حوار حي "طب الأعشاب"
برنامج اشراقة

وجوه وأعلام

لها أون لاين » وجوه وأعلام » قراءة في كتاب «السحاب الأحمر» لمصطفى صادق الرافعي

تقييمك للمقال
  • حاليا 5/3 نجمات.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
(426 صوت)
08 - شوال - 1426 هـ| 10 - نوفمبر - 2005

قراءة في كتاب «السحاب الأحمر» لمصطفى صادق الرافعي


قراءة في كتاب «السحاب الأحمر» لمصطفى صادق الرافعي

مؤلف هذا الكتاب هو مصطفى صادق الرافعي (1880م-1937م) أصل أسرته من طرابلس الشام، وقد وُلِد في "بهتيم" إحدى قرى محافظة القليوبية بمصر، وقد نبغ في أسرته كثير من رجال العلم والأدب والسياسة، وكان أبوه قاضيا شرعيا، فوجهه إلى الثقافة العربية والإسلامية فعوّضه ذلك عمّا فاته من عدم إتمام المراحل التعليمية، وقد استقر أكثر حياته في مدينة "طنطا" عاصمة الغربية، حيث كان كاتباً في إحدى المحاكم بها.

وقد اتجه في أول حياته إلى الشعر، وله ديوان من ثلاثة أجزاء، ثم اتجه إلى النثر، فكتب مقالات في مجلة "الرسالة" بين سنتي 1933-1937م جمعها في كتابه "وحي القلم"، كما ألّف كتبه المعروفة "تاريخ آداب العرب" و"إعجاز القرآن" و«تحت راية القرآن» و"رسائل الأحزان" و"السحاب الأحمر" و"أوراق الورد" و"حديث القمر" و"المساكين"، و"خاض معارك أدبية عديدة مع طه حسين والعقاد وزكي مبارك"( )، وقد توفي سنة 1937م، ويُعدُّ من خير الكتاب العرب في العصر الحديث، وله أسلوبه المميز بما يشيع فيه من روح إسلامية، وقدرة على ابتكار المعاني وتوليدها، وجزالة الألفاظ وقوة العبارة.

وقد صدرت عن أدبه عدة كتب، منها: «حياة الرافعي» لمحمد سعيد العريان، و«رسائل الرافعي» للشيخ محمود أبي رية.

تسعة فصول

يضم هذا الكتاب تسعة فصول تحمل عناوين: «القمر الطالع» ص ص15-20، و«النجمة الهاوية» ص ص21-26، و«السجين» ص ص27-38، و«الربيطة» ص ص39-54، و«المنافق» ص ص55-62، و«الصغيران» ص ص63-74، و«الشيخ علي» ص ص75-84، و«الشيخ أحمد» ص ص85-94، و«الشيخ محمد عبده» ص ص95-103.

وفي هذه الفصول ينُاقش قضايا فكرية واجتماعية كثيرة بأسلوب أدبي محلق هو أسلوب أحد أئمة البيان في النثر العربي الحديث.

ومن القضايا الكثيرة التي يُناقشها في هذا الكتاب: معنى العاطفة، والمرأةُ ودورها في الحياة، والجمال ومعانيه، والزواج من الغربيات، ومفهوم الصداقة الحقيقية، ومعنى التدين، وأيام الشباب ... وغيرها.

ولن نستطيع أن نتوقف أمام ما يضمه الكتاب في هذا العرض، وإنما سنُشيرُ إلى بعض ما احتواه في قراءة قد تدلُّ على محتواه كما تدلُّ القطرات القليلةُ على النبع!

المرأة

تحتلُّ المرأة حيزا كبيراً في هذا الكتاب، فيصورها جميلةً وقبيحةً، وحانيةً وقاسيةً، وأُما وبنتاً وأختاً، وعاشقةً ومعشوقةً، وروضةً من روضاتِ النعيم، ولفحةً من نارِ جهنم:

*فهو يتحدَّث عن المرأة التي تكون جمالاً مُطلقاً، فيراها معنى من معاني السموِّ في الخلقِ، فيقول: «أيُمكنُ أ ن يكونَ هذا الجمالُ الفتَّانُ في المرأة الجميلة خلاصةَ سماءٍ من السماواتِ، خُلِقتْ عينينِ وخَدَّيْنِ وشفتيْنِ؛ تضحكُ أحياناً بالنورِ، وتلتهبُ أحياناً بالبرْقِ، وتنفجرُ أحياناً بالرّعد»( ).

*وهو يرى المرأة معنى من معاني النعيم الدّائم، أو قطعةً من قطع الجحيم، فيقول: «أُقسمُ لو صُغِّرت الجنةُ وجُعِلتْ أرضيَّةً، تُلائمُ حياةَ رجلٍ من الناس، ثمَّ عُجِّلتْ له في هذه الحياةِ الدُّنيا، لما كانتْ بمتاعِها ولذَّاتِها وفنون الجمالِ فيها إلا المرأةَ التي يُحبُّها!، أما الجحيمُ فلا أراني في حاجةٍ إلى بُرهانٍ عن أنها صغرت وتجزَّأتْ واندفقتْ على الأرضِ شُعلاً في اسْمٍ من أسماء النساء»( ).

*والكاتب يرفض اتجاه بعض المتعلمين في أوربا إلى الزواج من أوربيات نصرانيات، فيقول لهم:

«أما واللهِ إنكم فئةٌ لا تُعَدُّ إلا في مصائبِ وطنها، وإنكم لكالأجنبي، مادام أحدكم لا يصلُ أمومةَ أولادِهِ بتاريخِ أمه، وإنكم لكالغاصبِ، مادمتم تغصبون حتى نساءَ الوطنِ في رجال الوطن، وإنكم لكالعدو مادام كل واحدٍ منكمْ حرباً على بيتٍ...»( ).

ويتمنى لو جاءوا بمنجزات الحضارة التي تنفع الناس في الزراعة وغيرها من أمور الاقتصاد والحياة التي تنفعُ الناسَ، فيقول: «ألا ليتكمْ جئتم للبلادِ من أوروبا بمحاريثَ لا مواريثَ، وجئتم بالسمادِ بدلاً منْ هذا الوساد( )، وبالبهائم للسّواني، لا بالحلائل والغواني( )، وببضائع الحوانيت لا ببضائع أنطوانيت.. وليتكم إذ كنتم رجالنا لم تغلبْكم نساؤهم، وإذ كنتم سيوفَنا لم تأسركم دماؤهم، ويا ليتكمْ لم تتنعّموا وتتأنثوا، فكانت البلاد تجد منكم أهل البأس، ولم تتعلّموا وتتخنّثوا، فكانتْ الأرضُ على الأقلِّ تجد منكم أهل الفأس»( ).

الصداقة الحقيقية

كان مصطفى صادق الرافعي ـ كما قدّمنا ـ يستمد موضوعات مقالاته من الحياة، فهو حين يكتب لا يكتب من خياله، وإنما يكتب عن واقع يحياه ويعرفه حق المعرفة. ففي "الفصل الثامن"( ) من الكتاب وعنوانه "الشيخ أحمد" يصف فيه صديقاً له عاجلته المنية فمات في سنِّ الشباب. ويرسم من خلال هذا الوصف صورة للصداقة، ويُبرز ما كان يتحلّى به صديقه الراحل من مبادئ وأخلاق كريمة، ويضع مقياساً للصداقة الحقة والصداقة الزائفة.

فيقول عنه في المقطع الأول: «كانتْ نفسُهُ العاليةُ كالنَّجْمةِ وُهِبَتْ قوةَ النزولِ إلى الأرضِ، وكان حبيباً لو انْقَسَمَتْ روحي في جسْميْنِ لكانَ جِسْمَها الثاني. كانَ دائماَ كالذي يشْعُرُ أنَّهُ لا بُدَّ ميِّتٌ، وتاركٌ ميراثَ مودَّتِهِ، فلا أعْرِفُ أني رأَيْتُ منْهُ إلاَّ أحْسنَ ما فيه، وكَأَنَّما كانَ يُضاعِفُ حياتي بحياتِهِ، ويجْعلُني معهُ إنْسانيْنِ».

إنه يتحدث عن قوة العلاقة بينه وبين صديقه الراحل ـ الشيخ أحمد الرافعي ـ فيقول: كانت نفسه عالية في صفاتها، ولكنه متواضع في حياته بين الناس؛ فهو كالنجمة العالية التي منحها الله القدرة على النزول إلى الأرض، وكنا نتشابه في الأخلاق كالتوأمين فهو حبيب إلى نفسي، كأنه شقيق روحي. وكان حريصاَ على مودة الناس وحبهم لتظل تلك المودة ذكرى طيبة له عندهم بعد مودته، فلم أر منه إلا أحسن ما فيه. وكانت حياته تزيد حياتي وكأني أصبحت شخصين هو أحدهما، فأنا به أعيش مرتين في الوقت نفسه.

وفي المقطع الثاني يبين أن صديقه الراحل كان يمتاز بقوة الإيمان التي تملؤ القلب وتشعرنا بحيوية الدين كما كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في أيام الوحي، ففي أعماق نفسه قوة قلبِ المؤمنِ ومعها سموُّ الإيمانِ ونورُه، ويمتاز بالحياء، والصراحة في الحقِّ، وصدق النية، فوجهه يُعبِّر عما في نفسه كما يُعبِّرُ لسانُه عما في عقله، وكانت شهامته عالية، كما كان محبا، ألوفاً لا يحقد على أحد، وكان حليماً واسع الصدر، كأنَّ الله عوَّضه بذلك الحلم عن قِصر عمره، وكان طيب النفس، فأيامه القصيرة كلها خير، فهي تُساوي أضعافَها لخلوها من التفاهة والفراغ.

يقول: «وكانَ لهُ دينٌ غضٌّ كعهْدِ الدينِ بأيَّامِ الوحْيِ، لا تزالُ تحتهُ رقةُ قلبِ المؤمنِ وفوْقَهُ رفَّةُ جناحِ المَلَكِ، يُخالطُ نورُهُ القلوبَ، وكانَ حييا صريحَ الحقِّ، ترى صدقَ نيَّتِهِ في وجْهِهِ كما يُريكَ الحقُّ صِدْقَ فِكْرِهِ في لسانِهِ، سامياً في مروءتِهِ ليْسَ لها أرْضٌ تسْفُلُ عنْدَها، وإنَّما هي إلى وجْهِ اللهِ فلا تزالُ ترتفعُ، ودوداً لا يعرِفُ البُغْضَ، مُحِبا لا يتَّسِعُ للحقْدِ، ألوفاً لا يُسِرُّ الموْجِدةَ على أحَدٍ.

وكان رحيبَ الصَّدْرِ، فكأنَّ اللهَ زادَ فيهِ سَعَةَ الأيامِ التي سيَنْتقِصُها منْ حياتِهِ، ففي قلبِهِ قُوَّةُ عُمْرينِ، وكانَ طيِّبَ النَّفْسِ، فكأنَّ اللهَ لم يمُدَّ في عُمْرِهِ طويلاً لأنَّهُ نفَى الأيامَ الهالِكَةَ التي يكونُ الإنسانُ فيها معنىً من معاني الموْتِ».

وكأننا في صداقتنا الحقة ينبغي أن نبحث عمن يملكون قوة قلبِ المؤمنِ، وسموَّ الإيمانِ ونورَه، ويمتازون بالحياء، والصراحة في الحقِّ، وصدق النية، وأصحاب الشهامة العالية، الذين لا يحقدون على أحد، والذين تخلو حياتهم من التفاهة والفراغ.

صفحة من صفحات التأمل وقوة الخيال

ينبغي على الإنسان السوي عند الرافعي أن يمتلك قوة الخيال، فهذه القوة هي التي تهبه القدرة على مواجهة ما يمر به من مثبطات مُجهضات لهمته وروحه، ولكنه ينبِّه على أن قوة الخيال قد تكون قوة مدمرة. يقول في الفصل التاسع:

«وفي النفْسِ الإنسانيةِ لا تمرضُ الحقيقةُ إلا من سوء التخييل فيها، كأنَّ نعمةَ الخيالِ إنما وُهِبتْ للإنسانِ لتُخرجها من حدودِ الحقائقِ فتُفسدها ويُفسد آثارَها فيه ... فالخيالُ هو القوةُ التي يثبُ بها الإنسانُ إلى المجهول، وهو نفسُه القوة التي يسقطُ بها إذا تقاصرت الوثْبةُ أوْ طاشَتْ»( ).

ويتآزر الخيال مع الوقائعِ المأخوذة من دفاتر الحياة في هذا الكتاب، حتى ليمكننا أن نعدَّ كتاب «السحاب الأحمر» صفحة من صفحات التأمل في شتى مناحي الحياة! فما أكثر ما تمتلئ صفحات هذا الكتاب بالتأمل في شتى مناحي الحياة، فيتأمل في أيام الشباب ويراها نهار العمر:

«يا أيامَ الشباب!  أنتِ وحدكِ نورُ الحياة، لأنكِ منذُ الفجْرِ وأنتِ وحدكِ نهارُ العمر، لأنّكِ إلى أن تصفرَّ الشمسُ، وليس وراءكِ إلا كآبةُ الليلِ تتقدَّمَ ليلَها باسمةً في شفقِ المغربِ»( ).

ويقول: «يا أيامَ الشباب!  أنتِ وحدكِ العمرُِ»( ).

ويتأمّلُ في مرض النفاق الذي يشيع في المجتمع باسم المجاملة أو المصلحة، ويراه دليلاً على الغباء وبلادة الحس، ولا ينجو منه إلا المصلحون والحكماء وأصحاب النفوسِ الحرة. يقول:

«وكلُّ منافقٍ وصاحبُه الذي يُنافقُ لهُ، رجلانِ لا يفهمُ أحدُهما الآخر. أو تكونُ بلادةُ الحسِّ قدْ بلغَتْ منْ أحدهما أن يتظاهرَ بأنهُ لا يفهم، وبلغت الغلظةُ منْ صاحبِهِ أن يظهر كأنه غيرُ مفهوم!، وكلاهما غطاءٌ مكفأ على حقيقته، ولكنَّ الحقائقَ المُغطّاةَ بأغطية الكذب موضوعةٌ أبداً على نارٍ تتقدُ من عزائمِ المصلحين، ونفوس الحكماء وقلوبِ الأحرارِ، فلا تزالُ تغلي كلما طال بها العهْدُ حتى تنفجرَ منْ أغطيتِها ... وكان من سنةِ اللهِ أن تجد الناسَ يُنافقون جميعاً، إلا مُصلحاً أو حكيماً أو رجلاً حرَّ النفسِِ»( ).

ويتأمَّل في شيوعِ المكر بين الناسِ حتى غدا بعضهم وحوشاً يسير بيننا في أزياء الآدميين؛ يقول:

«تُرى لو سألنا الوحشَ حين يفترس إنساناً: ماذا وقع في نفسك منه حتى ثُرتَ بهِ وعدوتَ عليْه؟ أكان يقول ـ لو أنطقَه الله ـ إلا أنه أبصرَ في هذا المخلوق وحشاً ماكراً خبيثاً إلاَّ يكن في دقةِ ناب الثعبان فهو في خطرِ سُمِّه، وأنه لو رأى عليْهِ سمْتَ إنسان، وأبصرَ له نظرةَ إنسان، وأحسَّ منهُ قلبَ إنسان، للجأ من وحشيتهِ إلى الإنسانية التي فيه، إذ الإنسانيةُ هي حرمُ الأمنِ الإلهيِّ الذي توضعُ عنده كلُّ الأسلحة!»( ).

وقد تكون ثمرة التأمل فقرة هجائية، في كلمات قلائل، أو جمل دالة، تكون نتيجة تجربة لها خصائصُها الدالة، التي ربماْ لا تُرضي من لم يمر بأمثال هذه التجربة، ومنها:

«قيلَ لحيَّةٍ سامةٍ: أكان يسرُّكِ لو خُلقْتِ امرأةً؟ فقالت: فأنا امرأةٌ غيرَ أن سمي في النابِ، وسمُّها في لسانِها!»( ).

فهو لا يهجو عموم المرأة، وإنما يهجو هذه المرأة التي تشبه الحية!

ويتحسّر الرافعي لعدم فهم الناس للصداقة الصحيحة( )؛ فإن الصداقة الحقة تقوم على قاعدتين هما: حرص على الحق وحرص على الحب، فلو عرف الإنسان الحق معرفة صادقة لما سكت عن كلمة تسرُّ الناس وتُسعدهم:

«آهِ لوْ عَرَفَ الحقَّ أَحَدٌ لما عَرَفَ كيفَ ينْطِقُ بكلمةٍ تُسيءُ، ولوْ عَرَفَ الحبَّ أَحَدٌ لما عَرَفَ كيفَ يسكُتُ عنْ كلمةٍ تسُرُّ، ولنْ يكونَ الصديقُ صديقاً إلاّ إذا عَرَفَ لكَ الحقَّ، وعَرَفْتَ لهُ الحبَّ»( ).

وفي معرضه للصداقة ثم يعرض علينا الكاتب أربعة أنواع من الأصدقاء الزائفين لنحذرهم، ولا نعتد بصداقتهم: النوع الأول: ذلك الشخص المُلازم لك ملازمة الشيطان يُوسوس بالشر، ويدعو إلى الخطأ، وخير لك أن تُخالفه وتُعاديه. والنوع الثاني: ذلك المُرافق الذي يتكلّف لك المودّة، ويُلاينُك متى وجد عندك خيْراً يقتنصه، أو فرصة ينتهزها، فهو كالذبابة تتهافت على العسل متى وجدته، فإن لم تجده طارت لتبحث عنه في موضع آخر. والنوع الثالث: ذلك الشخص الذي يتظاهر لك بالحب، ولا يتحمّل تبعات الصداقة، ولا يُشارك في الشدائد، فنفسه غائبة عنك كأنها منفى جديد اضطررت للإقامة فيه دون أن تعرف عنه شيئاً، فلا أنس ولا راحة. والنوع الرابع: ذلك الصاحب المتلوِّن كتلون جلدة الوجه، تحمرُّ في الصحة، وتصفر في المرض، فهو معك إن كنت في خير، وبعيد عنك إن كنت في شر. ثم يختم الكاتب هذه الفقرة بأن هؤلاء الأصدقاء الأربعة غير مخلصين لك، وغير حريصين على إسعادك، إذ لا يندمجون في مشكلاتك ليحملوا عنك عبئها، ولكن يقفون على الهامش، كأنهم علامات على ظهور المصائب لا إخوان يُشاركون في تحمُّلها، ويُحققون معنى الصداقة.

يقول: «لا أُريدُ بالصديقِ ذلك القرين الذي يصحبُكَ كما يصْحبُك الشيطانُ، لا خيْرَ لكَ إلا في معاداته ومُخالَفته، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنَّعُ لكَ ويُماسِحُكَ متى كان فيكَ طعْمُ العسلِ لأنَّ فيه روحَ ذبابة، ولا ذلك الحبيبَ الذي يكونُ لكَ في هَمِّ الحُبِّ كأنَّهُ وَطَنٌ جديدٌ، وقدْ نُفِيتَ إليْهِ نفْيَ المُبْعَدين، ولا ذلكَ الصَّاحبَ الذي يكونُ لكَ كجِلدةِ الوجْهِ تحمرُّ وتصْفرُّ، لأنَّ الصحةَ والمرضَ يتعاقبانِ عليْها. فكُلُّ أولئكَ الأصْدقاءِ لا تَراهُمْ أَبَداً إلاَّ على أطْرافِ مصائبِكَ، كأنَّهمْ هناكَ حُدودٌ تَعْرِفُ بها منْ أيْنَ تبْتدئُ المُصيبَةُ لا منْ أَيْنَ تبْتَدِئُ الصَّدَاقَةُ، ولكن الصَّديقَ هو الذي إذا حضَرَ رأيْتَ كيفَ تظْهَرُ لك نفْسُكَ لتتأمَّلَ فيها، وإذا غَابَ أحسَسْتَ أنَّ جُزْءاً منْكَ ليْسَ فيكَ، فسائرُكَ يحِنُّ إليْكَ. فإذا أصبْحَ من ماضِيكَ بعْدَ أنْ كانَ منْ حاضِرِكْ، وإذا تحوَّلَ عنْكَ ليصِلَكَ بغيِرِ المحْدودِ كما وصَلَكَ بالْمحدودِ، وإذا ماتَ .. يوْمئذٍ لا تقولُ: إنَّهُ ماتَ لكَ ميِّتٌ، بلْ ماتَ فيكَ ميِّتٌ، ذلك هو الصَّدِيقُ»( ).

وقد وضع الكاتب في الفقر الأخيرة مقياساً للصداقة الحقة استقاءً من صداقته للشيخ أحمد الرافعي، فيقول: إن الصديق الحق ينبغي أن يكون بالنسبة إليك كالمرآة ترى نفسك فيه عند حضوره، فتسعد لوجوده، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك غاب، لأنكما شيء واحد، وكل منكما يُكمل الآخر. فإذا مات وأصبح من ذكريات الماضي بعد أن كان من أركان الواقع، وغادر عالمك المحدود، ليصلك بالعالم العلوي الذي لا نهاية له ولا حدود، لا تحس أن شخصا عاديا مات، بل تحس أن جزءاً منك قد مات في أعماق نفسك، وهذا هو الصديق الحق.

أفكار مرتبة عميقة ولغة مجنحة

أفكار الكتاب في فصوله التسعة مرتبة عميقة مما يؤدّي إلى غموض بعضها أحياناً، وتعتمد على الاستقصاء والتحليل والتعليل والتوليد والإجمال ثم التفصيل، ففي الفصل الثامن الذي عنوانه «الشيخ أحمد» يتحدث عن الصفاء والرقة، والشباب وهو أيام «شبع العمر»، ثم يتحدث عن الشيخ أحمد ونفس هذا الصديق العالية، وقوة العلاقة بينه وبين الكاتب "وكان حييا"، فهذا إجمال فصّله في بقية الفقرة. و"كان له دين غض" تفصيل إلى قوله "نوره القلوب". و"صريح الحق" تعليله وتفصيله في الجملتين بعده. و"سامياً في مروءته" إجمال، تفصيله إلى قوله: "ترتفع". ومن التعليل "كان رحيب الصدر" تعليله في "كأن الله زاد فيه" إلى "قوة عمرين". و"كان طيب النفس" تعليله "كأن الله لم يمد في عمره" إلى آخر الفقرة.

والتوليد أن يولِّد من الفكرة الواحدة أفكاراً فرعية عدة، مثل "متى كان فيك طعم العسل" ولّد منها "لأن فيه روح ذبابة" و"كأنه وطن جديد" ولّد منها "وقد نُفيت نفْي المُبعدين"، و"لا تراهم إلا على أطراف مصائبك" ولّد منها "كأنهم هناك حدود تعرف منها من أين تبتدئ المصيبة لا من أين تبتدئ الصداقة" ومن التوليد أيضاً: أن يُلبس الفكرة أثواباً لغوية منوعة مثل "ذلك القرين .. ذلك الرفيق .. ذلك الحبيب .. ذلك الصاحب .. و"لا تقول: إنه مات لك ميت، بل مات فيك ميت".

وقد عني الكاتب بانتقاء الألفاظ القوية الصافية والفصيحة الأصيلة الدقيقة، وصاغها في عبارات محكمة قوية متحررة من السجع والصنعة المتكلفة، مع ميل إلى الإطناب، ونوّع الجمل بين الطول والقصر، ولعلك تلحظ التعبير بالفعل "كان" وتكراره للدلالة على رحيل هذا الصديق. كما تلحظ الفرق بين التعبيرين " ترى صدق نيته في وجهه" و"يُريك الحق صدق فكره في لسانه" فأنت ترى وجهه بنفسك، والحق هو الذي يُريك صدق فكره، مع الإكثار من صفات التمجيد للدلالة على الإعجاب الممزوج بالحسرة والألم لفراقه مثل "نفسه العالية، كان يضاعف حياتي بحياته، .. كان حبيباً صريح الحق، سامياً في مروءته، ودوداً، محبا، ألوفاً، رحيب الصدر، طيب النفس". وتكرار النفي لتوكيد الفكرة مثل "لا أُريد بالصديق ذلك القرين ولا ذلك الصاحب"، وبما يشبه الترادف المعنوي مثل: "معاداته ومخالفته" وقد أضاف عطف الثانية على الأولى معنىً جديداً لأن المخالفة عمل إيجابي بعد المُعاداة. و"إذا غاب .. وإذا أصبح من ماضيك .. وإذا تحوّل عنك .. وإذا مات"، وهذا الترتيب له هدف نفسي للتخفيف من صدمة موت الصديق، فالكاتب يتدرّج بالخبر حتى تتهيّأ النفس لتحمل صدمة خبر الموت.

وكان الكاتب دقيقاُ في انتقاء الألفاظ الملائمة لمواضعها، مُراعياً الفروق الدقيقة بين المرادفات، فـ"القرين" يُلائم التشبيه بالشيطان اقتداءً بقوله تعالى عن الشيطان: "وقال قرينه ربنا ما أطْغيْتُهُ، ولكن كان في ضلال بعيد"، و"الرفيق" يُلائم "يتصنّع ويُماسح" لما فيه من الرفق واللين، و"الحبيب" يلائم "هم الحب" وتبعاته، و"الصاحب" يوحي بالملازمة فيلائمه التشبيه بجلدة الوجه في الالتصاق.

واستخدام اسم الإشارة "ذلك" للدلالة على البُعد، ملائم للجو النفسي لصديق زائف بعيد عن القلب، وعن معنى الصداقة الحقة. وأيضا "أولئك" إشارة لكل هذه الأنواع من الأصدقاء، و"هناك" إشارة إلى موقفهم البعيد عن المشكلة، و"مات فيك ميت" أدق في التعبير عن قوة الصلة من "مات لك ميت" لدلالة "فيك" على الاندماج.

***

إن كتاب «السحاب الأحمر» لوحة وجدانية من لوحات الأدب الحديث، تسمو بالنثر إلى ما يشبه الشعر.


تعليقات 6 | زيارات المقال 13434 | مقالات الكاتب 61
1

سيرين - قطر 12 - شوال - 1426 هـ| 14 - نوفمبر - 2005
موضوع جميل وشخصيه يستحق ان نقف عندها ..

لكن إستفسار خارج دائرة الموضوع ..
ما حكم التصوير باليد ؟ خصوصا لوجه إنسان ؟

هناك بيانات مطلوبة ...

3

محمد الرافعي - مصر 13 - ربيع أول - 1428 هـ| 01 - ابريل - 2007
أنا فعلاً بحييك يادكتور على موضوعك .أنا من عشاق مصطفى الرافعي ومن كثرة عشقي له أطلقت على نفسي محمد الرافعي وأنا أسمي الحقيقي محمد السماحي وشكراً أنك أمتعتنا بالمعلومات القيمة دي

هناك بيانات مطلوبة ...

4

جميل - المغرب 09 - رمضان - 1428 هـ| 21 - سبتمبر - 2007
مااروع استاذ الجيل سيدي الرافعي...اليس الاختصار لاسم الرجل هو..هو..هو ماذا...هو مصر....... فاعرفوا للرجل حقه بلا فراعنة بلا حمص بلا.................

هناك بيانات مطلوبة ...

5

قويدري محمد - الجزائر 30 - ذو القعدة - 1428 هـ| 10 - ديسمبر - 2007
لم اقرا كل كتب الرافعي ولكني قرات الرافعي في بعض كتبه فادركت انه ليس تحت اديم السماء من له لغة كلغته لان الوحي ليس كغيره

هناك بيانات مطلوبة ...

6

عبدالرحمن الحبشي - السعودية 06 - ربيع أول - 1429 هـ| 14 - مارس - 2008
لا أزال مذ عشقت الأدب هائما حائرا ، حتى إذا علمت فيه غير الهيام والرومانسية وأخبار الحب ومطاوح الغرام ، ووجدت فيه حياة متكاملة _والكمال لله تعالى وحده_ .. وماهي إلا أن تغيرت نظرتي إليه ، فعظم في نفسي ، وعظم لذلك كتابه العظام ممن أعملوا أقلامهم في ما يصل الأدب بالحياة من جوانبها كلها ، لأني رأيتني أقرأ فأتعلم فأعكس ذلك في حياتي ، فما هي إلا أن لقيت خيرا كثيرا .. فعاهدت نفسي لأستكثرن من ذلك استكثار الطماع للذهب والفضه ، ألا فإنه طمع محمود مأجور بإذن الله سبحانه ..
فأقبلت أقرؤ في هذه المقالات ..
وما أحسب أني قرأت لأفضل من مصطفى صادق الرافعي يوما.. إنه كان فاضلا وحسن كاتبا وأديبا ، فحق للجميع أن يشدوا بكلماته ويتخذوه عميدا للأدب العربي بدلا لطه حسين..

لكم يجمل بي أن أشكرك أخي الكريم لما عرضت من الموضحات عن أدب الارفعي في هذا الكتاب ..
والسلام

هناك بيانات مطلوبة ...


الأسـم *:
البريد الإلكتروني:
الدولة*:
العنوان:
التعليق *
كود الحقيق *
لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...