ما إن يموت أحد من الأعلام المشهورين، الذين تختلف حولهم الآراء وتتباين وجهات النظر حيالهم، حتى يفاجئك مريدوه وحاملو فكره بحديث صحيح " لاتسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"رواه البخاري، أو حديث ضعيف"اذكروا محاسن موتاكم"(راجع ضعيف أبي داود وضعيف الترمذي)، والهدف من ذكرهم لهذه الأحاديث تبجيل من مات وتعظيمه في نفوس الخلق، لدرجة تصل في كثير من الأحيان حد التقديس، وتوحي برفعه لمنزلة العصمة من الخطأ، وفي الوقت نفسه يذكرون أعماله الحسنة التي قدمها بشيء من التفصيل والتعظيم. وتزخر صفحات الصحف والإنترنت بجملة عظيمة من مقالاتهم في مديح أولئك، والتشنيع على كل من خالفهم، ووضع أولئك الأموات في عداد من يؤخذ من قولهم ويرد، أو قام بمناقشة آراءهم وطروحاتهم.
الناس شهود الله في أرضه كما ثبت في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ َرضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: "مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ:"هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ".
و ظاهر هذا الحديث يدل على جواز ذكر الميت بالسوء – الذي يدخل في مسمى السبِّ – ففي إقرار النبي صلى الله عليه وسلَّم لمن فعله بين يديه، و ترتيبه الحُكم بوجوب النار عليه، ما يدلُّ على جوازه.
وروى البخاري و النسائي و أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا "، و قد بوَّب البخاري على هذه الحديث في الصحيح ، فقال: (باب ما ينهى من سبِّ الأموات)
وقد فرق بعض العلماء – ومنهم البخاري - بين حال وحال، حيث ذكر في تبويبه (باب ما ينهى من سب الأموات) حيث استعمل من التبعيضية، وكأنه يشير إلى ورود النهي عن سب الأموات في بعض الأحوال وليس على الإطلاق. قال الإمام المناوي رحمه الله في فتح القدير : "السب غير الذكر بالشر، و بفرض عدم المغايرة، فالجائز سب الأشرار و المنهي سب الأخيار".
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم: "فان قيل: كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري و غيره في النهي عن سب الأموات؟ فالجواب: (إن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق و سائر الكفار، و في غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقتهم، و من الاقتداء بآثارهم و التخلق بأخلاقهم. و هذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه مما ذكرنا، هذا هو الصواب في الجواب عنه، و في الجمع بينه و بين النهي عن السب".
وقال ابن بطال: "سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير -وقد تكون منه الفلتة- فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له، وكذلك الميت".
وقال الإمام ابن حزم في المحلى": ولا يحل سب الأموات على القصد بالأذى، وأما تحذير من كفر أو من عمل فاسد فمباح".
وبهذا يعلم أنه يستثنى ذكر أهل الضلالة، والبدع، لاسيما الذين تركوا في المسلمين شـرهم وضلالاتهـم، من رؤوس الشر، فهؤلاء يذكرون بسوء أعمالهم بعد موتهم؛ لتحقيق مصلحة التحذير والتنفير من أفعالهم المخزية، ولهذا لم يزل علماء المسلمين في مؤلفاتهم في هذا الباب، يذكرون رؤوس أهل البدع والضلال بالـسوء.
وقد قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "إذا كان في شخص عيب ما، فإنْ اقتضت الْمصلحة أو الْحاجة، أو الْضرورة إلى بَيانه؛ فلا بأس به، لا بأس منْ بيانه، ولكن الأحسن أن يقول: بعض الناس يفعل كذا، بعض الناس يقول كذا، لسببين: السبب الأول أن يسلم من قضية التعيين.
والسبب الثاني: أن يكون هذا الْحكم شاملا له ولغيره.
إلا إذا رأينا شخصًا مُعينًا قد فُتِنَ الناس به، وهو يَدْعو إلى بِدْعة أو إلى ضَلالة، فَحِينئذ لا بدّ منْ التّعيين حَتى لا يَغترّ الناس به".
لعل في النقولات السابقة من أقوال أهل العلم ما يوضح ما يجوز وما يحرم من سب الأموات وذكرهم بسوء والثناء عليهم.
ولكن الملاحظ في وقتنا الحاضر هو محاولة طمس الحقائق أو تشويهها، والتماس الحجج الواهية في الذب عن من اشتهر بفسق أو فجور أو بدعة وضلال، وذلك بنبش محاسنه الدنيوية التي لا تنفعه بعد موته، والدفاع عن مساوئه وآثاره التي يبقى وزرها بعد موته، والتي خلفها لأتباعه من مؤلفات أو قصيد أو مسرحيات أو بدع تلقفها الناس واستحسونها، أو كان صاحب سلطة فسن قوانين أو أنظمة مخالفة لشرع الله فطبقوها. وسيحمل وزرها كاملا يوم القيامة كما في محكم التنزيل: قوله تعالى):لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ)) 25النحل)، وقوله سبحانه: )وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (13 العنكبوت( . وكما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) رواه مسلم؛ وروى مسلم أيضا من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسَنَةً فَلَهُ أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعدَهُ مِن غير أن يَنْقُصَ من أجُورِهم شَىءٌ، ومَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيّئةً كانَ عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِنْ بَعْدِه مِن غَيرِ أن يَنْقُصَ مِن أَوزَارِهم شَىءٌ).
بل ربما تعجرف بعض أولئك المنافحين عمن مات من الفساق ودعاة الضلالة، وبحثوا بين طيات كتبهم، أو مواقفهم عن كلمة توحي بتوبتهم وإنابتهم، أو تشير إلى إيمانهم وتقواهم، وهي في حقيقتها نقطة في بحر مما خلف من السوء ونشر من الفساد، فكثير من تلك الكلمات في غالبها نفعها مقتصر على من قالوها ؛ بينما شرهم متعد إلى غيرهم، بل ربما وصل شرهم إلى عامة الأمة والطعن في الدين، وهم لم يتبرأوا منها حال صحتهم وحياتهم، أو يعلنوا تراجعهم عنها قبل موتهم. وقد حذر العلماء السابقون من خطورة ذلك:
قال الحافظ مؤرخ الإسلام الذهبي معقبا على اغترار الخليفة العباسي المنصور بكبير المعتزلة عمرو بن عبيد، حيث كان يعظمه ويقول:
كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد
قال الذهبي: "اغتر بزهده وإخلاصه وأغفل بدعته".
إننا لا ننفي الإيمان عمن مات موحداً، بل ندعو له بالرحمة والمغفرة كسائر أموات المسلمين، ومرده إلى الله عز وجل؛ ولكن يجب أن لا تأخذنا العاطفة فننسى مواقف من عادى الإسلام أو المسلمين أو وقف في وجه المصلحين، أو ناصر أهل الأهواء والمفسدين، لمجرد أنه مات، فيجب فضحه، وهتك ستر الفكر الذي يحمله، ويروج له يوم أن كان حياً بمباشرته بنفسه، وبعد موته بما خلف من تركته، سواء كانت كتباً أو قصيداً أو مسرحيات أو أنظمة أو بدعاً وضلالات، ونحو ذلك؛ لأنه مات هو بشخصه وتوارى جسده عن الخلق بينما آثاره باقية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقال بعضهم للإمام أحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول: فلان كذا، فلان كذا؟ فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟.
و بيان حال أولئك وتحذير الأمة منهم واجب، فقد قيل للإمام أحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: "إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعه ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين".
وليس المقصود من ذلك محاسبتهم ومحاكمة نياتهم؛ فهذا موكول إلى الله عز وجل وإن ادعوا حسن النية، فذلك لا يكفي خصوصاً و قد ظهر من عملهم خلاف ذلك، وقد أورد البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه يقول:"إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا، أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءا، لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة".
ومن العجب أن أولئك المتشدقين بذكر مناقب أهل الأهواء والضلال ،والتشنيع على من ذكر الأموات بما فيهم من السوء، هم أكثر الناس دعوة للحوار والنقد والمناقشة، فمبدأهم أنه لا يوجد شيء غير قابل للنقاش حتى نصوص الوحيين ، أما إذا تعلّق الأمر بفضح من يستحق الفضيحة فهم أفقه الناس في الحديث وسرد الأدلة، ولا عجب من تناقضهم فهم الذين يروجون للمصنفات- على اختلاف أنواعها من كتب وأفلام ومسلسلات ونحو ذلك - التي تنتقد التاريخ الإسلامي كله، بأحداثه وأعلامه وتشوه حقائقه، مع أن أبطال تلك الأحداث أموات وكثير منهم مشهود له بالعدالة، بل جزء كبير منهم زكّاهم الله في كتابه وهم الصحابة رضي الله عنهم. وهم الذين ما فتئوا يسبون ويشنعون على كثير من الدعاة والمصلحين الذين أعدموا أو ماتوا وينسبون لهم زوراً كثيراً . ولم يستشعروا الحديث " لا تسبوا الأموات" رواه البخاري.
ولاعجب في منهجهم المتناقض، وانتقائيتهم في المدح والذم؛ فتلك طبيعة أهل الأهواء على مر الأزمان والعصور، ويكفينا قول الله عزّ وجلّ : "أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ" (18 السجدة) ، وقوله تعالى: "أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ" (21 الجاثية).
وفي الحديث عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُر عليه بجنازة فقال:"مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ:"الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ". رواه الشيخان.
وقفة:
ما أحسن كلام الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية لما توفي أحد رؤوس أهل البدع وهو الحسن بن صافي إذ يقول: (أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش، فلله الحمد والمنة، وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله!) .