نمط التعلم الاستقبالي (2)

قاطرة التعليم تمضي بلا هدف

كتاب لها
22 - شوال - 1434 هـ| 29 - أغسطس - 2013


1

تكلمنا في حلقة سابقة عن أزمة التعليم في الوطن العربي، وحتى لا أقع في خطأ التعميم، أؤكد بداية أن هناك جهودا كبيرة في الوطن العربي تبذل لإصلاح التعليم، وأن هناك تفاوتا في تلك الجهود بين بعض البلدان، ولكن هذا لا يعني أن واحدا من هذه البلدان خرج عن إطار النمط التقليدي للتعليم بشكل كامل، وهو ما نسلط الضوء عليه في هذه الحلقة.

 

إن نمط التعلم السائد في الوطن العربي لازال في مجمله، هو نمط التعلم الاستقبالي الآلي الذي يعتمد على التلقين ـ وهو الذي كان سائدا في العالم الحديث قبل قرابة قرن من الزمان ـ و تقوم فلسفته على أن مؤلفي الكتاب المدرسي، هم الذين يبحثون ويكتشفون ويستنتجون ويحلون الإشكاليات، ويعدون الأسئلة، ويبدعون في ترتيب المعلومات المقررة ترتيبا منطقيا؛ ليسهل على الطالب الحفظ والاستظهار.  ودور المعلم يقتصر على تيسير هذا الكتاب للطالب من خلال الشرح والتدريبات، ومع ذلك نجد بعض المعلمين يعانون ضعفا ظاهرا في مهارة توصيل المعلومة (مجرد توصيل المعلومة)! فما بالك بالمناقشة والحوار وتدعيم المقرر بالمعلومات الإثرائية والأنشطة اللاصفية؟! وبات المعلم المتميز في نظر الطالب هو الذي يمتلك مهارة توصيل المعلومة فقط، وبالتالي صار المعلم يعتمد غالبا في طريقة التدريس على الإلقاء والتلقين.

ادخل بنفسك إلى بعض الفصول المدرسية لترى مثلا معلم اللغة العربية ـ في الغالب ـ كأنه واعظ على منبر، ولن يختلف الحال كثيرا مع معلم التربية الإسلامية، حتى المواد العلمية لا تخرج غالبا عن طريقة الإلقاء والتلقين، وما على الطالب إلا أن يسمع وينصت، ولا يلغو ولا يتكلم، إلا إذا طلب منه المعلم ذلك، والمعلم القدير هو الذي في وجوده لا يستطيع طالب أن يتنفس داخل الفصل، كما يقال (لا تسمع رنة الإبرة في الفصل) من شدة الانضباط داخل الحصة،  ومن حق الإدارة أن تسعد به ؛ لأنها في المقابل ستجد نفس الطلاب ربما مع المعلم الذي يليه قد حولوا الحصة إلى عبث وفوضى لا تطاق، والطلاب أيضا معذورون؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يتحملوا سبع حصص بهذه الطريقة العقيمة طوال اليوم، من هنا أصبحت مشكلة ضبط الفصل ظاهرة من الظواهر التي يعاني منها التعليم في وطننا العربي.

 

في هذا النمط من التعليم تنحصر مهمة الطالب في أن يحاول فهم تلك المعلومات الجاهزة، التي يقدمها له الكتاب المدرسي، ويشرحها له المعلم، ويتعامل معها على أنها مسلمات وبدهيات علمية، وبالتالي لا يهتم هذا النمط بتنمية مهارات التفكير والنقد والإبداع، ولا بإستراتيجيات التعلم الحديثة، فقط على الطالب أن يستوعب المقرر، ويطبق عليه بمساعدة المعلم، ويعيد ترتيبه في ملخصات مختصرة، أو ربما يلخصها له المعلم ليخزنها في دماغه؛ كي يفرغها يوم الامتحان في ورقة الإجابة من أجل الحصول على الدرجات!

 

إن الحصول على الدرجات هو ميدان التنافس الحقيقي في العملية التعليمية عندنا، وهو الهدف الرئيس بالنسبة للطالب، بل هو كذلك الهدف الرئيس لكثير من أولياء الأمور؛ من أجل أن ينجح أولادهم ويتجاوزوا العام ويمضوا حاملين مؤهلهم العلمي الذي طال انتظاره، بعد طريق شاق من المعاناة مع التعليم بضعفه وعيوبه ومشاكله.

 

 وماذا بعد تلك الرحلة الطويلة؟! يمنح النظام التعليمي الطالب المسكين شهادة بلا رصيد، تشهد أنه تعلم وهو في حقيقة الحال لم يتعلم شيئا، فلم يملكه التعليم المهارات الكافية لاحتياجات العمل، ولم يغرس فيه القيم اللازمة لمواجهة الحياة العملية، ولم يزوده بالمعارف المطلوبة، خلا تلك المعارف، التي نسيها أو كاد، بعدما فرغها في ورقة الأسئلة أثناء الامتحان، ليشق الطالب العربي طريقه إلى مستقبل أكثر معاناة، و يكتشف حين يواجه الحياة العملية أنه يحتاج إلى أن يتعلم من جديد، فينهض على الفور ليدرك نفسه قبل فوات الأوان، ويسأل ويبحث ويكتشف ويتدرب ويعلم نفسه عن طريق كتاب أو محاضرة أو دورة هنا أو هناك؛ ليؤهل نفسه لاحتياجات سوق العمل، وإلا فلن يقبل به أحد!

 

بعض المدارس تحاول أن تطبق إستراتيجيات التعلم الحديثة، مثل: إستراتيجية التعلم النشط أو التعليم التعاوني أو النظرية البنائية في التعليم، ولكن ذلك في حقيقة الأمر لن يجدي مالم تتخلص من نمط التعلم الاستقبالي أولا؛ لأنه حين يكون قلب الماكينة ضعيفا؛ فإن استبدال بعض قطع الغيار لن يغير من واقع الحال شيئا، والثوب البالي لا يفيده الترقيع!

 

أخيرا.. فإن التعليم بصورته الحالية ضعيف ومتهالك، ويشكل هدرا واستنزافا هائلا لميزانيات الوطن ومقدراته، دونما جدوى، والمناخ التعليمي السائد سلبي للغاية، غير محفز، لا للطلاب.. ولا للمعلمين.

الكثير من المعلمين المخلصين يدركون مشكلة التعليم القائمة، لكنهم يقفون عاجزين عن الإصلاح؛ لأن الأنظمة التعليمية في بلادهم لا تطالبهم به، ولا تحفزهم عليه، فهل يسبحون ضد التيار؟!

 

في الحلقة القادمة نتناول إستراتيجيات التعلم الإبداعي الاكتشافي الذي تفوق به الغرب، وإلى اللقاء.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...