وديع فلسطين: الأدب النسائي ينطبق على أديبات الجسد!

أدب وفن » آراء وقراءات
02 - ربيع الآخر - 1424 هـ| 03 - يونيو - 2003


وديع فلسطين (1923م) أديب كبير يقدره الأدباء العرب حق قدره، وإن لم تلفت إليه الأجهزة الثقافية فتعطيه بعض حقه، كما تفعل مع أشباه الكتاب والأدباء!

ووديع فلسطين ـ كما يصفه صديقه الدكتور حلمي القاعود ـ  من جيل عركته الحياة، واحترم القيم الرفيعة، بل اعتنقها حتى صارت جزءاً من سلوكه وفكره.

"لها أون لاين" حاورت الأديب وديع فلسطين في القاهرة مؤخراً، فكان هذا اللقاء حول المرأة:الأم، والأخت والزوجة والابنة، وأخيراً الأدب النسائي:

المرأة رفيقة الدرب

المرأة هي الأم والأخت والزوجة والابنة، وكذلك المدرِّسة والزميلة والأم الروحية والطالبة. ومن توفيق الله أنه لم يضنّ عليَّ بهذه النعمة الكبرى، حيث كانت المرأة رفيقة الدرب في جميع مراحل العمر.

فالأم هي التي تعهدتني بالتربية والتقويم منذ السابعة من عمري عندما توفى والدي، فاضطلعت منذ ذلك الوقت بالدور المشترك للأب والأم، فضيَّقت على نفسها واحتملت مشاق الحياة وساعدتني بالتضحيات الجسام على تحقيق طموحي في الحياة، وعاملتني كشقيق عندما استويت على قدمي، وكانت تحرص كل يوم على قراءة مقالات الصدر التي كنت أكتبها في جريدة "المقطم" على الرغم من عدم اهتمامها بمجريات الحوادث وأخبار السياسة، وشجعتني على السفر للخارج على الرغم من أنَّها ـ بحكم صعيديتها ـ كانت تخشى عليَّ من الغوايات التي يتعرَّض لها الشباب عندما ينطلقون في عالم منفلت من القيود والتقاليد التي تزداد تزمتاً في الصعيد الجوَّاني. ومع أنَّ زوجها توفى وهي ما زالت في شرخ الشباب؛ فقد عاشت في زهد الترمّل لكي تربي أبناءها وبناتها، ولم تخلع السواد إلى أن وافاها الأجل، وفاءً منها لزوجها الذي أخلصت لذكراه راضية بحظوظها من الدنيا حتى ولو عانت شظف العيش.

أمَّا الأخت، فقد أنعم الله عليَّ لا بأخت واحدة، بل بأخوات، كنَّ لي جميعاً أبرَّ الأخوات، ولا أذكر أبداً أنه شجر بيني وبين إحداهن أيّ سوء فهم أو خلاف، وما زلت أنعم بمودات الشقيقات وصحبتهن، فأرى فيهن جزءاً من روحي موزعة بينهن.

وأما الزوجة، فقد احتملت بصبر وتسليم ما تعرضت له من انكشاريات الحياة في رحلة العمر؛ لأنني اخترت لنفسي مهنة الصحافة، وهي لم تعد مهنة البحث عن المتاعب، بل صارت مهنة تثير حولها الشكوك والريب من أجهزة الأمن والاستخبار ومن العسكر والثوار. فعندما خطبت زوجتي كنت "خالي شغل" بعد ما أغلقت الجريدة التي كنت أعمل بها، وتعرَّضت بعد ذلك للبطالة غير مرة، سواء بإغلاق المؤسسات التي عملت فيها بعد ما سُدَّت في وجهي جميع أسباب العمل في الصحافة، أو بعد ما طردني نظام القذافي من ليبيا في أربع وعشرين ساعة دون تعليل، أو عندما فصلني نظام الخميني من عملي في سفارة إيران بالقاهرة، وهو العمل الذي لم أهتد إلى سواه في ظل تأميم الصحافة المصرية وغزوها بجحافل العسكريين الذين قيل لهم كونوا صحفيين فكانوا، بل قيل لواحد منهم كن نقيباً للصحفيين فكانه! ولا غرو أنَّ أمنى بهذه الانكشاريات؛ فقد كان أول عهدي بها عندما اعتقلني نظام عبد الناصر في عام 1952 بعد ثلاثة أشهر من قيام ثورته دون أي تعليل.

وأمَّا الابنة؛ فهي من أعظم النعم التي أفاء الله بها عليَّ، وهي ما زالت ـ برغم التزاماتها في العمل وفي الأسرة ـ ترعى شيخوختي وتواليني بعنايتها، وكانت لي الملاك الرؤوم الذي رافقني في رحلة المرض وغشيان المستشفيات، وما زال هاتفها اليومي يملأ بالسكينة نفسي ويمنحني الطمأنينة؛ لأنَّ عينها ساهرة على أبيها.

لست ممن يرتضون تصنيف الأدب إلى أدب قديم وأدب حديث، أو إلى أدب رجالي وأدب نسائي، فالأدب الجيّد هو الذي لا يختفي كما تختفي "الموضات" في الثياب، وإنما يبقى فلا تبلى جدته على ترادف الأيام. فما زلنا نتذوق شعر المتنبي وكأنه معاصر لنا، وما برحنا نستشهد بشعر شوقي وكأنه باق بيننا.

وما ينطبق على تصنيف الأدب إلى قديم وجديد؛ ينطبق على تصنيفه بأنه أدب رجالي ونسائي، فالمهم عند القارئ ـ والناقد أيضاً ـ أن يجد في ما يطالعه متعة روحية وإشباعاً فنياً، فالذي يطالع آثار الدكتورة بنت الشاطئ مثلاً، لا يقع على فروق ذات بال بين ما تكتبه وما يكتبه الرجال، بل لقد اتهمت ظلماً بأنَّ وراء آثارها زوجها الشيخ أمين الخولي. وهذا يصدق أيضاً على آثار الدكتورة سهير القلماوي، وكثيرات غيرها، فإطلاق تعبير "الأدب النسائي" على ما كتبه المرأة لا يخلو من كثير من الخلل؛ لأنَّ التعميم لا يصلح في قضايا الأدب.

ولكن إذا انتقلنا إلى ميدان الشعر والرواية، وهما ميدانان تتجلَّى فيهما شخصية الشاعر أو الروائي، فقد يختلف الأمر نوعاً ما؛ لأنَّ المرأة الشاعرة أو الروائية معرَّضة لأن تسكب من مشاعر أنوثتها ما لا يستطاع نسبته إلا إليها، فهي أعرف بنوازعها وأكثر إحساساً بمشاعرها من الرجل، فتجيء آثارها بناء على ذلك مفعمة بروح الأنوثة التي ليس منها فكاك، حتى وإن أدارت الخطاب على لسان رجل. فإذا تناولت شاعرة أو روائية موضوعات مثل الأمومة أو الحمل أو الولادة أو ما تتعرَّض له المرأة من قهر أو إكراه، فالأرجح أن يجيء تصويرها لهذه المواقف تصويراً نسائياً مجرَّداً قد لا يستطيع الرجل مجاراتها فيه. أمَّا في قضايا الحب والهجر والخصام والأشواق وما إليها، فقد ينجح الشاعر أو الروائي في تصوير هذه المواقف تصويراً حياً ربما عزَّ على المرأة مجاراته فيها. وآية ذلك، أنَّ الشاعر نزار قباني والروائي إحسان عبد القدوس قد استطاعا أن يتغلغلا في دخائل المرأة، وأن يصوِّرا مشاعرها في الإقبال والصد والإدبار، ربما تفوقا فيه على المرأة نفسها!

*بعض اللواتي تبنين هذا المصطلح يرين أنهن أخبر بقضايا المرأة من الأدباء الرجال الذين يصورونها إما مقموعة أو ساقطة، والواقع أنهن لم يتجاوزن هذه النظرة بل توسعن بصورة تحط من كرامة المرأة وقدرها، كتصوير شخصيات نسائية لها مطلق الحرية في مرافقة من تشاء من الرجال ومنح جسدها له؟

لعلَّ الاتجاه الطاغي حالياً في كتابات النساء إلى إبراز قضايا "الجسد" بأساليب كاشفة ودون التستر وراء عبارات رمزية، هو من المحاولات النسائية لإظهار قدرة المرأة على التعبير "البيولوجي" عن رغائبها ونزواتها، وكذلك شطحاتها، والأديبة الراحلة أليفة رفعت قد انطلقت في هذا الميدان حتى كتبت أقاصيص عن السحاق وعن اتخاذ الحبيبة بديلاً عن الزوج في أداء وظائفه، وعن فضول المراهقات والمراهقين لاكتشاف وظائف الأعضاء لدى كل منهما، وغير ذلك من الموضوعات التي لم ينازعها فيها أحدٌ من الرجال.

وصفوة القول إنَّ تعبير الأدب النسائي قد ينطبق أكبر انطباق على أديبات الجسد، ولكن المؤكد أنه لا ينطبق على جميع الباحثات الجادات، وما أكثرهن.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...