عرف شهر رمضان في حياة المسلمين أنه شهر الانتصارات؛ فقد تحققت الانتصارات الكبرى على أيدي المسلمين الأوائل في رمضان، كغزوة بدر وفتح مكة، ومعركة حطين ومعركة عين جالوت، بل والانتصارات الحاسمة في العصور المتأخرة، مثل: عبور قناة السويس، واقتحام خط بارليف المنيع، وإلحاق الهزيمة بالعدو الصهيوني، وقع في شهر القرآن؛ فهل لنا أن نقتش عن أسباب ذلك؟ وأيضا لنتعرف على أسباب تخلف النصر، أو تأخره.
فالانتصارات الكبرى حدثت في رمضان؛ وذلك لأنّ المسلمين مهيؤون فيه أكثر من غيره لتحقيق النصر؛ وهذا لأنهم قد تربوا في مدرسة الصيام، فنصروا الله تعالى في أنفسهم أولا، فنصرهم عز وجل، كما في قوله تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" (محمد:7)، فنصروا الله تعالى بأن جاهدوا أنفسهم، وتنافسوا في طاعة أوامر الله تعالى، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثروا من التضرع إلى الله تعالى بالدعاء، وأحسنوا اغتنام ساعات الإجابة، واهتموا بتربية أنفسهم وإلزامها تقوى الله بالمواظبة على فعل الطاعات، وعمل القربات، والتسابق للخيرات، وترك المحرمات، مع التحلي بالصبر، والتخلق بالأخلاق الفاضلة.
كيف لا ينتصر المسلمون على أنفسهم، و في الصيام وقاية وحماية من الوقوع في المنكرات لمن نجح في ضبط نفسه ومجاهدتها، كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قالته، فليقل: إني امرؤ صائم" رواه البخاري ومسلم.
فالمسلمون في رمضان نجحوا في التغلب على النفس الإمارة بالسوء، بعد أن صفدت مردة الشياطين، فاستطاعوا ضبط أنفسهم، وحاولوا استلهام أسباب النصر عندما لازموا كتاب الله قراءة وتدبرا وعملا، وتعرفوا على مفاتيح النصر، ومنها ما ورد في قوله تعالى في سورة الأنفال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ، وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ، وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ، وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ"، فالمسلمون خاضوا المعارك الحاسمة في رمضان حين استعانوا بالله عز وجل، وأخلصوا العمل له وحده، وأحسنوا التوكل عليه، وأكثروا من ذكر الله، وابتعدوا عن المنكر و هجروا الذنوب، ولم يقعوا في الرذائل، وحافظوا على إقامة الصلاة، وواظبوا على قيام الليل لإدراك غفران الذنوب، واجتهدوا في تفعيل روابط الأخوة الإيمانية، و نجحوا في الاعتصام بحبل الله، وحرصوا على نبذ الفرقة، وذم التنازع والاختلاف المؤدي إليها، واجتهدوا في صلة الأرحام، وداوموا على البذل والإنفاق، واجتهدوا في العمل بالمنهج الإسلامي، واعتزوا به، وتمسكوا بتعاليمه بعد أن جربوا مناهج أخرى بشرية وضعية انهزموا بها أمام الصهاينة، وبعد ما علموا أنهم توكلوا على غير الله، وأخذوا بالأسباب المادية فقط، فلما انهزموا أمام قلة من الصهاينة بحثوا عن أسباب النصر الحقيقية، وعلموا أن النصر من عند الله:"وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" آل عمران، وتجنبوا أسباب الهزيمة، وحاربوا الفساد، و اعتمدوا على الله أولا، وحاولوا أن ينصروا الله تعالى في أنفسهم؛ واتخذوا بذلك كل أسباب النصر الإيمانية والمادية؛ فاستحقوا أن يتنزل عليهم نصر الله، وبهذا تحققت في رمضان أكثر من غيره عوامل النصر التي وردت في قوله تعالى: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" (الحج:،41،40).