقة، والتسليم الكامل والثبات وترجمة المعتقد إلى سلوكٍ واتجاهاتٍ وقيمٍ وعلاقاتٍ وقوانين تحكم حياة الفرد المسلم في جميع شؤونه وقضاياه على المستوى الشخصي أو العام.

إن وجود الإنسان حياً يستلزم معتقداً ينظر فيه هذا الإنسان إلى ما حوله من عوالم مشهودة أو مغيبة، ويستخرج تفسيرات للظواهر سواء في نشأتها أو منتهاها أو علاقاتها، وبالتالي فالعقيدة جزء من كينونة الإنسان ووجوده.

والتربية في أسمى أهدافها تسعى إلى إيجاد التكامل بين التصوّر العقدي والواقع العملي، بحيث تكون العقيدة منطلقاً تطبيقاً للحياة، تتعامل مع كل عناصر الكينونة الإنسانية وتلبي كل جوانبها وتتفاعل مع جميع مقوماتها المعنوية والمادية.

إن العقيدة في حقيقة الأمر هي الجوهر الإنساني الذي يخلق السعادة أو الشقاء للفرد فالإجابة الشافية على الأسئلة الكبرى حول أصل الإنسان ونشأة الكون وسرّ الحياة، والحكمة من الخلق ومصير المخلوق، تكشف للإنسان حجمه ودوره ومسؤوليته، وتوجه أهدافه وغاياته في الوجود.

والعقيدة والفلسفة مفهومان متشابهان بينهما قواسم مشتركة في طبيعة الموضوعات المستهدفة، وقواطع اختلاف في الآليات المستخدمة لكل منهما، وتتباين درجة الثقة بالنتائج طبقاً للآلية، وحيث يخلط كثيرٌ من الباحثين بين مفهوم العقيدة ومفهوم الفلسفة، ونظراً لوجود مسمى الأسس الفلسفية في كثيرٍ من أدبيات علم المناهج نرى أنه من الأهمية بمكان إلقاء الضوء حول مفهوم الفلسفة والأسس الفلسفية.

مفهوم الفلسفة.

الفلسفة لفظة يونانية الأصل، تسللت إلى اللسان العربي في وقت مبكر حتى عدت واحدة من الكلمات المولدة، وأصلها لفظتان هما (فيليا) ومعناها الحب (وصوفيا) ومعناها الحكمة ( فينكس،1965). ويعرفها البعض بأنها: " البحث عن الحق والحقيقة، أو محاولة معرفة الموجودات على ما هي عليه بقد الإمكان، أو أنها التساؤل عن قيمة كل ما يحيط بالإنسان في الكون والحياة، أو هي العلم الذي يبحث في الحقائق والمبادئ المتصلة بطبيعة الكون والحياة والإنسان وبوجود خالق الكون والحياة والإنسان" ( الشيباني،1978م، ص14). ويرى ابن رشد أنها النظر في الموجودات نظراً يقوم على البرهان (العراقي،1410هـ).

وللفلسفة مناهج كثيرة مثل منهج الشك والمنهج العقلاني، والمنهج التحليلي وغيرها من المناهج، و بالنظر إلى مفهوم الفلسفة العام وفقاً لما تورده كثيرٌ من الدراسات، ووفقاً لما تحدده مصادره الأصلية الغربية فإن الفلسفة تُعنى بدراسة ثلاثة أمورٍ رئيسية تتمثل في (منظومة القيم، الوجود وأسراره وغاياته،المعرفة وأدواتها ومصادرها)، وتعمل الفلسفة على دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرًا عقليًا، كما أن أدواتها لتحديد هذه العناصر الثلاث تتمثل في البحث والتأمل والتحليل العقلي الذي لا يقبل التسليم والقبول دون مناقشة، والتجريب ليس منهجاً ملائماً للفلسفة، كما أن الظنية والشك من ركائز العلوم الفلسفية إذ أنها لا تقرّ الاستمرارية في قناعة أو رأي مهما كان مصدرة.

التربية والفلسفة.

يكثر استخدام مصطلح الفلسفة التربوية، أو الفلسفة الإسلامية، في كثيرٍ من الكتابات التربوية العربية المعاصرة، ربما قناعةً بأن استخدام مثل هذا المصطلح يجمع بين الأسس العقدية وكيفية توظيفها في عملية التربية، أو حرصاً على عولمة المصطلحات والتخاطب بلغة عالمية، أو لاختلاف الزاوية التي تنظر من خلالها الفلسفة إلى الإنسان والكون والحياة، أو تمشياً مع التيارات المعاصرة (·)... الخ.

والمتعارف عليه أن المصطلحات التربوية بشكل خاص تتباين تعريفاتها ومعالمها إذا اختلفت أطرها الثقافية ومنطلقاتها الفكرية وحدودها ومجالاتها العملية. ولذا فإن اختيار مصطلح ما، هو اختيار تحدده المعايير السابقة، ولا يتوقع تعميمه على كل الثقافات والمدارس الفكرية الأخرى، مع التأكيد أن هناك مساحات مشتركة بين المصطلحات والتعريفات المتناظرة على المستوى العالمي العام.

والفلسفة تبحث في الكليات، والعلم يفكك الكليات إلى جزئيات كي يستطيع العقل استيعابها، وما شرع فلاسفة الغرب في بحث قضية كلية إلا تفرقت بهم السبل، وصاروا يدورون في حلقة مفرغة، وما ذاك إلا لأن العقل مخلوق مصمم للعمل ضمن إطار توجيهي، يؤمن له معطيات ثابتة يتحرك في ثناياها.

ونظراً لسيادة المنهج المادي في البحث فقد حُرم العقل الغربي من الأرض الصلبة التي يحتاجها في عمله، بل إن ذلك العقل صار يخاف من أي شيء ثابت أو مقرر بصورة سابقة أو أولية، والصراع مع المعسكر الاشتراكي كان يرتكز في الأساس على النفور والرفض الشديدين لأية (عقيدة موجهة) يتم إقرارها وفرضها على العقل باعتبارها ثوابت ومسلمات.

وقد يكون السبب الرئيس في اعتماد الأسس الفلسفية في التربية يتمثل في بعضٍ مما يأتي:

·الثورة العلمية في الغرب، والتي ترتب عليها إزاحة الدين عن الحياة بأشكالها السياسة والاجتماعية وحصره فقط بالحياة الشخصية، أعادت المفكرين الغربيين إلى التراث اليوناني الفلسفي (بديلاً عن الدين ) بحثاً عن أجوبة للأسئلة المتعلقة بالغاية من الوجود وأسراره وغيرها من الأسئلة التي لا تستطيع مناهج البحث الحسية الإجابة عليها.

·انعكاس آثار التفوق والعلمي والتقني والمادي للغرب على دول العالم الأخرى أدى إلى سيادة المناهج البحثية الحسية في العلوم النفسية والتربوية في جميع أقطار العالم تقريباً، مما أدى إلى تبنّي القوالب الفكرية لهذه المناهج الماديّة ومحاولة تطويع المعطيات الثقافية المحلية للقوالب الفكرية المستوردة.

·انحسار المعتقدات الغيبية في مساحة محددة وفق الهيكل التنظيمي للمنهج المادّي السائد، ونظراً لتعارضها مع منطلقاته وأهدافه، فقد صُنّفت على أنها علوم لا يمكن إثباتها، تتسم بالظنية، ليست علمية، وليست عالمية.

·غياب المناهج البحثية الصحيحة وعدم الإحساس بالمشكلة الثقافية المنهجية جعل من مخالفة السائد نوع من الشذوذ غير المقبول سواء على المستوى الاجتماعي أو القرار السياسي.

لماذا لا نستخدم مصطلح "الأسس الفلسفية" في المناهج السعودية؟

أكدت وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية على أن التعليم في المملكة متفرد في انبثاقه من الإسلام منهجاً للفكر وشريعة للحياة، ولذا فلم تتضمن الوثيقة أسساً بمسمى فلسفية انطلاقاً من أن الأسس العقدية تغني عن غيرها، وأن لا حاجة لأسس فلسفية في مجتمع يمتلك التصور الواضح للإنسان والكون والحياة والنابع من عقيدته الإسلامية وتصديقه الكامل بكل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ويمكن إجمالاً حصر بعض المحاذير من استخدام مصطلح " فلسفية" في مجتمعٍ تنبثق سياسته التعليمية من الدين الإسلامي الحنيف إلى الأسباب التالية:

·أن التبعية في إخضاع قضايا أساسية في المعتقد الإسلامي تحت مظلة مفهوم الفلسفة الذي يعدها نتاج تحليل تأملي بشري قابل للتغير، قد ينعكس سلباً على صفة اليقينية المطلقة التي يجب أن تكون سمة لهذه المعتقدات.

·بناء على الفقرة السابقة فإن تفريغ كلمة الفلسفة من المضامين العقدية يتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الكلمة ومدلولاتها، ولذا فإن استخدامها للتدليل على مضامين لا تناقش قضايا في العقيدة قد يخرجها عن مفهوم "فلسفة" إلى مفاهيم أخرى.

·ارتبطت هذه الكلمة (فلسفة) في التأريخ الإسلامي بأمرين أولهما: التبعية الفكرية للإرث اليوناني سابقاً والغربي حاضراً، وثانيهما:التمرد الفكري على النصوص القطعية الثبوت بدعوى التحررية ـ التي هي في حقيقتها انفلات من الضوابط الشرعية التي تشكل حماية العقل المسلم من الخوض في أمورٍ وصفها الإمام ابن تيمية بأنها "لا يفهمها البليد ولا ينتفع بها للبيب".

·النظام التعليمي في المملكة العربية السعودية قائم على بناء التصوّر الإسلام الواضح المنبثق من الكتاب والسنّة لبناء عقيدة ثابتة مستقرة، و تعميق حقائق مطلقة لدى الفرد حول القضايا الكلية مثل الوجود، المعرفة، القيم.. الخ. واعتماد أسس فلسفية جدلية في القضايا الكلية والحقائق المطلقة لا يتماشى مع هذا التصوّر.

·أن سيادة مصطلح فلسفة بمفهومة الغربي يشير إلى أهمية إبراز المفهوم العقدي والاقتصار عليه خاصة في ظل تأكيدنا على أن تكون هوية مناهجنا إسلامية عقائدية شاملة.

بالإضافة إلى ما سبق فإن المشكلة لا تكمن في المصطلح ذاته فقط، بل تنبع أيضًا من الهيكل التنظيمي للمعرفة والفكر الذي تنتمي له، والذي لا يتيح المجال لعالم الغيب أن يوجهه هو نحو عالم الحقيقة، وعليه فإن التفريق بين مفهوم الأسس العقدية والأسس الفلسفية لا يحقق لنا بناءاً منهجيًا ينبثق من معطياتنا الثقافية والحضارية فقط، وتكاملاً واتساقًا بين ما يعتقده ويؤمن به الطالب، بل يُعد خطوة أساسية في التحرر من قيود التبعية الفكرية والمنهجية التي تعيشها نظمنا التربوية والتعليمية كافة.

وظائف الأسس العقدية للمنهج.

إن استخدام مصطلح أسس عقدية أو استخدام مصطلح عقيدة لا يختلف كثيراً، إذا أن كليهما يرسمان التصور الفكري واليقين الوجداني نحو القضايا الكلية حول الإنسان، والكون، والحياة، غير أن استخدامنا لمصطلح الأسس فيه نوعٍ من التجديد في لغة الخطاب(*) التي نحتاجها في الوقت الحاضر بما يخدم الهدف، ويوثق الصلة بين المعتقد وتطبيقاته في الحياة، ومن ثم ربط ذلك كله بالتربية بجميع عناصرها (الأهداف، الخبرات التعليمية، طرائق التدريس، التقويم، البيئة المدرسية.. ألخ )

والأسس العقدية ينبغي أن تكون جزءًا من الرؤية العامة للحياة والأحياء، والأولى والآخرة، كما أنها ينبغي أن تكون - في الوقت نفسه - منفتحة على ما يتراكم من الخبرات في الوعي التربوي العالمي، مما يعد تعزيزًا لرؤيتنا العامة أو تفريعًا عنها وتفسيراً لها، وأخيراً فإن طبيعة البحوث التربوية والمناهج الدراسية تتطلب إعادة تنظيم وصياغة للأسس العقدية لكي تتماشي لغة المضامين العقدية مع الأساليب التربوية في بناء نظرية التربية.

ويمكن إيجاز وظيفة الأسس العقدية في ثلاثة أمور رئيسة:

·استكناه خطة بعيدة المدى للتربية؛ حيث إن الخيارات التربوية كثيرة جدًا، ورؤية الناس الأولويات متنوعة إلى حد بعيد. وهو ما يعطي للأسس العقدية دورها في الاشتغال على القضايا الكلية، ورسم الخطط الكبرى والبعيدة المدى.

·قيادة التغيير الاجتماعي، فالمرجعية التربوية تساعد على قبول التغيير ومواكبته، بل إنها تمكن القيادات الفكرية والتربوية من التخطيط للتغيير. وإذا كان الناس يخافون من التجديد باعتباره لونًا من المجهول فإن مهمة الأسس العقدية في التربية أن تمهد السبيل أمام التغييرات المطلوبة والمطالبة بالتفكير الدائم في وضع المجتمع وتلمس ما يصلحه،

·بناء الإطار المرجعي الثقافي للتربية، إذا أن المرجعية التربوية ينبغي أن تكون جزءًا من رؤيتنا العامة للحياة والأحياء، والأولى والآخرة، كما أنها ينبغي أن تكون - في الوقت نفسه - منفتحة على ما يتراكم من الخبرات في الوعي التربوي العالمي، مما يعد تعزيزًا لرؤيتنا العامة أو تفريعًا عنها.

أهم معالم أسسنا العقدية.

·الكون كله مخلوق لله - جل وعلا - (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير) والإنسان جزء من هذا الكون، أوجد على هذه الأرض للابتلاء الذي وسيلته العبادة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). والعلاقة بين الإنسان والكون علاقة تسخير (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في الأرض).

·الوجود البشري ممتد إلى ما شاء الله، ومدة الحياة الدنيا هي الجزء الأقل شأنًا، بينما الحياة الحقيقية هي الدار الآخرة..

·الوحي (القرآن والسنّة) والكون: هي المصادر الأساسية للمعرفة، والعقل والحس هما أدوات البحث للحصول على المعرفة وبنائها وتوظيفها،  وأن الوحي يستقل بمصدريته للمعرفة في مجال المغيبات (الغيبيات)، والعقل يعنى بالفهم والدراسة والاستنباط والتطبيق.

·لا توجد حقيقة دينية وحقيقة علمية، فالحقيقة واحدة سواء كان مصدرها الوحي أو الحس أو العقل، وعليه فمن الممتنع وقوع التعارض بين الحقيقة التي وردت بالوحي والحقيقة التي تم التوصل إليها بالحس أو العقل، لأن مصدر الأمر والخلق واحد.

·سنن الله الشرعية والكونية لا تتبدل ولا تتحول، ويحصل كل من اتبع سنن الله على النتائج القدرية التي رتبها الشارع على إتباع سننه.

·الغاية النهائية للتربية هي تنشئة (الإنسان الصالح) الذي له سلوك واحد وتعامل واحد ومعايير واحدة، فالإنصاف والأمانة والعدل وأداء الحقوق والنصح والإحسان وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ورعاية حقوق الجار... الخ مقومات أساسية يجب أن تتجلى في سلوك المسلم وتعامله مع المسلم وغير المسلم.

·المعرفة في الإسلام تستند إلى مسلمات، أهمها أن الله خالق كل شيء ذو العلم المطلق، وأن القرآن كلام الله، وأن محمدًا رسول الله لا ينطق عن الهوى.

·غاية المعرفة معرفة الله ومعرفة حق الله ومعرفة كيفية أداء ذلك الحق وأداؤه فعلاً. وعمارة الأرض - وفق منهج الله - داخلة في عموم حق الله.

·طلب العلم فرض على كل فرد بحكم الإسلام، ونشره وتيسيره واجب على الدولة بقدر وسعها وإمكانياتها( سياسة التعليم 10).

·تتكامل علوم الشريعة وعلوم الطبيعة على أساس أن الوجود الموضوعي للأشياء والأحياء خلق لله، والقرآن الكريم كلام الله ومحمد صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله، وكل خبر من الله عن خلقه جاء في كتابه أو على لسان نبيه لا يمكن أن يتناقض مع الوجود الموضوعي للحقيقة.

·المنهج الإسلامي في المعرفة في العلوم التطبيقية منهج تجريبي يجمع بين أسلوبي النظر العقلي والاستدلال والأسلوب التجريبي من جهة ويستمد التوفيق والإلهام من الله ويهتدي بالوحي علاوة على أنه رباني الأصل والغاية.

·المعرفة البشرية مهما بلغت لا تصل إلى الكمال؛ لأنها تنبع من طبيعة الإنسان القاصرة المحتاجة إلى الله سبحانه وتعالى دائمًا.

·المعرفة صفة مكتسبة في الإنسان وليست من أصل الخلقة (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)، لكن أدواتها لازمة لها.

قائمة بالأسس العقدية العامة للمنهج.

1.           الإيمان بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً (سياسة التعليم، 2).

2.     الإيمان بالله يتضمن توحيده بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وفق اعتقاد سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.

3.           الإيمان، اعتقاد وقول وعمل، يزيد بطاعة الله وينقص بمعصيته.

4.     شهادة ألا إله إلا الله تقتضي الاستمداد من شرع الله والاحتكام إليه والرضا به (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

5.     شهادة أن محمدًا رسول الله تقتضي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه، ويدخل في ذلك الاعتقاد بحجية سنته (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا).

6.     الإيمان بالملائكة والكتب السماوية. والإيمان بأن القرآن آخر الكتب المنزلة ناسخ لما قبله ومهيمن عليه، والإيمان بالرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.

7.     الرسالة المحمدية هي المنهج الأقوم للحياة الفاضلة التي تحقق السعادة لبني الإنسان وتنقذ البشرية مما تردت فيه من فساد وشقاء (سياسة التعليم، 5).

8.     المثل العليا التي جاء بها الإسلام لقيام حضارة إنسانية رشيدة بناءة تهتدي برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لتحقيق العزة والسعادة في الدنيا والآخرة (سياسة التعليم، 6).

9.     التصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياة، وأن الوجود خاضع كله لما سنه الله تعالى؛ ليقوم كل مخلوق بوظيفته دون خلل أو اضطراب (سياسة التعليم، 3).

10. الإيمان بالكرامة الإنسانية التي قررها القرآن الكريم وأناط بها القيام بأمانة اله في الأرض (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (سياسة التعليم، 7).

11.        الإنسان مخلوق مكلف ميزه الله بالحرية والقدرة على الاختيار في إطار مشيئة الله المطلقة.

12.        غاية وجود الإنسان عبادة الله، وأهم وظيفة للتربية مساعدة الإنسان على تحقيق غاية وجوده.

13.    العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة في المشاعر والشعائر والشرائع والمعاملات.

14.        الناس سواء في أصل الإنسانية وفي أصل المسؤولية الشرعية والتفاضل بينهم عند الله بالتقوى.

15.    النساء شقائق الرجال، والجنسان متساويان في أصل الإنسانية وأصل التكليف الشرعي، وبينهما فروق في الطبيعة ينشأ عنها اختلاف في الأدوار والوظائف معتبر في الشرع.

16.        الإنسان أهل لتحمل المسؤولية الشرعية في سن البلوغ إذا انتفت عنه موانع التكليف.

الإنسان يتفاعل مع البيئة تأثرًا وتأثيرًا، واحتواؤه بالبيئة المشجعة على السلوك المرغوب فيه أمر ضروري لحصول ذلك السلوك.

17.        الحياة ميدان للابتلاء بكل ما يحقق حكمة وجودها من عناصر الابتلاء بالخير والشر، 

18.    الحياة الدنيا مرحلة إنتاج وعمل، يستثمر فيها المسلم طاقاته عن إيمان وهدى للحياة الأبدية الخالدة في الدار الآخرة، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل  (سياسة التعليم، 4).

19.    الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الاعتقاد، ويتضمن الإيمان بالموت وما بعده والبرزخ والجنة والنار وكل تفصيلاتها التي جاءت في كتاب الله وسنة نبيه e، ويقتضي حسن الاستعداد له.

20.        الوقت هو الحياة، وتقدير الطالب لقيمة الوقت واستثماره فيما ينفع من مظاهر إدراكه للتصور الإسلامي للحياة.

21.   القوة في أسمى صورها وأشمل معانيها قوة العقيدة وقوة الخُلق وقوة الجسم، فـ"المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" (سياسة التعليم،27)

22.    الجهاد في سبيل الله فريضة محكمة، وسنة متبعة، وضرورة قائمة وهو ماضٍ إلى يوم القيامة (سياسة التعليم، 26).

23.    الدعوة إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بالحكمة والموعظة الحسنة من واجبات الدولة والأفراد، وذلك هداية للعالمين، وإخراجًا لهم من الظلمات إلى النور، وارتفاعًا بالبشر في مجال العقيدة إلى مستوى الفكر الإسلامي (سياسة التعليم، 25).

24.    العقيدة الإسلامية هي المنطلق الأساس لأي اشتغال بالمنهج الدراسي في المملكة العربية السعودية، سواء في الأهداف أو في المحتوى والتوجيهات أو في الطرق والوسائل والأساليب أو في التقويم، وعليها تبنى جميع عناصر النظام التربوي.

25.    الكون مخلوق لله مسبح بحمده، خاضع لسنته لا يكون فيه إلا ما أراد، وهو مسخر للإنسان، والإنسان مستخلف في الأرض مأمور بعمارتها وفق منهج الله.

26.    قوانين السببية جزء من النواميس الكونية التي سنها الله لتستقيم بها حياة الإنسان، وهي جزء من إرادة الله وتقديره وليست حدًّا لها (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون).

27.        العلم بسنن الله في الأنفس والآفاق وحياة الأمم والمجتمعات يزيد في قدرة الإنسان على الاستفادة من التسخير.

ثانيًا: الأسس الاجتماعية.

ربما تعد الأسس الاجتماعية من أهم الأسس "التي تشكل الصياغة النهائية للمنهج بوصفها المحصلة النهائية لباقي الأسس "أو أن"  المناهج في هيئتها الشمولية انعكاس منظم لما يقوم عليه المجتمع من قيم وأهداف وما يدور فيه من تفاعلات وقضايا" (الفهد، 1420). أو لكونها التي تصوغ السلوك المقبول الذي ينبغي أن يسود في المجتمع ويكون جزءًا من هويته.

إنه عن طريق التربية يمكن للإنسان أن يتأهل للعيش في مجتمع، وقد لا يشعر بعض الناس بحجم الفائدة التي تعود عليهم عند نشوئهم في محاضن اجتماعية مختلفة، وهي فائدة أجل أن توصف، فالمرء المتوحش نشأ - أصلاً - في بيئة متوحشة، والإنسان المهذب اللماح اكتسب ذلك من مجتمع يقدر هذه الصفات، ويربي عليها (بكار، 1422).

وقد يقف طوائف من الناس موقفًا متوجسًا من التغير الذي أصبح سمة للوقت الراهن، رفضاً لمبدأ التغيير وليس لمضمونه, وهذا التوجس هو الذي يدفعهم إلى الضغط على أطفالهم كي يقتدوا بهم، أو بمعنى آخر يصبحوا نسخًا منهم (هوايت، 1991)!!

إن الإصرار على التماثل التام بين الأفراد قد يدفع بالمجتمع إلى التحلل الذاتي، كما أن التنوع الثقافي المفرط ربما أثر سلباً على السمة المميزة للكيان الاجتماعي، مما يعني أن نجاح التربية في مهمتها يتوقف على وجود معايير واضحة تمنحنا القدرة على تبيين القدر المطلوب من التماثل والتنوع في المجتمع (بكار، 1422) وهو ما يبرز أحد أوجه أهمية صياغة الأسس الاجتماعية.

ووجه آخر لأهمية رسم الأسس الاجتماعية هو التمييز بين مبادئ المجتمع ومثله العليا وبين طموحاته ومصالحه وبين تقاليده ومشكلاته؛ حيث إن بين هذه وتلك قدر وافر من التشابك والتداخل العميق، المثل والمبادئ تضغط على المصالح حتى تظل في إطارها، والمصالح تضغط على المبادئ كي تتسع لها من خلال توسيع مدلولاتها والتخفيف من صرامة أحكامها، ومن بين المبادئ والمصالح تتكون البيئة القيّمية والأخلاقية للعمل والإنتاج.

مفهوم الأسس الاجتماعية.

الأسس الاجتماعية - أو كما يسميها بعض المهتمين بـ "الأصول الاجتماعية": مجموعة الركائز التي تعالج المجتمع الإنساني الذي يكون المتعلم عضوًا فيه، وتسهم أن تجعل منه عضوًا فاعلاً منتجًا (الشافعي، 1417).

إن من شأن رسم الأسس الاجتماعية أن يصبح مشروع التربية مشروع مجتمع. وبسبب كون الأسس الاجتماعية - عند بعض المهتمين - هي المحصلة النهائية لباقي الأسس وقع خلط بينها وبين الثقافة والخلفية الفكرية للمجتمع، فصار هناك من يطلق عليها (الأساس الفلسفي الاجتماعي) (السبحي، 1415).

ولعل أبرز سمة يمتاز بها المجتمع هو خصوصيته الثقافية التي ترسم ملامح فكره ومنطلقاته وتنعكس على نظمه وأساليبه وتعاملاته، وحيث يحتاج مفهوم الثقافة إلى تحرير يفصل بين معنى ثقافة الفرد وثقافة المجتمع، نرى أنه من المناسب التعريج على مفهوم الثقافة بصورة موجزة.

مفهوم الثقافة

مصطلح الثقافة من المصطلحات الشائعة والمتداولة على مختلف الأصعدة، وهو - كعدد من المصطلحات - يتمتع بظلال خاص يحدده السياق. ومن اللافت أن الاشتقاق اللغوي لـ(الثقافة) لا يشير إلى أي معنى من معاني الثقافة المستخدمة في العاصر الحاضر، أو كما عبر عنه مالك بن نبي بقوله: المعاني - كما وردت في المعاجم - لا تؤدي إلى حل مشكلة التعريف(بن نبي، 1399).

وربما كان أهم سبب هو ما أشار إليه بعض الباحثين بقوله: "نحن اليوم نستعمل لفظ الثقافة في معنى لفظ (culture) الغربي، مع أن معاني المصطلحين لا تتطابق، والاستعمال في ذاته خطأ، ولكنه خطأ شائع (مؤنس، 1398).

والكلمة في أصلها اللغوي يراد بها إصلاح الشيء وتهذيبه وإعداده للاستعمال، وفي اللغة اللاتينية (culture agri) إصلاح الأرض وزراعتها، فكلمة ثقافة كانت تدل بوجه عام على المعنى المادي والتقني: استصلاح الحقول والأراضي لحصد حبوبها ونباتها وثمارها (مؤنس، 1398هـ).

وقد استعملت بمعان أخرى، فاستعملت في الأدب اللاتيني المسيحي بمعنى تهذيب الروح والتهذيب الرباني، كما استعملها بعض الفلاسفة بمعنى تهذيب العقل، واستعملت أيضًا بمعنى عبادة، ولكن الكلمة ظلت تحتفظ بالمعنى الأصلي إلى مجيء عصر النهضة، الذي استخدم اللفظ في المعنى المجازي.

تطور المفهوم فيما بعد، وفق التدفق الحضاري والمدني الذي شهدته المجتمعات الأوربية، وفي نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان هناك شبه اتفاق بين علماء الأنثروبولوجيا على الأخذ بالتعريف الذي وضعه تايلور في افتتاحية كتابه (الثقافة البدائية) الذي ينص على أن الثقافة "هي ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعادات وغيرها من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع" (عاطف، 1971).

ولنا أن نتصور أن مصطلح الثقافة نفسه الذي خرج من الرحم الغربي يوجد له ما يربو على 160 تعريفًا(*)، صنفت - فيما بعد - على النحو التالي (غيث، 1979):

·التعريفات الوصفية، باعتبار الثقافة تتضمن كل مظاهر العادات الاجتماعية في المجتمع المحلي.

·التعريفات التاريخية، بوصف الثقافة جانبًا من التراث.

·التعريفات المعيارية، بوصف الثقافة تقدم أسلوب الحياة.

·التعريفات النفسية، وهي التي ترجع الثقافة إلى عمليات سيكولوجية، نحو أن الثقافة تعبر عن الحلول المألوفة والمكتسبة للمشكلات.

·التعريفات البنائية: وتهتم بالطابع النوعي للثقافة والعلاقات المتبادلة بين جوانبها.

·التعريفات التطويرية، ويهتم هذا النوع من التعريفات بظهور الثقافة وعوامل تطورها وتدهورها.

وهكذا فكلٌ يُعرِّف الثقافة حسب المنهج الذي يدرس به تلك المشكلة، لذا جاءت التعريفات مختلفة، وإذا كانت التعريفات صُنفت بهذا الشكل التفرعي الموسع فإن مالك بن نبي يذهب إلى أن مجموع ما قيل في الثقافة من تفسيرات يرجع إلى مدرستين:

الأولى: المدرسة الغربية التي ترى أن الثقافة ثمرة الفكر أي ثمرة الإنسان.

الثانية: المدرسة الماركسية التي ترى أن الثقافة في جوهرها ثمرة المجتمع.

مع مراعاة أن تقسيم المدارس لا يعني وضع حد صارم بين الاتجاهين، فالهدف منه إيضاح الفروق ذات الأثر بين صورتين.(بن نبي، 1399).

ومع أن أكثر التعريفات - على اختلاف في تحديد ضابط الثقافة الدقيق - تشير إلى أنها مجموعة السمات التي تحدد مجتمعًا ما، فإنها ما زالت تستخدم للتعبير عن امتلاك بعض الأفراد معرفة واسعة في علم من العلوم أو امتلاكه معرفة واسعة لمجموعة من العلوم، حتى ظهر القول المشهور: الثقافة أن تعرف كل شيء عن شيء، أو تعرف شيئًا في كل شيء!، وتعرف الثقافة أيضاً على أنها الموروث المادي والمعنوي للشعوب (السويدي، 1417)، أو هي جميع أساليب الحياة السائدة في المجتمع، سواء الجانب الفكري أو الجانب المادي، بمعنى أن الثقافة تشمل طرق الإنتاج التي تتأثر بالظروف الطبيعية لكل مجتمع كما تشمل الأساليب العلمية وغير العلمية وأنواع المعرفة والعادات والتقاليد ووسائل التبادل الفكري من لغة ورموز وأصوات وأدوات مختلفة ونظم عائلية واقتصادية وسياسية وقضائية، هذا بالإضافة للمعاني المختلفة للحقوق والواجبات والمسئوليات والأخلاق (الجمل، 1988).

وفي هذا السياق كان من توصيات اليونسكو - خلال مؤتمرها للثقافة عام 1982م - تحديد تعريف للثقافة، والتي عبرت عنه بـ"الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعًا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات، والثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته وهي التي تجعل منه كائناً يتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي وعن طريقها نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار، والثقافة هي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه والتعرف على ذاته بوصفه مشروعًا غير مكتمل وإعادة النظر في إنجازاته والبحث - دون توان- عن مدلولات جديدة وإبداعات وأعمال يتفوق فيها على نفسه (مرسي، 1417).

لكن السياق السابق يشكل أحد الاتجاهات في تعريف الثقافة، وهناك من يتفق مع الفكرة الأساس للثقافة لكنه يستثني المسائل الدينية السماوية؛ بوصفها غير داخلة في الموروث البشري، وعليه يتشكل تعريف هذا الاتجاه على النحو الآتي:  كل ما توفر للإنسان وللمجتمعات البشرية - عبر السنين - من علم ومعرفة وخبرة وعادات وتقاليد وتعامل سواء من العالم المادي أو مع بعضهم البعض. والثقافة بهذا المعنى - كما يرى أصحاب هذا الاتجاه - تشمل جميع جوانب حياة الإنسان والمجتمعات باستثناء الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام؛  فالله هو الذي أرسل رسله بهذه الأديان للناس لتنظم حياتهم وتحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة (الشافعي، 1417).

وهناك اتجاه يضيف قيدًا في توصيف الثقافة، وهي كل ما يملكه المجتمع أو ما توصل إليه في المجالات الإنسانية المتاحة ويمكن نقله اجتماعيًا لا وراثيًا حتى وإن شكلت سمة لذلك المجتمع (نجار،1412هـ ).

وفي محاولة للجمع بين بعض الاتجاهات في تعريف الثقافة نجد من يفرق بين الثقافة بوصفها مصطلحًا مفردًا وبين الثقافة إذا أضيفت إلى الأمة أو المجتمع، فلفظة الثقافة - مجردة - هي الأخذ من كل علم بطرف، دون التعمق في دراسة علم من العلوم، أما حين يضاف إليها (المجتمع أو الأمة) فالمراد تراث تلك الأمة أو ذلك المجتمع الحضاري والفكري في جميع جوانبه النظرية والعلمية التي تميزها، بحيث تشكل إطارًا محيطًا يحكم الأفراد والأسر والمجتمع في كل أمة (الأشقر، 1423). وظاهر أن هذا الاتجاه يرى أن القضايا (الإيديولوجية - الدينية) أحد مدخلات الثقافة الرئيسة.

لكن هذه الاتجاهات ركزت على (الثقافة) الاجتماعية دون الإشارة إلى ثقافة الفرد التي تعبر عن هويته بوصفه فردًا، فقد لا يكون هناك كبير فرق أن نطلق على المخزون الفكري والسلوكي والعلمي لامرئ ما بأنه ثقافة إذا كان متسقًا مع ثقافة مجتمعه، لكن هل يطلق على هوية فرد خالف - جزئيًا أو كليًا - ثقافة مجتمعه بأنها ثقافة؟ وإذا كان مالك بن نبي يرى أن الثقافة هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته فما معنى قوله عن الثقافة: إنها مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته؟ حيث جعل الفرد - في المرة الأولى - مشكِّلاً وفي المرة الثانية مشكَّلاً!.

مما سبق فإن تعريف مفهوم لمصطلح ثقافة يرتبط بمحددات متعددة، فثقافة الفرد، تختلف عن ثقافة المجتمع، تختلف أيضاً عن مصطلح الثقافة المجرد، وما يعنينا في هذه الورقة هو ثقافة المجتمع  ويمكن تعريفها إجمالاً بأنها: السمة الفكرية والمنهجية للأمة التي تميزها عن غيرها من الأمم وتبرز هويتها وشخصيتها وتظهر في سلوكيات الأفراد والجماعات فيها.

التنشئة الاجتماعية.

التنشئة الاجتماعية هي "أسلوب تربوي يستهدف تحقيق التطبيع الاجتماعي من خلال عملية تفاعل مستمر بين الإنسان وبيئته، على نحو يجنب الناشئة مضار المشكلات الاجتماعية، بحلها أو التقليل منها؛ ليتمكن من العيش في المجتمع وتمثل معاييره وقيمه واتجاهاته التي يخطط الإعلام الواعي لإكساب الناشئة إياها، ويمده بأصول التفكير الاجتماعي الذي يدعم عملية توافقه الاجتماعي مع المجتمع والاستجابة السليمة للمتغيرات الاجتماعية في إطار استراتيجية إعلامية واعية تأخذ في الاعتبار كافة العوامل المؤثرة في التنشئة" ( أبو سعد، 1413).

تشمل عملية التنشئة الاجتماعية - بوصفها أهم العمليات الاجتماعية ما يلي:

1.     ضبط السلوك الذي تكسبه مؤسسات المجتمع من خلال المعتقدات والأخلاقيات واللغة والعادات.

2.  اكتساب المعايير الاجتماعية، وهي التي تسهم في ضبط السلوك من خلال منظومة المجتمع الثقافية أو إطارها المرجعي.

3.  اكتساب المراكز/المكانة الاجتماعية، وهو تنظيم اجتماعي لأدوار معينة يقوم بها الفرد وفق ظروف تشمل جنسه وعمره ومهنته.. الخ.

4.  اكتساب الأدوار الاجتماعية، وهو أداء الفرد داخل الإطار الاجتماعي العام لتشكل الأدوار حياة اجتماعية منسجمة وبيئة مشجعة للنمو والتطوّر والإنتاج، ويرتبط الدور الاجتماعي بمركز الفرد الاجتماعي، غير أنه لا يقتصر عليه.

هناك جوانب في شخصية الإنسان لا ينضجها إلا الزمن، ويجب أن نعطيه الفرصة الكافية، فلكل مرحلة عمرية درجة من النضج يصعب تجاوزها، ولها مشكلات لا يمكن حلها إلا على نحو جزئي، ولذا فإن العجلة هي العدو الأول للتنشئة الاجتماعية

أن ننشئ الأطفال على قيم ومثل فضلى تتواءم والتغييرات الاجتماعية، وتنبثق من الثوابت العقدية قد يستلزم تربية متجددة عن الأسلوب التربوي الذي مورس معنا في وقت ما.

ومن أبرز مؤسسات التنشئة الاجتماعية في  المجتمع المسلم:

الأسرة، وتتمتع باتفاق من قبل المختصين بأنها صاحبة التأثير الأكبر في رسم معالم شخصية الناشئة، وفي الحديث (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه… الحديث) وتثبت دراسات كثيرة أن الخطوط الأساسية في شخصية الطفل يتم رسمها في السنوات السبع الأولى من عمره. ويؤثر في أدائها التربوي عدد من الأمور، منها تأريخ للأسرة ومستواها الاقتصادي والثقافي؛ حيث يشكل الفقر الشديد وتدني المستوى الثقافي أكبر عقبة في تحقيق الوعي وتوفير الإمكانات التي تتطلبها الأعمال الفاضلة والنظر إلى المستقبل بدافعية وطموح وتوظيف الفرص المتاحة، كما أن الثراء قد يؤدي إلى ترهل المشاعر وغلبة الترف الذي يتنافى مع النمو المتزن، وتشير دراسات (اجتماعيات التربية) إلى أن أسلوب الأسرة في التعامل مع أفرادها له أثره في ارتفاع/انخفاض الإنجازات.

المسجد، وهو المكان المعد لأداء الصلوات جماعة - في أصل نشأته -، لكن دوره يتجاوز تلك الصورة إلى كونه مكانًا معتمدًا للعلم والرقي بالوعي الأخلاقي والاجتماعي وتعزيز الاتجاهات السوية ومقاومة الاتجاهات المشوبة، كما أنه ملتقى اجتماعي يؤصل مبدأ المساواة والأخوة ويعمق العلاقات الاجتماعية في أسمى صورها دون أي اعتبار للفروق الاجتماعية التي تتقافز بين فترة وأخرى في المجتمعات. ويرتبط دور المسجد الاجتماعي بسمو النفس وتهذيبها وتذكيرها - من خلال مبناه أحيانًا - بحقائق إيمانية وكونية لا يسوغ أن تغيب أو يطول غيابها.

المدرسة، وهي مؤسسة اجتماعية طارئة، أنشئت لتحقيق أهداف مرغوبة على المستوى الاجتماعي، وتتركز رسالتها في تحقيق التربية الإسلامية بأسسها الفكرية والعقدية والتشريعية وتنمية مواهب النشء وقدراته، وتتلخص وظائفها في نقل التراث الثقافي وتبسيطه ومعالجته ومنح الهوية الثقافية والاجتماعية تماسكًا وانسجامًا، وقيادة التغير المنضبط نحو الأفضل.

المجتمع العام، وهو ليس مؤسسة لكنه يحوي مؤسسات (كالمؤسسات الإعلامية) تعمل على تشكيل الفرد وبلورة فكره وسلوكه، وله تأثيره غير المنظور على السلوك، غير أن ضبط (المجتمع العام) وتحديد معايير له متعذر في ظل عدم إمكانية ضبط متغيراته ومدخلاته، ويتمثل في الثقافة العامة للأفراد، المتغيرات الداخلية والخارجية في المجتمع، المناخ العام للقيم و المبادئ،...الخ.

العلاقة بين التربية والمجتمع:

حول التغيير الاجتماعي.

يعرف علماء الاجتماع التغير الاجتماعي بأنه "كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معينة. والتغير الاجتماعي - على هذا النحو - ينصب على كل تغيير يقع في التركيب السكاني للمجتمع، أو في بنائه الطبقي، أو نظمه الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية أو في القيم و المعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد و التي تحدد مكاناتهم و أدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها" (zaki badawi, 1982. p.382).

ويسمى التغير تغيرًا اجتماعيًا عندما يتناول المراكز والأدوار الاجتماعية المرتبطة بهذه المراكز، و أيضًا يتناول العلاقات الاجتماعية التي تتبع التغير في البناء الاجتماعي للمجتمع، مثل خروج المرأة إلى العمل قد يترتب عليه تغير في العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة وتغير المراكز والأدوار الاجتماعية في الأسرة ومن ثم في المجتمع. ويمكن أن يوصف التغير الاجتماعي بالتطور أو التقدم إذا تم وفق عقيدة المجتمع وثوابته التي قام عليها، أو لم يتعارض أو يخدش قيم وثوابت المجتمع، وكان له دور إيجابي في حل مشكلات المجتمع و إشباع حاجاته بصورة مرضية.

عوامل التغير الاجتماعي:

هناك عوامل عدة للتغير الاجتماعي، تختلف بدرجة أهميتها حسب طبيعة المجتمعات و قوة المؤثر وهي كالتالي:

 أولاً: العوامل الثقافية:

تؤدي العوامل الثقافية دور كبير في تغير المجتمع سواء كان هذا التغير إلى الأحسن أو إلى الأسوأ.

 وقد يحدث التغير الاجتماعي نتيجة دخول عناصر ثقافة جديدة في ثقافة المجتمع الأصلية. وبشكل عام فكل إتصال ثقافي للمجتمع يترتب عليه تأثيرُ متبادل ينعكس على ثقافة المجتمع ويحدث تغيراً تبعاً لطبيعة التأثير.

ثانيًا: العوامل السكانية:

قد يحصل التغير الاجتماعي نتيجة للهجرة الداخلية من الريف أو البادية إلى المدن أو نتيجة للهجرة الخارجية من دولة إلى أخرى. وازدياد السكان له دور كبير في التغيير الاجتماعي سواء كان في الأدوار والمراكز الوظيفية أو في العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. كما أن للنمو السكاني دورًا كبيرًا في توفر أو قلة فرص العمل داخل المجتمع وفي توفير الخدمات و إشباع حاجات المجتمع.

في المقابل فإن نقص عدد السكان المفاجئ يؤدي إلى التغير الاجتماعي سواء كان سبب النقص كثرة الوفيات أو الهجرة العكسية. أيضا زيادة جنس الإناث على الذكور أو العكس أو زيادة أعداد الشباب أو الأطفال كل هذا يؤدي إلى تغير اجتماعي ينبغي أن يؤخذ في الحسبان في التخطيط و التنمية.   

ثالثًا: العوامل البيئية أو الجغرافية:

تشير الدراسات الجغرافية والاجتماعية والأنثروبولوجية إلى وجود علاقة و وثيقة بين التغيرات الجغرافية البيئية وبين التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع (الخشاب، 1965)، والتغيرات البيئية تكون ذات تأثير قوي على نمط المعيشة في المجتمعات، وتختلف هذه التغيرات البيئية في درجة تأثيرها على طبيعة الحياة في المجتمعات المختلفة فبينما لا يكون تأثير اختلاف المناخ كبيرًا، فإن الجفاف أو اكتشاف المعادن أو البترول يكون آثره كبيرًا على نمط معيشة المجتمع (السيد، 1413)، فظهور حرف أو مهن جديدة واحتياج المجتمع لها أو اختفاء بعض المهن كل ذلك يؤدي إلى تغيرات اجتماعية داخل المجتمع يحسن مراعاتها واستشراف المستقبل لآثارها و طرق إشباع حاجات المجتمع المترتبة عليها. وينبغي أن يكون للمؤسسات التربوية دور كبير وواضح في التعامل مع هذه المتغيرات، ويبرز هذا الدور من خلال تطوير المناهج وإعدادها حتى تواكب هذه التغيرات البيئية والجغرافية و تهيئ الأجيال القادمة للتأقلم والتعامل مع الأوضاع الجديدة في المجتمع من خلال إكسابهم قيمًا مهنية ومهارات عملية تساعدهم على الإفادة من التغيرات الجديدة في المجتمع.

رابعًا: العوامل الاقتصادية:

لقد امتد أثر التقدم الصناعي إلى نمو تطبيقات التكنولوجيا فازدادت المخترعات والآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية والميكانيكية والإلكترونية وغيرها، مما أثر في حياة الناس ونمط معيشتهم ومستواه. لذا أصبح النمو الاقتصادي أساسًامهمًَا في التغيير الاجتماعي. ومن العوامل الاقتصادية انتشار الصناعة المحلية واستثمار رؤوس الأموال الداخلية وتشجيع القطاع الخاص وهذه الأسباب لها أهميتها في عملية التغير الاجتماعي.

وفي المقابل فإن انتشار الفقر بين أفراد المجتمع والعجز الاقتصادي يكون له دور كبير أيضًا في التغير الاجتماعي. كما أن سيادة نظام اقتصادي معين قد يسهم في تغيير المجتمع وسيطرة فئة معينة على رؤوس الأموال والسيطرة على الأسواق والأسهم والبنوك.

خامسًا:العوامل التقنية:

(العالم اليوم قرية صغيرة) جملة أصبحت مألوفة بعد القفزة السريعة في عالم الاتصالات والتواصل بين الشعوب سواء بتسهيل السفر أو بالاحتكاك المباشر مع الحضارات الأخرى أو من خلال أجهزة الاتصال الحديثة والتي تعد القنوات الفضائية من أكثرها انتشارًا و تأثيرًا. وتعد شبكة الإنترنت من العوامل الإلكترونية المؤثرة في تدفق المعلومات والتواصل غير الخاضع للرقابة. وهذا التواصل بين الشعوب يكون محمودًا ويكون مذمومًا حسب آثاره وتأثيره على ثوابت وقيم المجتمع وهل التأثير من جانب واحد أو متبادل حسب مصلحة كل مجتمع.

أساليب التعامل مع التغير الاجتماعي:

من سمات التغير الاجتماعي في العصر الحديث سرعته و تأثيره في جميع أو أكثر جوانب الحياة. و هذه السرعة ناتجة من تضافر أسباب التغيير و تفاعل بعضها مع بعض. وتزداد سرعة التغيير كلما زاد تفاعل الأسباب بعضها مع البعض الآخر. ويشهد هذا العصر تغيرات اجتماعية وثقافية سريعة أدت إلى تغير و تحديث في الكثير من الدول كل على حسبه. وقد ينطبق ذلك على الكثير من الدول العربية وخاصة الدول الخليجية. فقد ساعد الاتصال بين المجتمعات والاتصال الثقافي والانتشار الثقافي نتيجة للانفتاح على العالم الخارجي والتبادل الثقافي ورغبة الكثير من هذه الدول في التحديث ومسايرة العصر إلى انتشار عناصر ثقافية جديدة لم تكن معروفة من قبل في هذه المجتمعات مما أدت بدورها إلى تغيرات جذرية في هذه المجتمعات (المرجع السابق).

وتختلف أساليب التعامل مع المتغيرات حسب نوع المتغير وحجم أثره في المجتمع سلبًا أو إيجابًا.. ولكي يؤدي المنهج الدراسي ما يتوقع منه في التعامل مع التغير الاجتماعي لابد من مراعاة ما يلي:

·        هوية المجتمع ووحدته ومقوماته الرئيسة.

·        القيم والعادات الحميدة والتميز بين الثابت والمتغير.

·        إعداد أفراد المجتمع ثقافياً ومهنيًا.

·        التكيف مع المتغيرات والإفادة منها وإحداثها، وقيادتها.

المنهج و المجتمع.

تختلف الآراء حول دور المدرسة ومناهجها تجاه مشكلات المجتمع، ويرجع هذا الاختلاف إلى عوامل عدّة من أهمها الفلسفة التربوية للمجتمع ويمكن تصنيف الإتجاهات التربوية نحو دور المدرسية إلى الاتجاهات الآتية:

·    وظيفة المدرسة - كمؤسسة تعليمية - يجب أن لا تتعدى نقل التراث الثقافي والمحافظة عليه وعلى الأوضاع الاجتماعية، و بالتالي لا تتعرض لما هو موجود في المجتمع من مشكلات أو تغيرات، وليس من مسؤوليات المدرسة تطوير المجتمع. ومن ثم يهدف منهجها إلى تبسيط الثقافة ونقل المعارف والحقائق وتنمية المهارات الأساسية. وهذا توجة المدرسة التقليدية traditionalism.

·    وظيفة المدرسة عرض مشكلات المجتمع دون التعرض لحل هذه المشكلات أي تعكس مناهجها ما هو موجود في المجتمع، و تأخذ دورًا محايدًا إزاء ذلك، خاصة عندما تكون المشكلات تتعلق بالاتجاهات والقيم في المجتمع. وحجة هذا الفريق في تبني هذا الرأي هو أن المدرسة إذا قامت بدور إيجابي لحل المشكلات في المجتمع وتوصلت إلى حلول فإنه ليس لديها السلطة لتنفيذها أو فرضها على أفراد المجتمع. كما أنه في حالة المشكلات التي تتعلق بالاتجاهات والقيم لا تستطيع أن تتخذ موقفًا يناصر فئة من المجتمع على فئة أخرى فتصبح بذلك من عوامل تفكك المجتمع. ويؤمن بهذا الدور أنصار المدرسة الفلسفية الوجودية.existentialism .

·    وظيفة المدرسة أن تأخذ دورًا إيجابيًا في حل مشكلات المجتمع، ويؤمن هذا الفريق بالدور القيادي للمدرسة في العمل على تطوير المجتمع وتقدمه مع المحافظة والتطوير لعاداته وتقاليده والتزامها بالدور التربوي الشامل أمام المجتمع. و هذا الاتجاه هو الاتجاه السائد بكثيرٍ المجتمعات وخاصة مجتمعاتنا الإسلامية، والتي تختلف في مدى تحقيقها فعلياً لدور المدرسة المنشود. ومن أبرز المدارس التي دعت إلى هذا الاتجاه المدرسة التجديدية في التربية reconstructionism   

إن دور المدرسة في إعداد المواطن الصالح وبناء الفرد السوي يمثل ركيزة أساسية في معالجة مشكلات المجتمع وتطويره، غير أن هناك استراتيجيات مستمرة يمكن من خلالها أن تسهم المدرسة في تطوير المجتمع:

·    تزويد الطلاب والمعلمين بالمعارف والمعلومات التي تلقي الضوء على نشأة المشكلات وتتبعها تاريخياً وتحديد مواطنها وكيفية علاجها.

·        تنمية مهارات التفكير المتنوعة وأسلوب حل المشكلات والمنهج العلمي للبحث والتفكير لدى الطلاب.

·        تدريب الطلاب على حل المشكلات، والتفاعل الإيجابي مع المعوقات الحياتية اليومية.

·        الإسهام في حل المشكلات الاجتماعية القائمة عبر محتوى المنهج من خلال التعلم بالمواقف الحياتية الحقيقية.

·    التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية في البيئة المحيطة بالمدرسة والمشاركة بفعالية في معالجة مشكلات المجتمع من خلال مجالس الآباء وعبر التواصل مع القنوات الرسمية الأخرى.

ومن المعلوم أن المناهج الدراسية في كافة المستويات التعليمية تخضع لطبيعة المجتمع من حيث عقيدته وثقافته وحاجاته وآماله التي يرجو تحقيقها في أبنائه. ومن المبادئ المتفق عليها بين رجال التربية أن تكون المناهج وثيقة الصلة بحاجات التلاميذ والمجتمع بحيث تعمل على تلبيتها (سرحان، 1981).

وتُصنّف النظم التربوية من حيث مدى العلاقة فيها بين المنهج وتحديد الحاجات إلى ثلاثة أنماط رئيسة:

·    المنهج المركزي، وهو السائد في النظم التربوية المركزية حيث تُحدد الحاجات من قبل سلطة تشريعية علياً، ويتم بناء المناهج وتصميمها في مركز واحد لجميع طلاب المجتمع، وهو النظام المعمول به حالياً في المملكة العربية السعودية.

·    المنهج غير المركزي، وتبعاً لهذا القسم فإن السلطة التشريعية ( الدستورية ) العليا تحدد الأهداف العامة وغايات التربية، ويترك لكل منطقة تعليمية ترجمة هذه الأهداف وفقاً لما تراه المنطقة من مناهج مناسبة.

·    المنهج شبة المركزي، ويُعد هذا التوجه الأحدث، حيث تتولى السلطة التشريعية التربوية العليا بناء مناهج عامة للمقررات الدراسية، تُحدد فيها الأهداف والمهارات المتوقع إكسابها للطالب، ويترك لإدارات التعليمية تحقيق أهداف المواد المناهج من خلال الكتب والأساليب التربوية التي تراها المدرسة.

ومن خلال استعراض الأنماط الثلاثة السابقة فإن دائرة دور المنهج في تلبية حاجات المجتمع تتحدد وفقاً لطبيعة العلاقة بين النظام التربوي والمنهج.

قائمة بالأسس الاجتماعية

1.     المجتمع السعودي مجتمع مسلم تنبثق ثقافته من الإسلام بوصفه نظامًا إلهيًا ومنهج حياة شامل يرشد العباد إلى الحق والخير في معتقداتهم وشعائرهم ومعاملاتهم.

2.     المجتمع السعودي له تاريخ عريق نتصل بالتاريخ الإسلامي المليء بالمنجزات العظيمة والمواقف الرائعة والتجارب الثرية.

3.     شخصية المملكة متميزة؛ بما خصها الله به من حراسة مقدسات الإسلام وحفاظها على مهبط الوحي، واتخاذها الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ودستور حياة، واستشعار مسؤوليتها العظيمة في قيادة البشرية بالإسلام وهدايتها إلى الخير (سياسة التعليم، 23).

4.     اللغة العربية لغة المجتمع السعودي، وهي مكون أساس من مكونات هويته الثقافية وتمتين وحدته وانتشار حضارته.

5.     اللغة العربية لغة القرآن الكريم، وهي لغة عالمية لها إسهاماتها الكبيرة في التقدم الحضاري العالمي، وهي لغة حية قادرة على استيعاب ما تنتجه الحضارات الأخرى، ويجب الاعتزاز بها وصيانتها.

6.           إتقان اللغة العربية الفصحى أمر مهم لحياة الفرد وترقيه في المجتمع السعودي.

7.     الأصل هو أن اللغة العربية لغة التعليم في كافة مواده وجميع مراحله، إلا ما اقتضت الضرورة تعليمه بلغة أخرى (سياسة التعليم، 24).

8.     القيم والمبادئ والمثل في المجتمع السعودي والمستمدة من دينه وتاريخه ولغته، لها دور رئيس في ترابط أفراده وتفاهمهم وتشكيل شخصياتهم وهي الأساس في البناء الثقافي والقيمي السليم.

9. الاتصالات الحديثة زادت في سهولة انتقالات الثقافات، وسرعة وتيرة التغيرات      الثقافية والاجتماعية، وفي المجتمع السعودي تقوم المتغيرات الثقافية على أساس        من الثوابت، ويرد كل متغير يعود على ثابت بضرر.

10. المجتمع السعودي مجتمع مسلم معاصر متفاعل مع العالم غير معزول عنه، يسعى إلى الارتقاء بأفراده إلى مستوى الحصانة الذاتية والقدرة على تحمل المسؤولية والشعور بالانتماء المثمر، والاعتزاز بالهوية الثقافية، والقدرة على المنافسة و القيادة والتغيير.

11. المدرسة مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية في المجتمع السعودي تتكامل في دورها مع بقية مؤسسات المجتمع، ولها أهمية في ضبط سلوك الفرد وإكسابه المعايير والقيم الاجتماعية وتعريفه بأدواره الاجتماعية وإعداده لها.

12. الأسرة نواة المجتمع السعودي وينبغي أن تتكامل مهمتها مع مهمة المدرسة في تنشئة الفرد على أساس من العقيدة الإسلامية الصافية.

13. للمسجد أهمية كبيرة في تنشئة الفرد في المجتمع السعودي، وهو أساس رئيس في تربية الفرد وبناء شخصيته.

14. ترتبط التربية والتعليم في جميع المراحل بخطة التنمية العامة للدولة. (سياسة التعليم، 15).

15. التغير والتغيير من سمات المجتمعات في العصر الحديث، وعلى المدرسة أن تعد الطالب ليكون قادرًا على الاختيار من بين البدائل على نحو يكفل أن تكون استجابته للتغيير متوافقة مع ثوابت المجتمع السعودي وقيمه الإسلامية.

16. عقيدة المجتمع السعودي الإسلامية حصن منيع في مواجهة التيارات الفكرية والثقافية والقيم والاتجاهات المخالفة لقيم المجتمع وثوابته.

17. للعمل المهني قيمة اجتماعية في تماسك أفراد المجتمع والرفع من مستوياتهم المادية والمعنوية وسد احتياجات المجتمع…

18. لكل من الرجل والمرأة دور في بناء المجتمع يقوم على أساس من المساواة في الإنسانية والمواطنة والتكليف الشرعي والاختلاف في الطبيعة والوظائف والمهمات.

19. تقرير حق الفتاة في التعليم بما يلائم فطرتها ويعدها لمهمتها في الحياة على أن يتم هذا بحشمة ووقار، وفي ضوء شريعة الإسلام؛ فإن النساء شقائق الرجال (سياسة التعليم، 9).

20. الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية وأنها خير أمة أخرجت للناس، والإيمان بوحدتها على اختلاف أجناسها وألوانها وتباين ديارها (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [سور الأنبياء: 92]. (سياسة التعليم، 17).

21. الارتباط الوثيق بتاريخ أمتنا وحضارة ديننا الإسلامي، والإفادة من سير أسلافنا؛ ليكون ذلك نبراسًا لنا في حاضرنا ومستقبلنا. (سياسة التعليم، 18).

28. التضامن الإسلامي في سبيل جمع كلمة المسلمين وتعاونهم ودرء الأخطار عنهم. (سياسة التعليم، 19).

29. احترام الحقوق العامة التي كفلها الإسلام وشرع حمايتها؛ حفاظًا على الأمن، وتحقيقًا لاستقرار المجتمع المسلم في الدين والنفس والنسل والعرض والعقل والمال. (سياسة التعليم، 20).

30. التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع: تعاونًا ومحبة وإخاء وإيثارًا للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة. (سياسة التعليم، 21).

31. النصح المتبادل بين الراعي والرعية بما يكفل الحقوق والواجبات وينمي الولاء والإخلاص. (سياسة التعليم، 22)

ثالثًا: الأسس النفسية

نبذة عن علم لنفس الحديث

يواجه علم النفس عددًا من الإشكالات على الصعيد النظري والتطبيقي على حد سواء، وثمة متخصصون في علم النفس لا ينظرون إلى النفس إلا من خلال عيوبها وأمراضها، وآخرون سبروا السلوك الإنساني في مجتمعاتهم الخاصة التي لها أثرها في تشكيل السلوك، منطلقين منها في تعميم نتائج الدراسة أو البحث.

ومن المعلوم أن الأسس النفسية تعنى بالمبادئ والقوانين العامة لسلوك الإنسان، ويشمل ذلك نظريات النمو والتعلم، والعوامل المؤثرة في السلوك الإنساني سواءً البيئية منها والوراثية ( علام، 1982م )، انطلاقاً من أن الإنسان يقضي سنوات طويلة من عمره وهو في بيئية تعليمية تعلّمية تتيح له فرصة بناء شخصيته وتعينه على تحديد هويته الثقافية والاجتماعية والفردية، في ظل نظم اجتماعية وسياسية تحدد له ثقافة المجتمع ومنطلقاته لتجعل منه عنصراً فاعلاً وإيجابياً للمجتمع الذي يعيش فيه.

وبالرغم من الكم الهائل من التراث الإسلامي من القرآن والسنّة حول النفس البشرية وكيفية تقويمها وتهذيبها، إلاّ أن علم النفس بشكل عام، ونظريات التعلّم السائدة في الوقت الحاضر نبتت في بيئة غربية أضفت عليها سمة عالمية في ظل غياب تقويم صادق لمدى مصداقية هذه العلوم في البيئات الثقافية المختلفة.

وقد جاء في بحث للعالم البريطاني (آيزنك،1998) يشكو فيه من أن علم النفس الأمريكي الذي سيطر على أوربا وبريطانيا هو علم بُني على الدراسات التي أجريت على طلاب الجامعات الأمريكية، ويجب تأصيله ليناسب البيئات الأوربية، فإذا كان هذا الملحظ يشكل مفارقة على الصعيد الغربي نفسه وفي أعلى درجات التقارب (أمريكا-بريطانيا) فكيف به على مستوى أمتين عناصر افتراقهما قد تغلب عناصر تقاربهما؟ (بدري، 1420هـ).

وقد عبّر عالمان أمريكيان في بحث لهما بعنوان: (but is it science?) عن أن تدريس علم النفس الغربي في دول العالم الثالث دون تأصيل يعد أمرًا غير أخلاقي، وسخرا في البحث المذكور ممن يعتقد أن علم النفس الغربي يمكن تصديره لبلدان العالم الثالث كما ينقل إليهم علم الفيزياء والكيمياء والعلوم الدقيقة الأخرى… مشيرين إلى أن نظريات علم النفس مشكوك في صحتها في أمريكا نفسها (بدري، 1420هـ). ولعل هذا ما دفع بعض الباحثين بقوله: إن خطابنا السيكولوجي لم يتجرد بعد عن الدور الذي يلعبه كوَكيل فرعي لمدارس واتجاهات سيكولوجية لا علاقة لها بخصائص الإنسان العربي وبمقوماته الأساسية(أحرشاو، 1994:9).

اشكالات علم النفس الغربي

هناك إشكالات عامة في التأصيل الغربي لعلم النفس، سيتم التركيز على أبرزها:

أولاً: الانتقاد الرئيس الموجه إلى علم النفس الغربي هو أن الإطار الذي تنطلق منه العلوم الإنسانية في الغرب - على الصعيد العملي على الأقل – هو إطارٌ مادي، كما يعبر عن ذلك د. جعفر إدريس (1407هـ)؛ حيث يرى أن الغربي لم يعد يؤمن إلا بالمادة ويحصر مناهج العلم في المحسوس فقط وهو ما اصطلح عليه بالعلم (science) الذي هو - في الحقيقة - العلم التجريبي فقط (*).

ثانيًا: تفرع عن هذه الإشكالية عدم قبول الدين مصدرًا من مصادر البحث؛ وذلك نتيجة للصراع الشهير الذي اندلع بين الكنيسة وطلائع العلم التجريبي وأسفر عن نتائج أسهمت في تشكيل النموذج الغربي المعاصر، وأبرز معالمه:

·    العلمانية التي أقصت تعاليم الدين عن مسرح الحياة من خلال افتعال صراع متوهم بين ما ثبت بالعقل وما ثبت بالنقل (الوحي) وهو ما تحول فيما بعد إلى المادية والإلحاد المعرفيين. وهذا ما دعا الباحثين إلى استثناء الدين من ميادين البحث العلمي (الزنيدي، 1412هـ، إدريس، 1408)(**)…

·    نسبية القيم وارتباطها بالمصالح النفعية المحدودة وإقصاء التعاليم النصرانية عن واقع الحياة العملي، الأمر الذي انسحب على تعاليم الأديان كلها، والذي استلزم ضمناً عدم الاعتراف بما جاء به "الوحي" بوصفه علمًا. وقد انعكست صورة العلاقة السلبية بين الدين والعلم على واقع المسلمين، فأصبح لا يفاد بالصورة المأمولة من تعاليم الإسلام في القضايا العلمية التطبيقية لأن الغرب لم يفد منها كما لم يفد من تعاليم المسيحية.

ثالثًا: علم النفس الغربي يعاني - فعلاً - أزمة موضوعية العلم؛ وهو ما عبر عنه عبد الناصر السباعي بقوله: التصور الذي وضعه علماء النفس للإنسان لم يكن انطلاقًا من أبحاثهم ودراساتهم، بل هو تصور ضمني نشأوا على التعامل به داخل مجتمعاتهم، وهم - في الحقيقة - إنما يجرون أبحاثهم في ضوئه… ويزيد في تفسير هذا المعنى ببيانه أن علم النفس لم يسهم في إنتاج معرفة موضوعية بالواقع الإنساني بقدر ما يعمل على ترسيخ وتبرير تصور قائم حول الإنسان بإضفاء صبغة العلمية والموضوعية عليه (السباعي، 1411هـ). هذا الواقع الذي وصفه السباعي ربما كان السبب في نشوء (الموضوعية الصارمة)(***) التي أطلقها "كونت" كرد فعل لممارسة خاطئة.

 علم النفس من منظور إسلامي.

يُعدّ محمد عثمان نجاتي من أقدم من كتب في تأصيل علم النفس - بوصفه علمًا في كتابه (الإدراك الحسي عند ابن سينا) الذي نشره عام 1948م في حين برز محمد قطب كأول من قدم نقدًا موضوعيًا لعلم النفس الغربي في كتابه (الإنسان بين المادية والإسلام) وكانت صدرت طبعته الأولى عام 1952م. تلا ذلك ما كتبه عبد الكريم العثمان في (الدراسات النفسية عند المسلمين) عام 1963م… تطور الأمر فيما بعد إلى نشأة مؤسسات تتبنى هذا الاتجاه ففي عام 1970م أنشئت في أمريكا جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين، وجعلت مهمتها الرئيسة تأصيل العلوم الإنسانية وفق التصور الإسلامي، وذلك من خلال


تعليقات 0 | زيارات المقال 8241 | مقالات الكاتب 2

0

الأسـم *:
البريد الإلكتروني:
الدولة*:
العنوان:
التعليق *
كود الحقيق *
لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...