في هذا الحوار يتحدث الأستاذ أحمد فوزي الشمرلي حفيد مؤسس مصحف "الشمرلي" الشهير الذي يعد أحد أهم المصاحف التي يحرص عليها الحفّاظ، في مصر والعالم الإسلامي.
ويتحدث الأستاذ أحمد عن بدايات المصحف وفكرة إنشاء مطبعة خاصة به، وعن مراحل الإعداد حتى يصل لأيدي القراء، كما يحدثنا عن أسلوب والده وجده رحمهما الله في معايشة القرآن والتأدب به؛ فإلى نص الحوار:
ـ كيف بدأت قصة مصحف الشمرلي وما أصل هذه التسمية؟
** كانت البداية مع جدي الحاج أحمد الشمرلي الكبير منذ ما يقرب من 75 عاما، حيث فكر في طباعة المصحف وساعده في ذلك والدي وأعمامي، وكان أول من خطّ هذه الطبعة هو الحاج محمد سعد إبراهيم الشهير "بحداد" وكتبه على الرسم العثماني وما تزال النسخة الأصلية المرسومة بخط يده موجودة لدينا حتى الآن، على الرغم من التطور التكنولوجي الذي يحيط بنا.
أما أصل التسمية فجاءت من لقب العائلة "الشمرلي"، ومن حسن حظنا أن لقب العائلة هو ما اتخذناه بعد ذلك اسما تجاريا لشركتنا، وهو علامة مسجلة حيث لا يوجد شمرلي غير عائلتنا، ولا يمكن أن يستغله أحد غيرنا في العالم.
ـ إذن طبعتكم للمصحف الشريف صعبة التزوير أليس كذلك؟
** بفضل الله لا أحد يستطيع تزوير طبعتنا؛ لأنها مميزة لكن الأمر لا يخلو من قيام البعض بالاستيلاء على طبعتنا والتغيير فيها ويطبعها، لكن الأزهر الشريف دائما ما يكشف هذا التزوير.
ـ ما دور الأزهر في ضبط هذا التزوير؟
**الأزهر الشريف دوره رقابي بحت، حيث نرسل عشر نسخ من كل طبعة لمراجعتها، وتؤخذ بشكل عشوائي ، كما أننا لدينا حافظ للقرآن الكريم خاص لنا يقوم بالمراجعة الدائمة؛ تلافيا لأي خطأ ولو كان غير ملحوظ.
ـ هل حدث وأخبركم أحد الأشخاص بأنه اكتشف خطأ ما في الطباعة؟
** قليلا جدا ما يحدث هذا . ولكنني أتذكر أن أحد القراء اتصل بنا ونبهنا إلى كلمة معينة يجب أن توضع عليها علامة المد وسألنا الأزهر؛ فتأكدنا لنا صحة قوله.
ـ وكيف كان تصرفكم؟
** شكرناه وراجعنا كل النسخ الموجودة لدينا وصوّبناها بفضل الله.
ـ كم نسخة تُطبع من مصحف الشمرلي سنويا؟
** ليس لدينا أعداد محددة نتيجة لاختلاف الأحجام التي نقوم بطباعتها، بداية من الحجم الجوامعي وانتهاء بمصحف الجيب الذي لا يتعدى حجمه أربعة أصابع اليد، ويصطحبه القارئ في أي مكان بذهب إليه.
أما عن عدد النسخ، فأحيانا نطبع خمسين ألف نسخة من كل قطع؛ لتغطي احتياجات الراغبين فيه.
ـ برأيك ما أسباب ارتباط الحُفّاظ في العديد من البلدان الإسلامية بمصحف الشمرلي تحديدا؟
** كل حفظة القرآن الكريم من الشيوخ الكبار تقريبا في مصر، وكثير من الدول العربية يعتمد حفظهم عليه؛ لأن كل صفحة تحتوى على 15 سطرا فقط، مما يجعل العين تعتاد عليه وهو غير مصحف الملك فهد المختتم الآيات، فالحفظة يعرفون موضع الآيات ومكان السورة بدايتها ونهايتها بالعين؛ لذلك فمن اعتاد على هذه الطبعة لا يعرف القراءة في مصحف طبعته مختلفة.
ـ وفي مصر يبدو أنه منتشر أكثر خصوصا في القرى؟
** هذه حقيقة فبالفعل طبعة الشمرلي مشهورة قي قرى ونجوع مصر لأسباب منها: اعتماد الكتاتيب عليها، كما إننا نطبع منها العشر الأخير دائما (جزء عم ويس وتبارك إلى آخر المصحف) كما أن لدينا المصحف المجزّأ (كل جزء في مصحف واحد) بخط الحاج سيد عبد القادر الشهير بـ "زايد".
ـ حدثنا عن الحاج حداد الذي كتب النسخة الأصلية من مصحف الشمرلي بخطه؟
** هو من أشهر الخطاطين في مصر والعالم العربي، تعلم في مدارس الخط، وقد كان مصاحبا لوالدي يرحمه الله وقد كتب بخطه أكثر من نسخة للمصحف في الكويت والمملكة العربية السعودية، وغيرهما من الدول العربية.
وقد توفي الحاج حداد يرحمه الله مؤخرا عن عمر تجاوز التسعين عاما، وكان مخلصا في عمله دقيقا فكتابة نسخة واحدة من المصحف الشريف كانت تكلفه عدة سنوات من عمره.
ـ وماذا عن جدك الحاج أحمد مؤسس طبعة الشمرلي؟
** جدي أحمد يرحمه الله بعدما هداه الله بفضله لهذا الفتح العظيم، وهو طباعة المصحف بهذه الطريقة أسس شركة الشمرلي عام 1944م، ثم انتقل بها إلى القاهرة في درب سعادة، ثم انتقل إلى مصنع خلف مسجد الحسين، ثم بعد ذلك أنشأنا المصنع الحالي بمنطقة العباسية.
ـ وماذا عن الأجيال الجديدة من عائلة الشمرلي وانتمائهم لهذا العمل؟
** أنا الابن الوحيد لوالدي يرحمه الله، وقد ورثني حب هذا العمل بكل تفاصيله، ولا أشعر بأي تعب بالرغم من الإرهاق الشديد الذي نلقاه إضافة إلى أعمامي وأولادهم، فنحن جميعا شركاء وكلنا نبتغي من ورائه رضا الله سبحانه وتعالى.
ـ بعض المصاحف مصحوبة بتفاسير ميسرة، هل فكرتم في إخراج طبعة بهذه النوعية، أم أنكم حريصون على الاحتفاظ بشكله الحالي؟
** لدينا مصحف مصحوب بتفسير الجلالين، وهو يعتمد على نفس فكرة طبعة مصحف الشمرلي العادي، فكل صفحة مصحوبة بتفسير الآيات الموجودة فيها فقط، ويكون التفسير محيطا بالآيات بحيث لا تذهب العين إلى صفحة أخرى تحاشيا لحدوث أي ارتباك.
ـ هل استفدتم من التقنيات الحديثة والوسائط المتعددة في خدمة مصحف الشمرلي كوضعه على اسطوانات أو ما شابه؟
** بالطبع استفدنا من التقنيات الحديثة، فطبعتنا موجودة على الانترنت ومتاحة للجميع، وهي من ضمن 5 طبعات شهيرة للمصحف، وهي موجودة بالبحث على جوجل وفي موقعنا الخاص بنا.
ـ هل يوجد تنسيق بينكم وبين المؤسسات الأخرى التي تقوم على طباعة المصحف الشريف وخدمته.. وهل هناك جمعية تضمكم؟ أم أن طباعة المصحف تتم حسب ظروف كل مؤسسة؟
** نحن لا نتبع أي جمعية، وما نقوم بطبعه من النسخ نقوم بتوزيعه بأنفسنا من خلال مكتبتنا في شارع الفجالة، ولا ندخل أبدا في مناقصات؛ كما لا نقوم بأي أشغال تجارية منذ أيام جدي فلا أحد يملى علينا شروطه!
كذلك لم يحدث وأن حصلنا على أي قروض من البنوك ولله المنة والفضل في هذا، ولفترة قريبة جدا وقبل إنشاء مطبعة الملك فهد كنا نصدر طبعة الشمرلي إلى المملكة العربية السعودية بكميات كبيرة عن طريق عائلة مرزا الصديقة لعائلتنا، ولم يحدث أن رُدت أي نسخ إلينا أبدا، في تلك الفترة.
ـ ألم يتأثر موقفكم المالي بعد طباعة المصحف الشريف في المملكة، بعد أنا أقام الملك فهد يرحمه الله بإنشاء مطبعة خاصة بالمصحف الشريف؟
** لا أبدا.. فهناك جهات معينة تحصل على نسخ المصحف، ونصدره إلى بلاد عربية شقيقة كفلسطين مثلا، ونقوم بإعطاء الجهة شهادة المنشأ من شركتنا مع موافقة الأزهر الشريف.
ـ ما علاقتك الشخصية بمصحف الشمرلي كقائم على صناعته وكأحد المستفيدين منه كقارئ وحافظ؟
** عائلتي كلها تعمل في الشركة التي يقوم على عاتقها إخراج طبعة المصحف الشريف، ولدينا جميعا اعتزاز بلقب الشمرلي الذي وهبه الله انتشارا عظيما في كثير من البلاد.
وأنا شخصيا لا أستطيع القراءة إلا في طبعة الشمرلي؛ لأنني تربيت عليها، كما أنني تربيت على يد كوكبة من كبار العلماء والقراء مثل: الشيخ الحصري يرحمه الله الذي كان صديقا لأبي يرحمه الله.
ـ كيف كان الوالد يرحمه الله يتعامل مع المصحف في المطبعة؟
** كان يرحمه الله يقف في المطبعة ويقوم بجمع الورق من صفحات المصحف الذي يكون فيه زيادة في الأحبار أو نتج خطأ به أثناء عملية القص أو التجليد، ويحمله بنفسه في أجولة خاصة ويقوم بحرقها بمعرفة أحد العمال الذي كان يخصصه لذلك تماما وهذا احتراما لكتاب الله عز وجل.
ـ هل لك أن تخبرنا بمراحل تصنيع المصحف؟
** طبعتنا تمر بمراحل وهي بالترتيب:
1ـ الحصول على تصريح الطبع من الأزهر.
2ـ مرحلة تصوير الأفلام.
3ـ مرحلة المونتاج.
4ـ تصوير الزنكات.
5ـ مرحلة الطباعة.
6ـ المراجعة أثناء الطباعة.
7ـ مرحلة توضيب الملازم.
8ـ مرحلة الفرز.
9ـ مرحلة التجميع والتخييط.
10ـ مرحلة القص.
11ـ مرحلة التجليد والتغليف.
12ـ مرحلة المراجعة. وتتم من خلال جميع العاملين بأخذ عينات استثنائية.
ـ من خلال عملك في خدمة المصحف الشريف واحتكاك بالقراء والحفاظ، ما النصيحة التي تنقلها للشباب الذين يحبون أن يحفظوا القرآن؟
** أقول لهم حفظ القرآن هبة من الله تعالى، ونور في الدنيا والآخرة، والذي أجمع عليه القراء المحترفون من الشيوخ الأجلاء أن يتم الحفظ على شيخ بالتلقين، وألا يحفظ من تلقاء نفسه حتى لا يثبت الحفظ إذا كان خطأ.
ـ كيف كانت تربية الوالد لك؟
**كانت حياتنا في البيت والحمد لله مبنية على القرآن، فكنا نعيش بالقرآن وللقرآن؛ منذ جدي وأبي يرحمهما الله، فقد كانا يعملان بجد شديد، ويبذلان جهدا خارقا لم أشعر به إلا بعد أن عملت في نفس المكان، وتوليت أمور الشركة مع أعمامي وأبنائهم فقد تشربنا حب القرآن الكريم منهم.
ـ وأنت.. كيف تربي أولادك؟
** أربيهم بما أنصح به كل من يريد الحفظ، فقد أحضرت لهم شيخا يحفظون القرآن الكريم على يديه ليلقنهم القرآن وليكون حفظهم أكثر دقة.
ـ بماذا تنصح الفتيات في دور تحفيظ القرآن الكريم.
** أقول لبناتي الحافظات لكتاب الله.. ليتكن تتمسكن بتعاليم القرآن الكريم وأنتن تقمن بحفظه لفظا؛ فالقرآن هو سياج العفة والكرامة الذي يحيط بكن وبه تتذوقون السعادة الحقيقة في الدنيا والآخرة إن شاء الله.
ـ هل تلتزمون بمبادئ معينة في عملكم هذا؟
** نعم.. فكل عمالنا ولله الحمد من المسلمين الملتزمين، كما أننا لا نقوم بتشغيل النساء، وهذا مبدأ عملنا به منذ بداياتنا حتى الآن.