إبداع بلا حدود » تلك الفتاة.. الداعية الصامتة
عبير النحاس



حدثتني أريج  مُبتسمة و هي تتناول رشفة من فنجان قهوتها  فقالت :
-        لقد رأيت الإسلام بوجهه الجديد عندما عرفت ( منال) , ومع أنها لم تنطق بحرف واحد يومها , و لم تحاول دعوتي للالتزام حينها , إلا أنها قدَّمت لي أجمل صورة للإسلام كنت قد رأيتها في حياتي , و كانت سبباً في التزامي فيما بعد .
نشأت أريج  في منزل لا يمتُّ للإسلام إلا بصلة الاسم و النسب , و لم تكن تعرف من دينها إلا أنَّها مسلمة , و أن عليها أن تصوم في شهر رمضان , و أن هناك أمورا أخرى واجبة عليها لا تعرفها,  و لكنَّها ستتعلمها يوما ما , و ستعمل بها وما من داع للعجلة , و قد  امتلأ رأسها بأفكار عن التديُّن و المتديِّنين شديدة القبح , وجمعت مخيلتها  صورا مشوهةً للإسلام تشبه تلك التي يقدِّمها المستشرقون للعالم الغربي,  و للجهلة من أبناء المسلمين .
المسلم في قاموس أريج هو ذلك الهمجي الذي لا يعرف فنون التعامل , و ذلك المتخلف الذي لا يمت للحضارة بصلة, و ذلك الأشعث الأغبر الذي لا يعرف من الأناقة إلا اسمها , و قد كانت راضية مقتنعة بتلك الصور قبل أن تزور منزل ( منال) و تتعرف عليها جيدا , و تكفَّلت تلك الزيارة بقلب الموازين لديها , و محو الكثير من الصور العجيبة من ذلك القاموس الأسود .
كانت (منال) فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصَّة , و كانت ابتسامة حُلوة تزيِّن وجهها على الدوام , و قد تفوَّقت في دراستِها,  و نالت محبَّة الجميع بابتسامتها و تواضعها و ثقتها بنفسها و طيب حديثها و حُسن معشرها , و بدا  منزلها كتحفة فنية تزين ذلك الحي الراقي , و تكفي بعض النظرات في أرجائه , و بعض نسمات العطر الأخَّاذ في فضائه  لتتأكد من حسن العناية و التدبير التي يحظى بها ذلك المنزل , و كانت زيارة واحدة و بعض الجلسات  مع صاحبته تكفي لأن تُشعر أريج بحجم الظلم الذي ناله منها دينها و نالته منها نفسها عندما هجرت تعاليمه البارعة .
التزمت أريج  وقتها و حَسن التزامها , و تعلمت فنَّ الدعوة من معلمتها الصامتة , فكان النبل و الهمَّة و المظهر الحسن اللائق هو أساس تلك الدعوة , و كانت القلوب تخفق حباً لهذا الدين وتمتلئ رغبة في العيش في رحابه  عندما تنثر سعادة مُحياها عطرها البديع في كل الأماكن التي تتواجد فيها , و كانت قائمة القلوب التي رُدَّت بصورتها الرائعة تطول يوما بعد يوم .
ما زالت (منال) تقدم للكون صورة مُشرقة عن الإسلام توَّجتها أخيرا بحصولها على الماجستير,  و بدء تحضيرها للدكتوراه في علوم الشريعة , و قد أضافت إلى سلك المهتدين بصورتها داعية صامتة أخرى تعرض جمال الإسلام بفنٍ فريد .
لم تكن أريج أيضا  تتكلم كثيراً و لكنها كانت تقول لي دائما :
-        يكفيهم أن يروني مُسلمة أنيقة  ملتزمة  مبدعة  رحيمة و سعيدة , فالصورة الجميلة عندي أقوى من كل برهان .

فهل لنا أن نكون داعيات بالصورة  قبل اللسان , و هي الطريقة  الأسهل و الأجدى , و التي تستطيع أن تنسل إلى القلوب و تقطع المسافات و الحواجز التي قد تمنع حروفنا و أصواتنا من الوصول إلى من نقصد,  و ربما وصلنا بها إلى من لم يمتلك ناصية العربية , و بها وحدها سنرد إلى شريعتنا بعض الجميل .


شارك بتعليقك

عن الموقع | مقالات RSS | استشارات RSS | اتصل بنا | النسخة الكاملة