أم ليوم واحد..!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
29 - محرم - 1425 هـ| 21 - مارس - 2004


كان لابد أن أستيقظ باكراً هذا الصباح، فلدي الكثير من الأعمال التي يتوجب علي القيام بها..

تنظيف المنزل وترتيبه، إعداد وليمة فاخرة، فاليوم سأجتمع بأولادي جميعهم وهذا لا يحدث إلا في هذا اليوم..

لا أعلم سبب فتور حماسي وسعادتي هذه السنة، أشعر وكأني أضحك على نفسي أو ربما هم من يضحكون علي..

كنت أعلم أن هذا اليوم سيمر كغيره من الأيام في سنين خلت، كلمات من الحب الصارخة، وقبلات حميمة وهدايا.. ثم يأتي الليل ويتناثر الأبناء كل في اتجاه، وتمضي الأيام تليها الأيام، يذهب بريق الهدايا وتفقد كلمات الحب دفأها مع نسائم الليل الباردة، ويفقد البيت حميميته.

كلمات باردة لأم فتر الحب في بيتها.. كلمات أصبحنا نسمع منها الكثير.. ومعاناة تتفاقم في قلوب الأمهات..

في 21 آذار (مارس) قرروا أن يكون للأم عيد تجتمع فيه بأبنائها لتقديم التهاني والهدايا والتعبير فيه عن امتنانهم لأمهاتهم وحبهم لها..

والمشكلة لا تكمن في هذا اليوم، ولكن في بقية أيام السنة.. إذ رغب الأخوان مصطفى وعلي أمين ( مؤسسا دار "أخبار اليوم" الصحفية في مصر) تطبيق عيد الأم في مصر، ومن ثم سرى في بقية الدول العربية؛ هادفين من ذلك أن يستشعر الأبناء  فضل أمهاتهم عليهم.. لكنهما  لم يفكرا بأنهما  قد حصرا البر والحب والهدايا في يوم واحد دون أيام السنة..

 

التقى موقع "لها أون لاين" مجموعة من الأمهات اللواتي تحدثن بصراحة عن رأيهن في عيد الأم..

تقول "أم أحمد": لا أعرف ما معنى أن يكون هناك عيد للحب وعيد آخر للأم وعيد للمعلم؟! هل يرتبط الحب والبر والتقدير ـ سواء للأم أو المعلم ـ بيوم واحد؟! وماذا عن بقية أيام السنة؟!

وتتحدث "أم سمير" باستياء: قد يبدو من الغريب أن تطالب الأم بإلغاء ما يسمونه عيد الأم، لكن هذا ما تريده كثير من الأمهات؛ لأن أبناءنا فهموا أن البر والحب والتقدير لا يكون إلا في هذا اليوم! لا نريد هذا اليوم، لا نريد تصنّع الحب، لا نريد أن نحدد حب الأم بيوم واحد.. كما حددوها لنا ولأبنائنا.

"سارة.ش" تقول: الاحتفال في هذا اليوم يثير الشجون والحزن أكثر من إشاعة الفرح، فاليتيم يشعر بيتمه، ومن لم ترزق أطفالاً تتحسس بطنها حزناً وأملاً، ومن فقدت طفلاً لها تعيش تفاصيل فقده من بداية اليوم إلى نهايته..عدا من اغترب أولادها بعيداً عنها، أو من حرمت منهم بطلاق وغيره.. وأنا واحدة من تلك الحالات.. أعيش هذا اليوم هماً وكدراً.. وأقول لكل من يشيع هذه المظاهر: أرجوكم كفوا عن تعذيبنا.

وتتعجب "أم رائد" من الانقلاب الذي يحدث في هذا اليوم تقول: جرس الهاتف لا يرن إلا ما ندر، وباب البيت لا يقرع إلا في أحوال قليلة.. باستثناء عيد الأم فالهاتف لا يسكت والباب لا يغلق..!

ولكن هل أنتظر هذا اليوم فقط لأسمع أصوات أولادي عبر الهاتف أو لأراهم يأتون إلى زيارتي؟! هل أعيش لأنتظر هذا اليوم من سنة إلى سنة؟! لقد كرهت هذا اليوم بدل أن أحبه.. هل من المعقول أن يحتاج الأبناء إلى من يذكرهم بأمهم فتجيش مشاعرهم في ليلة، ثم تمضي هذه الليلة فتموت تلك المشاعر منتظرة الليلة المقبلة في السنة القادمة؟! هذا ليس حباً ، وليس براً.. ولا يجب أن تعامل الأم هكذا.

أما أم صافي فترى أن هذا العيد يناسب الغرب فقط حيث تقول: نحن العرب لسنا بحاجة إلى استنساخ عيد للأم في مجتمعاتنا؛ لأن الدين الإسلامي كفل للأم الحب والبر والاحتفاء بها في كل ثانية تعيشها بين أبنائها، وحالنا يختلف عن حال الغرب الذين قد يحتاجون إلى مثل هذه الأعياد لتذكرهم بأشياء ليست في حسبانهم ولتلم أشتات علاقاتهم الأسرية المبعثرة.

ولـ "أم وائل" وجهة نظر أخرى تقول: عيد الأم وعيد الحب وما شابهها من هذه الأعياد المخترعة هي عيد لأصحاب المحلات التجارية ليس إلا، أولئك الذين يرتزقون على حساب من يحسبون أنهم يحسنون صنعاً..

فالأسعار في هذا اليوم تزداد ارتفاعاً، والناس مستعدة لشراء الهدية بأي ثمن؛  لأنهم إن لم يشتروها اليوم ويقدمونها لأمهاتهم لن يتمكنوا من تقديمها في اليوم التالي، فعيد الأم اليوم لا غداً وهكذا يتحكم أصحاب المحلات بالزبائن وكثيرا ما يشترون هدايا غير مقتنعين بها؛ لأن الوضع لا يحتمل التأجيل!!

أما "أمل" فحالتها مختلفة فهي غير مقتنعة بهذا العيد، لكنها حائرة تقول:

أعمل جاهدة على بر والدتي وطاعتها، إلا أني أتجاهل معايدتها في ما يسمونه "عيد الأم"، بعكس إخوتي الذين يحرصون على زيارتها في هذا اليوم تحديداً وتقديم الهدايا لها، وهذا يثير غضبها مني، ولا أعرف ماذا أعمل حيال ذلك.

تخصيص يوم لعيد الأم فكرة غربية.. ارتأوا فيها تقوية الروابط الأسرية المفقودة عندهم. لكن من يملك دين كديننا، دين الإسلام، لا يحتاج إلى ابتداع عيد للأم لبرها؛ لأن ما قيل في الإسلام عن الأم ووجوب طاعتها وبرها كفيل بإسعادها، وما قيل في صلة الرحم كفيل بتمتين الروابط الأسرية.

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

وفي سورة أخرى:

{وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا}.

وبرها يعني: إحسان عشرتها، وتوقيرها، وخفض الجناح لها، وطاعتها في غير معصية، والتماس رضاها في كل أمر حتى الجهاد، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: "هل لك من أم؟" قال: نعم، قال "فالزمها فإن الجنة عند رجليها".

 

فهل عرف التاريخ ديناً أو نظاماً وضعياً كرم المرأة باعتبارها أماً وأعلى مكانتها مثل الإسلام؟!

يروي البزار أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: هل أديت حقها؟ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة".. أي: من زفرات الطلق والوضع ونحوها.

قال الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ في ذلك: قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:  "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". والمعنى: فهو مردود على من أحدثه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" خرجه مسلم في صحيحه.

 ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته المرضيون, فوجب تركه وتحذير الناس منه, والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله.

فالواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف كل وقت، وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها، والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع, وليس ذلك خاصا بالأم، بل قد شرع الله للمسلمين بر الوالدين جميعا وتكريمهما والإحسان إليهما، وصلة جميع القرابة، وحذرهم سبحانه من العقوق والقطيعة، وخص الأم بمزيد العناية والبر؛ لأن عنايتها بالولد أكبر، وما ينالها من المشقة في حمله وإرضاعه وتربيته أكثر.

 قال الله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..}.

وقال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ..}.

وهذا أبلغ وأعظم مما أحدثه الغرب من تخصيص الأم بالتكريم في يوم من السنة فقط، ثم إهمالها في بقية العام، مع الإعراض عن حق الأب وسائر الأقارب. ولا يخفى على اللبيب ما يترتب على هذا الإجراء من الفساد الكبير، مع كونه مخالفا لشرع أحكم الحاكمين، وموجبا للوقوع فيما حذر منه رسوله الأمين، صلى الله عليه وسلم.

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سلام نجم الدين الشرابي

كاتبة ساخرة وصحفية متخصصة في الإعلام الساخر

حاصلة على شهادة الدكتوراه في الصحافة الساخرة بدرجة ممتاز مع توصية بطباعة البحث.

حاصلة على شهادة الماجستير في الصحافة الساخرة من جامعة أم درمان بدرجة امتياز مع توصية بالترفيع لدرجة الدكتوراه


حاصلة على شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق.





العضوية:
• عضو نقابة الصحفيين السوريين عام 1998م.
• عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
• عضو في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
العمل:
• مديرة تحرير موقع المرأة العربية لها أون لاين "سابقاً".
• مديرة تحرير موقع صحة أون لاين "سابقا"
• مديرة تحرير مجلة "نادي لها "للفتيات "سابقا"
• مديرة القسم النسائي في مؤسسة شبكة الإعلام للخدمات الصحفية "حالياً"
• كاتبة مقالات ساخرة في عدة مواقع
• كان لها زاوية اسبوعية ساخرة في جريدة الاعتدال الأمريكية
• مشرفة صفحة ساخرة بعنوان " على المصطبة"

المشاركات:
• المشاركة في تقديم برنامج للأطفال في إذاعة دمشق (1996)
• استضفت في برنامج منتدى المرأة في قناة المجد الفضائية وكان موضوع الحلقة " ماذا قدمت الصحافة الالكترونية للمرأة" (3/8/2006).
• استضفت في حوار حي ومباشر في موقع لها أون لاين وكان موضوع المطروح " ساخرون نبكي فتضحكون" ( 16/12/2008م)
• استضفت في قناة ألماسة النسائية في حوار عن الكتابة الساخرة عام 2011
• استضفت في قناة الرسالة الاذاعية في حوار عن تجربتي في الكتابة الساخرة وبحث الماجستير الذي قدمته عنها.
• المشاركة في اللجنة الإعلامية الثقافية لمهرجان الجنادرية عام 2002 م
• المشاركة في الكتابة لعدد من الصحف العربية السورية و الإماراتية والسعودية.
• المشاركة في ورش العمل التطويرية لبعض المواقع الإعلامية .
• تقييم العديد من المقالات الساخرة لبعض الصحفيين والصحفيات

الإصدارات:
• صدر لي كتاب تحت عنوان "امرأة عنيفة .. احذر الاقتراب ومقالات ساخرة أخرى" عن دار العبيكان للنشر
• لها كتاب تحت الطبع بعنوان "الصحافة الساخرة من التاريخ إلى الحاضر


الإنتاج العلمي:
- الدور التثقيفي للتلفزيون.
ورش عمل ومحاضرات:
إلقاء عدد من المحاضرات والدورات التدريبية وورش العمل في مجال الإعلام والصحافة منها:
• دورة عن الخبر الصحفي ومصادره، الجهة المنظمة "رابطة الإعلاميات السعوديات"
• دورة عن الإعلام الالكتروني ، الجهة المنظمة "مركز آسية للتطوير والتدريب"
• دورة عن التقارير الصحفية والاستطلاعات ، الجهة المنظمة " مركز آسية للتطوير والتدريب".
• دورة عن المهارات الإعلامية للعلاقات العامة، الجهة المنظمة "مركز لها أون لاين للتطوير والتدريب.



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...