التفكير (1)

كتاب لها
10 - شعبان - 1431 هـ| 22 - يوليو - 2010


1

يغلب على يقين كثير من المصلحين أن أغلب مشكلاتنا التي نعانيها تكمن في التفكير السليم؛ ذلك لأن بداية أي فهم مستقيم، أو كلام صحيح، أو تصرف سليم، أو حل لمشكلة تبدأ من التفكيرالسليم؛ وحتى يستمر ذلك بصورة طيبة ومنتجة وفعالة يجب أن يصطحب الدلائل والمقدمات والحجج وليس الأوهام أو الظنون أو الأماني أو التقليد الأعمى، ولكن أي نوع من التفكير، وهل هناك خداع يمارس ضدنا لإعاقتنا عن التفكير السليم؟ وكيف نتخلص من هذا الخداع، ونُحسِّن من قدراتنا العقلية على التفكير الذي نمارسه كل يوم؟

ولقد بنى الإسلام تعاليمه وتكاليفه كلها على وجود العقل، فمن فقد عقله أو غاب، لسبب من الأسباب، لم يعد مُكلَّفًا، ألا يدل هذا على منزلة العقل والتفكير في الإسلام، خاصة وأن كثيرًا من نصوص القرآن تترى حاثة حاضة على إعمال العقل والتفكر في الكون والحياة والنفس؟!  

 لماذا يخطئ العقل؟

لحكمة بالغة أعلمنا سبحانه وتعالى سبب عدم اهتداء كثير من الأمم إلى الحق الأبلج الذي جاء به الرسل، ونزلت به الكتب، وأيدته المعجزات الباهرات، فقال عز وجل: ((وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ))[الزخرف: 24،23].

وهاتان الآيتان مع غيرها من الآيات المُشابِهة التي تعطي نفس الدلالة تشير إلى أمور في غاية الأهمية، لعل أهمها:

1-      ليس مجرد وضوح الحق أو فضله أو جماله حافزًا ودافعًا إلى اتِّباعه أو الانصياع له، أو حتى مجرد تقبُّله.

2-      هناك دائمًا فئات تستفيد وتُثري من بقاء ملكات التفكير معطلة لدى الناس. والحضارة المعاصرة تمتلك من وسائل ذلك التعطيل الكثير، أو على الأقل تشتيته وشغله بالتفاهات وخداعه.

3-      التفكير الانفعالي المحاط بجماعة أو جماهير لها اتجاه أو رأي أو حتى صخب وضوضاء كثيرًا ما يَخضع هذا التفكير لهوى الجماهير وآرائها مهما كانت غبية، أو غير منطقية، بل وقد يقاتل عنها ببسالة منقطعة النظير.

وفي ضوء ما سبق نستطيع أن نفهم لِمَ جعل القرآن الحل الأمثل لهذه الغشاوات التي تحجب رؤية العقل عندما يفكر هو: التفكير، والمراد به هنا: القيام بذلك النشاط العقلي المتعطش إلى معرفة الحقيقة، وتبديد ضباب الشك، متجردًا من مصالح المستفيدين وصخب الجماهير، فقال تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ...))[سبأ: 46].

عوائق أمام العقل:

ولعله لا يخفى على فطنة القارئ ما في لفظة "تقوموا" من دلالة على معنى النشاط والحركة والعمل الجاد، لأن المسألة (أي الهداية إلى الصراط المستقيم) مصيرية تحدد مستقبل الإنسان في الدنيا والآخرة، فناسبها أن يسبق التفكير حركة تدل على الاهتمام بالأمر، والإلحاح في طلبه، يقول ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير": ((والقيام في قوله: { أن تقوموا} مراد به المعنى المجازي وهو: التأهب للعمل والاجتهاد فيه)).

 أما الأستاذ سيد قطب في تفسيره لهذه الآية، فنظر للقيام كحركة نشطة في سياق أكبر وأعمق تتفاعل فيها الجوارح مع ما تضمُّه الجوانح، فقال: ((إنها دعوة إلى القيام لله بعيدًا عن الهوى، بعيدًا عن المصلحة، بعيدًا عن ملابسات الأرض... بعيدًا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة، والمؤثرات الشائعة في الجماعة)).

ثم يوضح أكثر مبينًا فائدة هذا القيام، ثم دوره المنهجي في بلوغ  الحُكم الموضوعي في هذه القضية، فيقول: ((دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي، بعيدًا عن الضجيج والخلط واللبس؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة.

وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة، منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات، وعلى مراقبة الله وتقواه. وهي «واحدة».. إن تحققت صح المنهج، واستقام الطريق: القيام لله)).

وهذا المنهج المتجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات، وعلى مراقبة الله وتقواه، هو ما يمكن الاصطلاح على تسميته بالتفكير الموضوعي، وهذا المنهج في التفكير والبحث ليس فقط للوصول إلى الحقيقة الكبرى، بل إن المسلم مطالب به حتى في سلوكياته اليومية، وحتى مع ألد أعدائه، حيث يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى))[المائدة:8].

 قال الإمام الطبري في تفسيره: ((وأما قوله: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا" فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة)).

التفكير الأفضل والأصوب:

والتفكير الموضوعي بهذا الشكل يحتاج إلى جهد ومجاهدة، وهو نقيض للتفكير القائم على الهوى الذي لا يستند على حقائق أو أدلة وشواهد، وهذا النوع الأخير ما حذر منه سبحانه؛ لأن عواقبه الوخيمة تقع أول ما تقع على صاحبه ولو كان نبيًا، قال تعالى: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ...))[ص: 26].

وقد يقول قائل: إن الكلام هنا منصب على حكم شرعي أو قضائي.

 والحقيقة أن كل حكم يصدره الإنسان هو نتاج تفكير، سواء كان التفكير قائمًا على أسس علمية أو غير ذلك، ومن هنا فلا انفكاك بين الطريقة التي يفكر بها الإنسان والحكم الذي يصل إليه؛ إذ إن من يبني طريقة وصوله إلى الحكم على منهج علمي موضوعي يستند على جملة من الحقائق والبراهين هو أقرب إلى الصواب وأرشد من غيره ممن يعتمد على قول أو ظنون أو أوهام.

ولعله من الأمور ذات الصلة في هذا الشأن ما توصل إليه بعض خبراء التنمية البشرية من أن إحدى وسائل الوصول إلى تفكير أفضل في مشكلة تخصك جدًا، هي أن تفكر فيها باعتبارك شخصًا آخر لا علاقة له بالمشكلة، ثم تُعرض عليه المشكلة طلبًا لاستشارته ومعونته على حلها. وهذا يعني خدعة ذكية للعقل تجعله يفكر بشكل أقرب إلى الموضوعية بدلاً من الذاتية وملابساتها.

وقد سبق أن قلنا في تعريف التفكير أنه: كل نشاط عقلي هادف مرن يتصرف بشكل منظم في محاولة لحل المشكلات، وتفسير الظواهر المختلفة، والتنبؤ بها، والحكم عليها باستخدام منهج معين يتناولها بالملاحظة الدقيقة والتحليل، وقد يخضعها للتجريب في محاولة للوصول إلى قوانين ونظريات".

وهذا التعريف وإن كان يحتوي على وظائف هامة للتفكير، إلا أنني أرى أن للتفكير فوائد أخرى،

يمكن أن نبرزها في الحلقة القادمة...

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أم عبد الله -

11 - شعبان - 1431 هـ| 23 - يوليو - 2010




جزاكم الله خيرا

-- علاء فارق - مصر

12 - شعبان - 1431 هـ| 24 - يوليو - 2010




تسلم ايديك، وللامام دائما وننتظر مقالك القادم لاستكمال الموضوع

-- ناصرحسن يوسف - فلسطين

13 - شعبان - 1431 هـ| 25 - يوليو - 2010




جزاكم الله خيرا وبارك الله فيك ياأبو اسماعيل

-- محمد سعيد - مصر

13 - شعبان - 1431 هـ| 25 - يوليو - 2010




جزاكم الله خيرا أخى يوسف على مقالاتك المبدعة وإلى الأفضل دائمًا. أخوك محمد

-- ؟؟؟؟؟؟ - الكويت

13 - شعبان - 1431 هـ| 25 - يوليو - 2010




مشكووووووووووووووووووووووووووووور وبموازين حسناتك انشالله

-- أحمد عطية - مصر

16 - شعبان - 1431 هـ| 28 - يوليو - 2010




جزاكم الله خيرا على هذا العرض الطيب ، وفي انتظار الحلقة القادمة إن شاء الله

-- السادات نصر -

19 - شعبان - 1431 هـ| 31 - يوليو - 2010




جزاكم الله خيرا وأحيك على تنوع المقالات وفي انتظار المزيد ان شاء الله

-- دعاء -

20 - شعبان - 1431 هـ| 01 - أغسطس - 2010




أدام الله علينا نعمة التفكير

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...