صافيناز كاظم: في أمريكا عادت إليّ هويتي

عالم الأسرة » رحالة
01 - صفر - 1423 هـ| 14 - ابريل - 2002


تتمتع الكاتبة الصحفية والأدبية الناقدة صافيناز كاظم بخصوصية شديدة واحترام كبير في مختلف الأوساط الثقافية والأدبية والإسلامية والسياسية في الوطن العربي نظراً لثقافتها العالية وموقفها الأخلاقي ثم لخصوصية رحلة إبحارها في بحار الاشتراكية والأدب الغربي والاستلاب الحضاري ثم عودتها إلى هويتها الإسلامية. وقد بدأت رحلة صافيناز كاظم في الخمسينيات منذ أن تخرجت من كلية الآداب قسم الصحافة بجامعة القاهرة واشتغلت بهذه المهنة الجذابة ولمع نجمها وذاع صيتها . وحينما وجدت في نفسها حباً للفن العالمي سافرت إلى أمريكا عام 1960م لتدرس الفن والأدب العالمي وتزور العالم كله وعادت عام 1966م ومعها ماجستير في المسرح.. ولكنها بدلاً من أن تغرق في بحر الغرب عادت ومعها جذورها وأصالتها.. ووضعت يديها على الإسلام كبداية صحيحة ومنطقية. وحينما عادت اغتاظ الشيوعيون والعلمانيون لأن الصحوة الإسلامية كسبت قلماً متميزاً وشخصية موهوبة. في هذه السطور نطوف داخل هذه الحالة النسائية لنستخرج منها خلاصة رحلة المعاناة والعودة إلى الجذور ..

أنا لم أتحول إلى الإسلام وإنما حدث لي تطور فكري ونمو في التزامي بالإسلام .. أنني كنت دائماً مسلمة من أسرة مثقفة والإسلام ركن أساسي في البيت الذي نشأت فيه، لكن في بداياتي الأولى ولأن التغريب كان شديداً في الخمسينيات والستينيات فكان لابد أن نطلع على الأدب العالمي .. ولم يكن هذا خطأ فكان لابد أن نطلع على الأدب العالمـي فنشتاق إلى تراثنا.. ومن حصيلة الرصيد الغربـي والعالمي والرصيد الإسلامي والتراث ينزل نزل المطر الخصب الذي يؤدي إلى ثمار جيدة. وهذا التطور لم يأت فجأة... فرحلتي لأمريكا جعلتني أدرك أن تراثهم وجذورهم هي الفكر الإغريقي والحضارة الإغريقية ...

وعندهم مادة اسمها الحضارة الغربية التي ركيزتها الفكر الإغريقي والحضارة الإغريقية وعندها قلت لنفسي إنني لم آت من هنا ... وتساءلت في نفسي: فمن أين أتيت..؟ وهذا دفعني إلى العودة لقراءة تراثي العربي الإسلامي. وأول ما عرفت كان سيد قطب حيث عرفته في أمريكا فقرأت كتابه:" العدالة الاجتماعية في الإسلام" باللغة الإنجليزية.

كان البرنامج أن أتجول وأجوب العالم كله، وقد حصلت على الماجستير في النقد المسرحي من جامعة نيويورك... لكن هدفي كان الترحل ومعرفة الحضارة فكنت أحاول أن أطور شخصيتي من خلال الترحال والاغتراب. كنت هناك دائماً أقرأ وأقوّم وكان ديني معي، لكن كان لابد أن أقرأ أدبيات ديني.. وشعرت أنني حينما أعود إلى مصر سأبحث عن ذلك.. وقد عشت في ثلاث ولايات مختلفة هي كانساس وشيكاغو ونيويورك... فاطلعت على ثقافة الغرب بأكملها وعلى حضارتهم وفنونهم، ولا أنكر أنني استمتعت .. وطوال هذه السنوات لم يكن عندي تليفزيون ولم أتكدر؛ لسخافة التليفزيون الأمريكي..

واقع المرأة المسلمة مثل واقع المجتمع الإسلامي ... ما زال واقعاً ننشر فيه النجاحات والنهضة.. لكن هذه النهضة لم تتحقق بعد، واقع المرأة الغربية مماثل لواقع الغرب الذي حقق إنجازات كثيرة جداً لكنه واقع بعيد عن الله وبعيد عن القيم الدينية . لكن المرأة الغربية ترى أنها كمجتمعها تعيش في مستوى مادي مرتفع .. وتحكمهم قيم عاقة ! ومن خلاله تأخذ حقوقها كمواطنة ، وتشعر أنها تمشي في شارع نظيف. وتسكن في بيت نظيف، والدولة ترعاها إذا كانت أماً أو حاملاً أو مطلقة أو حتى إذا كان لها طفل غير شرعي. فالمرأة الغربية لها امتيازات كثيرة جداً؛ لأن واقع مجتمعها الثري قادر على أن يعطيها هذا الشعور بالأمن. لكن بسبب غياب العقيدة الإيمانية فإن نسبة الغربيين المنتحرين والمنتحرات مرتفعة جداً، ومشكلات الغربيين متشابهة في البعد عن اليقين، والتوتر، وإدمان الخمور، والعلاقات المتعددة التي لا تعطي للإنسان ولا لجهازه العصبي أماناً واطمئناناً واحتراماً داخلياً.. كل هذه الأشياء تتعرض لها المرأة الغربية كابنة لمجتمعها. لكن للأسف الشديد ... ما دخلي بمشكلات المرأة الغربية والمجتمع الغربي ،فإذا لم يكن المجتمع الغربي يعجبني، فأنا أركز على مجتمعي الذي يفترض أنه يسوده الإسلام... هذا الدين سماته الرئيسية النظافة وعدم الكذب والأمانة والصدق والوفاء بالعهد .. لكننا ـ للأسف - نفتقد هذه الأمور في تعاملاتنا فلدينا سرقة في الأسواق وغش وشكوى من عدم رد الحقوق لأصحابها.. فبدلاً من أن نتحدث عن المرأة الغربية يجب أن نصلح من أنفسنا .

نستطيع أن نقول أن هذا الاتهام صحيح وغير صحيح ... فهناك موروثات لتقاليد جاهلية ، والمرأة المسلمة الملتزمة حديثاً تقف بين دائرتين تتحديانها. الدائرة الأولى: دائرة العلمانيين الذين يقولون : إن المرأة الملتزمة متخلفة ولا يسمح لها بالعمل أو إثبات وجودها الفعال في المجتمع، وهذه هي دائرة المتحاملين.

وهناك أيضاً من داخل الدائرة الإسلامية من يقولون: إن المرأة المسلمة عليها ألا تعمل وألا تخرج وعليها أن تعتزل المجتمع وتفقد فاعليتها.

 وهاتان الدائرتان - رغم أنهما متناقضتان - إلا أنهما متشابهتان. وعلى المرأة المسلمة الملتزمة أن تخرج من إطار هاتين الدائرتين، وعليها أن تتمثل دينها الحق وتدرسه وأن تعرف حقوقها الحقيقية في الإسلام ودور القدوات المسلمات الأوليات وتاريخهن كنساء ملتزمات رساليات فاعلات عاملات.. سواء كانت السيدة خديجة التي وقفت في شعب أبي طالب تساند بالمال والجهد ضد حصار قريش للمسلمين حتى ماتت بعد ثلاث سنوات من هذا الحصار، فهي وقفت وصمدت حتى ماتت.. كذلك فعلت الفضليات الأوليات.. السيدة فاطمة وعائشة وحفصة ... إلخ، كلهن نماذج مضيئة في تاريخنا .

أولاً سنقسم الموضوع إلى قسمين... فليس في الإسلام شيء اسمه قضية للمرأة .. وبالنسبة للمصطلح فقاسم أمين أطلقوا عليه زوراً "محرر المرأة" لكن معظم هؤلاء المتشدقين بقاسم أمين وكتبه لا أتصور أنهم قرؤوها . فرغم كتاباته عن المرأة إلا أنه كان مشغولاً أكثر بقضية التغريب، ففي كتابه "المصريون" الذي ألفه عام 1898م استفز للرد على "اللوق داركو" فأسلوب الدفاع كان أسلوباً انهزامياً يشعر بالصغر أمام النموذج الأوربي؛ لأنه كان أمام مصر طريقان : محاكاة أوروبا أو العودة إلى الإسلام.. وقال: لقد اختارت مصر محاكاة أوروبا.

 فهو لم يقل التمثل بأوروبا.. أو استيحاء التقدم منها ... أو الاقتداء بالنماذج الطيبة هناك وإنما قال "محاكاة" وهذا ما حدث فقد حاكينا أوروبا مثل الببغاوات بلا عقل.. وفي كل كتب قاسم أمين كانت هذه هي نقطة اهتمامه الرئيسية وفي هذا الإطار انتقد قاسم أمين وضع المرأة جيداً لأن حقوقها الإسلامية كانت قد سرقت منها.. فبدلاً من أن يبين ما هي حقوق المرأة في الإسلام .. وكيف اغتصبت منها ... ندد بوضع المرأة واعتبر أن ما حدث للمرأة في المجتمعات الشرقية والإسلامية إنما هو نتيجة المدنية الإسلامية .. ولو أنه في كتابه "تحريرالمرأة" يبين بوضوح شديد وضع المرأة المتسامي في الإسلام من التعليم واختيار الزوج إلى الميراث وغيرها من الحقوق التي كانت قد اغتصبت منها حتى أصبحت المرأة في الأرياف وفي الإقطاعيات الكبيرة لا ترث، والمشكلة هنا أنه لم يقل إن هذه هي حرية المرأة في الإسلام وإنه يجب تحريرها من خلال حقوقها الإسلامية، وإنما قال إن المرأة المسلمة فقدت حقوقها فلتحتذ بالمرأة الأوروبية والغربية والاسم العلماني التغريبي لأزمة المرأة المسلمة هو "قضية المرأة" فكان لابد أن يكون هناك لافتة براقة كي يتم من ورائها الدس.

يجب أولاً أن نؤكد أن ما تفعله الأمم المتحدة الآن لا يعبر عن إرادات الدول الأعضاء ويحقق مصالحها .. فالمنظمة الدولية انعكاس لموازين القوى في العالم، فالقوي اقتصادياً وعسكرياً وبالتالي سياسياً يفرض إرادته وقراراته ... ولذلك فليس عجيباً أنه منذ انهيار النظام العالمي ثنائي القطبية وتربع الولايات المتحدة على رأس النظام الجديد منذ بداية التسعينيات ... أصبحت المنظمة الدولية منبراً أمريكياً ينفذ السياسات الأمريكية في الأساس وما يتفق عليه الغرب بعد ذلك. وطبعاً النظام الاجتماعي الإسلامي الذي نواته الأسرة له خصوصيته، ويختلف جذرياً عما هو سائد في أمريكا والغرب من أوضاع اجتماعية شاذة فمؤتمرات الأمم المتحدة عن المرأة والذي عقد في بكين ومؤتمر السكان في القاهرة وبكين ثم مؤتمر الطفل.. كلها تنويعات على فلسفة واحدة لتسويق النموذج الغربي في مجال العلاقات الاجتماعية من وجهة نظر أمريكا والغرب، لا فرق بينها وبين المنتجات الاستهلاكية فكلاهما يتم صنعه بأيد غربية.

لا شك أن الأسباب مقدمات وتداعيات لتلك المتغيرات، وتوظيف الأمم المتحدة ومؤتمرات الدورية لتحقيق تلك المتغيرات .. وثيق الصلة بما قررناه، وأقرب مثال على ذلك هو مؤتمر قمة الطفل الذي عقد في سبتمبر 2001 في نيويورك، إنه مجرد بُعد واحد وسط مئات المسببات والمقدمات .. ولكنه بلا شك بُعد له ثقله وتأثيره القوي على مجريات الحضور الإسلامي الفعال، إضافة إلى غياب أو تغييب أطراف كثيرة تهتم بالحافظ على الأسرة بمفهومها التقليدي. وهذا المؤتمر يعتبر بمثابة متابعة لمؤتمر القمة العالمي من أجل الطفل الذي تم عام 1990م ونتج عنه الإعلان العالمي لحقوق الطفل .. بمعنى أن قمة الطفل ما هي إلا التزام متجدد وتعهد من قبل الدول المختلفة بالقيام بأعمال محددة خلال العقد القادم .. فالدول الموقعة على وثيقة الطفل التي ستصدر في النهاية ملزمة بما فيها من بنود والتي قد لا تتوافق في كل الأحوال مع الخصوصية الثقافية للمجتمعات المختلفة، ومن هذه الخصوصية الثقافية التشريعات الدينية للمجتمعات.

إن الآلية مفهومة وهي ترك الجمعيات الأهلية الغربية المشبوهة لطرح أفكارها والسيطرة على المناقشات ومحاصرة الاتجاهات الملتزمة ومنها الدول الإسلامية وبرامجها ثم الصياغات الغامضة والألفاظ المطاطة التي يتم تحديدها وتخصيصها في مؤتمرات قادمة.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- ام ابراهيم - فلسطين

17 - جماد أول - 1430 هـ| 12 - مايو - 2009




كل الاحترام والتقدير للكاتبه صافيناز كاظم لأنها تمسكت بهويتها الاسلامية دون الالتفات للنعرات القومية التي تفتت المسلمين ودون الالتفات إلى ما يثيره الغرب بين المسلمين من خلافات طائفية لم تكن موجودة أصلا قبل الاستعمار الذي طال بلاد المسلمين
ولا يهمني اذا كانت عربية أو أعجمية او ايرانية أو شيعية فصافيناز كاظم تميزت عن غيرها بالنظرة العميقة والعادلة لما يحدث حولها في العالم

-- -

15 - شوال - 1430 هـ| 05 - اكتوبر - 2009




تقديرا كبير لها فهي مسلمه حقا و خالفت السادات و اضطرت لترك البلد
تمسكا برأيها في معاهده السلام

-- سهر - مصر

09 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 23 - مايو - 2010




معجبة جدا بالصحفية صافيناز كاظم واين اجد كتبها؟

-- هدى - مصر

20 - ذو القعدة - 1431 هـ| 28 - اكتوبر - 2010




فعلاً كاتبة رائعة جداً وأتفق معك في كل ماقلتي...

-- علاء حسين الموسوي - العراق

30 - رجب - 1432 هـ| 02 - يوليو - 2011




(مد الخطوة وامشي تلكه الصعب فات وغير الله مادامش وكل حي مات) وكما تقول القصيدة:بأن هنالك ترابط عجيب وغريب بين ماهو مادي ومعنوي..فرب حبة أنبتت سبع سنابل..أكاد اتلمس النور الذي يحمل الكلمة الطيبة تحت جناحيه.. دمت لنا فخرا وما حمله رحمك..

-- ملك اشرف - مصر

16 - ذو الحجة - 1432 هـ| 13 - نوفمبر - 2011




لم اكن اعرفك الا عندما شاهدتك مع معتز الدمرداش فى برنامج محطة مصر ودخلت على النت وقرات سيرتك ولقد اعجبنى جدا شجاعتك فى ارائك وانك لاتخافين ولاتخشين فى الحق الا الله

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...