أدب الطفل العربي محلك سر

القاهرة ـ لها أون لاين ـ محمد رضا السيد: أكد الدكتور "مصطفى رجب" ـ عميد كلية التربية جامعة سوهاج الأسبق بصعيد مصر ـ أن مجلات الأطفال المنتشرة اليوم لا تزال تسير بطريقة "محلك سر" بما فيها المجلات الإسلامية، وأنها تسير في فلك قصص الأطفال منذ 60 عاما, محملا الأساتذة الذين يدرسون أدب الأطفال في الجامعات والأدباء هذا التقصير، ومتهما لهم بأنهم لا يجهدون أنفسهم في عمل معاجم لقصص الأطفال للمراحل السنية المختلفة حتى يتم تلافى التكرار.
وأضاف ـ في الندوة التي أقامها مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة تحت عنوان "أدب الطفل بين الواقع والمأمول" ـ أن اهتمام المثقفين العرب بأدب الأطفال بدأ مبكرا مع الشاعر "محمد عثمان جلال" الذي ترجم قصصا فرنسية موجهة للأطفال كتبها "لافونتين" مستفيدا من حكايات "إيسوب القديمة". وأصدر محمد عثمان جلال هذه القصص مترجمة في ديوان من نظمه أسماه"العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ". وعلى نهجه سار بعد ذلك كل من "إبراهيم العرب" و أمير الشعراء "احمد شوقي" ومن جاء بعديهما.
وعن أهم ملامح هذا الأدب قال: تميز أدب الطفل خلال تلك الحقبة باقتصاره علي الشعر من جهة، واعتماده علي الترجمة من جهة أخرى، ومن أواسط القرن العشرين حين بدأت القصة العربية الطويلة (الرواية) في الظهور بدا الأدباء العرب يفكرون في إنتاج أدب قصصي للأطفال، معللا أن هذا سبب تأخر ظهور قصص الأدب كثيرا بالقياس إلى شعر الأطفال وأن المحاولات في هذا المضمار ضعيفة وقليلة.
وألمح إلى أن ظهور كتابات الأديب المتميز المرحوم "كامل كيلاني" الذي قدم مشروعا أدبيا تمثل في إنتاج قصص عربية للأطفال ذات مضمون هادف، فضلا عما قام به من ترجمة, ومعه أدباء آخرون عاصروه وجاءوا من بعده، لعل من أبرزهم "عبدالحميد جودة السحار"؛ سد فراغا تربويا كبيرا حين قدم مشروعا خاصا به هو إصدار سلسله قصصية للأطفال قدم فيها السيرة النبوية بأسلوب رشيق.
وأشار إلى أن مسرح الطفل ظل مجالا منسيا إلى حد كبير، ولكن الاهتمام الرسمي بثقافة الطفل تأخر عن تلك الاهتمامات الفردية حتى جاءت حقبة الخمسينيات وتتابعت كتب الأطفال ومجلات الأطفال وكانت هذه الحقبة هي نقطة البداية في أدب الأطفال في الوطن العربي، وأخذت هذه الأدبيات الخاصة بالأطفال تظهر في سوريا ولبنان والعراق والأردن والجزائر وتونس وبعض دول الخليج العربي واليمن والكويت، حتى قدر عدد الكتب الخاصة بالأطفال بنحو خمسة آلاف كتاب حتى عام 1967م.
واستعرض الدكتور مصطفى رجب تقريرا لمنظمة اليونيسيف حول إحصائية مقارنة لكتب الأطفال في عام 1979م، فأشارت النتائج إلى أن كتب الأطفال الصادرة في ذلك العام بلغت 4.8% في الاتحاد السوفيتي و3.9% في الولايات المتحدة الأمريكية و2.7% في المملكة المتحدة.
في حين أن نصيب الطفل العربي على مر السنين وليس في عام واحد من الكتب الصادرة لا يكاد يصل إلى نصف كلمة لكل طفل. أما قصص الأطفال فتحتل نصيبا كبيرا بين كتب الأطفال إذ تراوح بين 51.3% و67% منها. وتأتي الكتب الدينية على رأس قائمة الكتب الأخرى حيث تمثل أكبر عدد من كتب الأطفال المطبوعة بنسبة 12.6% "تتم حسابات اليونيسيف عن طريق حساب العلاقة الرياضية بين الكتب الخاصة بالأطفال أو عنهم، من جهة وبين عدد الأطفال ومن جهة أخرى".
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الأطفال في الوطن العربي من سن 12:6 سنة بلغ 35 مليون طفل سنة 1985م ارتفع إلى 50 مليون طفل سنة 2000م وعدد الأطفال العرب من سن 17:12 سنه بلغ 28 مليونا سنه 1985م، ارتفع إلى 44 مليونا سنة 2000م.
تليها كتب الآداب الأجنبية7.1% ثم كتب التاريخ والتراجم 6.8%، وكتب الجغرافيا والرحلات 6.4%، وكتب العلوم 5.4% وكتب العلوم الاجتماعية 3.9%  ثم بقية الموضوعات الأخرى نجد الشعر والأناشيد في آخر القائمة بنسبة .0.27%.
كما أن عددا من الكتب الموجهة للكبار عن أدب الأطفال وثقافتهم ومكتباتهم قد بدأت بالظهور عام 1968م التي قد تصل فى جملتها إلى 50 كتابا تقريبا.   
  وخلص إلى أنه إلى جانب قلة هذه الأعداد من كتب الأطفال والقصص فإن واقع مجلات الأطفال يبدو أشد شناعة من الكتب والقصص. وأنها تمثل علامة  مميزة في حياة الأطفال لأنها أقرب إلي متناول اليد والذهن.
وأعتبر أن قصص وحكايات الأطفال في بلداننا العربية تحتاج إلى غربلة مستمرة، لأن ما تحتويه من قيم وأفكار هو الأساس الذي تبنى عليه فيما بعد الشخصية العربية التي عانت وما تزال تعانى من الأثر السيئ لمناهج التعليم المختلفة التي لا يحلو لواضعيها أن ينتقوا من تراثنا الشعري إلا أردأه مضمونا.                                                                     
  وأضاف أن كتاباتنا التربوية وطرق تدريسنا بالية وأن وسائل تعليمنا متخلفة. وأن المعلم العربي لا يستطيع أن يميز الخبيث من الطيب ولا الفائق من المتأخر في أثناء تدريسه وأن طرق الامتحانات عندنا ما تزال تقيس الحفظ ولا تقيس الفهم. وتنتج مدارسنا طلابا مقولبين تمت صياغتهم وفق مناهج صماء لا تعترف بما أودع الله بين خلقه من فروق فردية. ثم إن مناهجنا لا تواكب عصر الحاسوب ولا تنهل من مناهل الثورة المعرفية الراهنة. وما تزال تقف عند حدود ما أنتج "داروين" ومعاصروه! 
وعن أهمية هذا النوع من الأدب قال: يقع أدب الأطفال موقع القلب من منظومة التنشئة الاجتماعية في أي دولة من الدول؛ ذلك أن ما يحفل به هذا الأدب من قيم ومبادئ وأفكار تتسرب إلى وجدان الأطفال فتسهم في تشكيل شخصياتهم ورؤاهم ومعتقداتهم وفق ما يتبناه ذلك الأدب من غايات وما يرمي إلى غرسه من معتقدات يراد نشرها وتحويلها إلى مرتكزات النشء.                          
وربط بين التعليم والأدب معتبرا أن حال التعليم لا ينفك ولا ينفصل عن حال أدب الأطفال فكلاهما بعيد بدرجة سحيقة عما يناط به من إعادة صقل الشخصية القومية بحيث تصبح الشخصية العربية والإسلامية ذات ولاء وانتماء لتراثها وعقيدتها وقضايا الوطنية وعمقها القومي العربي الإسلامي.
 وفى إطار حديثه عن الهدف القومي من وراء الأدب لفت الدكتور "مصطفى رجب" الانتباه إلى ضرورة مقارنة أدبنا الإسلامي بأدب الصهاينة، مشيرا إلى كتاب وضعته الدكتورة "سناء عبد اللطيف" بعنوان "هكذا يربي اليهود أولادهم" كشفت فيه ما في كتب الأطفال اليهود من تعصب.
 واستعانت في ذلك باللغة العبرية التي تتقنها تقانا تاما، فاطلعت على مؤلفات الأدباء اليهود الذين يرفضون عادة ترجمة أعمالهم إلى اللغة العربية حتى لا يفضحوا سياستهم.
وأوضح أن كتاب الدكتورة سناء؛ وهى من مواليد الإسكندرية بمصر سنة 1951م كان في الأصل رسالة جامعية تقع في أكثر من أربعمئة صفحة؛ وترى أن أدب الأطفال الصهيوني المعاصر في فلسطين المحتلة بدأ يظهر منذ عام 1905م، وكانت مصادره مستقاة من التوراة, وقد اهتم عدد من الأدباء اليهود بترجمة الكثير من آداب الأطفال العالمية, ونقلوها إلى اللغة العربية.
ثم ظهرت في فلسطين صحف لتسلية الأطفال, ولكنها كانت طفرة, فلم يستمر وجودها وقتا طويلا؛ لأن ما فيها كان أدبا صهيونيا للغاية, مفعما بـ(القيم) اليهودية القومية، يعمل على تنشئة سياسية تهدف إلى إيجاد جيل ذي توجه تاريخي صهيوني، بالإضافة إلى التنشئة العلمية العقلانية من اجل خلق إحساس بالشعب اليهودي "المضطهد"- حسب الرؤية الصهيونية- في نفسية الأطفال، وأن اضطهادهم كان من الضخامة والشراسة بحيث لا يمكن أن يعادله أي اضطهاد لأي جنس في العالم!
وأن من زعمهم في ما يكتبوه للطفل أن ارض الميعاد هي فلسطين وهى المكان الذي يتوفر فيه الأمن والأمان لليهودي، وأن الشعار الأساسي عند الأدباء الصهاينة (لا ننسى.. ولن نغفر) لكي تبقى الأحقاد متوالية جيلا بعد جيل، فظهر أدب (النكبة) الذي يتحدث عن الاضطهاد النازي لليهود في أوربا، ويتكلم عن ظاهرة التخفي بين يهود الشتات حتى لا يعرف أحد يهوديتهم والمعاناة التي قاسى منها اليهود في شتاتهم، ويوصى أدب الأطفال اليهود في الكيان الصهيوني المغتصب بضرورة الحفاظ على دولتهم والارتباط بها فهم يؤكدون أنها فلسطين.
كما استعان الدكتور رجب بدراسة أعدها الأستاذ "سمير سمعان" بعنوان (أضواء على التوجهات العنصرية في المناهج التعليمية الصهيونية: النظرة الاستعلائية تجاه العرب وتزوير التاريخ الإسلامي) وعرضتها جريدة الرياض السعودية (العدد 12418الصادر في 21 يونيو 2002).
ويعرض معد الدراسة فيها ما تسعى إليه الكتب المقررة في الكيان الصهيوني من تشويه للتاريخ العربي والإسلامي، مضافا إلى ذلك ما يقوم به أدب الطفولة اليهودي الذي ينمي في نفوس الناشئة اليهود مشاعر القلق والتوتر والخوف من المستقبل المجهول.
وبات الأدب يعبر عن وجهة نظر أحادية الجانب هي وجهة نظر المؤسسة العسكرية الصهيونية التي تخلو من أي نظرة إنسانية للعربي الفلسطيني والعربي المسلم، حيثما وجدوا.
وقد ذكر معد الدراسة أن الصحفية الخبيرة في شؤون التربية "نيلي مندلر" من خلال تحليلها لسلسلة كتب المطالعة المقررة على الطلاب؛ اعترفت بالقول: "حيثما تفحصنا وفتشنا كتب قراءات الكيان الصهيوني وجدناها محشوة بعبارات التحقير للعرب والأوصاف غير الإنسانية المتوحشة في حين أن الكتب المرجعية التي تقرها وزارة المعارف والثقافة الصهيونية والمتداولة بين أيدي المعلمين والمربين هي أشد عنصرية وأكثر فظاعة مما يستخدمه الطلبة أنفسهم".
وأشار إلى أن هذه الروح التي سادت منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948م تغلغلت في سائر الأجهزة الرسمية والشعبية الصهيونية ضمن محاولة لإيجاد "الصهيوني الجديد" أي الصهيوني اليهودي الذي خرج منتصرا في حربة ضد سبعة جيوش عربية، فعاد ليقيم دولته بعد ألفي عام.
 وهذا جزء لا يتجزأ من الادعاءات التي تحمل الطابع الأسطوري، إذ إن هذه الروح اشتدت بعد عدوان يونيو 1967م واحتلال بعض الأراضي العربية، مما مكن الجنرالات العسكريين من الانتقال إلى الحياة السياسية واحتلال مناصب ومواقع عليا على قمة الحكم، ليكونوا فيما بعد النخبة الحاكمة.
وأصبح الجنرالات في نظر الطفولة والناشئة اليهود نماذج يحتذي بها في كل زمان ومكان وأكثر إغراء وإشباعا للطموح الصهيوني المجذر في أذهان أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة.
وانتهى الدكتور مصطفى رجب إلى أن أدب الأطفال العبري هو الذي يخطط السياسة العنصرية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في الكيان الصهيوني منذ أن قام على أرض فلسطين. ويمكن القول بأن أدب الأطفال يشكل عنصرا ثقافيا ويترك أثره على نفسية الصغار، الذين هم في الواقع رجال المستقبل ونساؤه وصانعو القرارات السياسية.