الحوار الأسري المفقود بين الآباء والأبناء (1)

دعوة وتربية » فقه الدعوة
10 - شعبان - 1432 هـ| 12 - يوليو - 2011


1

مع استمرار وتيرة الحياة على ما هي عليه من تعب وجهد وشقاء وعناء، ما أصعب أن يسود الصمت على أجواء البيوت، في لحظة يغيب فيها الحوار الهادئ والتفاهم المثمر، حيث يسدل ستار مظلم تضيع معه معاني الحب والوئام، ويسيطر سوء الفهم على التعامل وتصبح الفجوة واسعة بين أفراد الأسرة الواحدة، عندها تصبح الحياة أكثر تعقيدا ويزداد عناؤها وتبلغ شقوتها مداها الأبعد والأخطر.

 

خشية هذا الواقع  تحتاج أسرنا جميعا إلى حوار هادئ تغلفه المحبة، وتغلب عليه الثقة، وتشمله المودة وينساب الرضا بين جنباته، ولكن هل  مفهوم الحوار الأسري مقصور على الكلام وتبادل الآراء؟ أم يشمل أعم من هذا المفهوم الضيق.

 

بداية الحوار عامة  معناه: (إرجاع الكلام وتبادله بين طرفين للإقناع بوجهة نظر معينة في جو يسوده التفاهم والاحترام).

 وللحوار الأسري أيضا له معنى أشمل وأعمق، وهو وسيلة تفاهم قد تتخذ أشكالا عدة، وليست كلاما فقط للتناغم بين أفراد الأسرة الواحدة للوصول إلى رؤى مشتركة.

 ومن هذه التعاريف تتضح معاني يجب أن يعمقها أفراد الأسرة في حوارهم، وهي:

 

- سيادة جو الحب والوئام والتفاهم.

- الوصول إلى رؤى مشتركة.

 - احترام الرأي الأخر.

ولكن مع هذه المعاني النبيلة التي يفرزها الحوار الأسري الناجح بين الزوج والزوجة، أو بين الآباء والأبناء؟

 ما الأسباب التي تدعو إلى عدم الحوار؟ أو التي تسد منافذ الوصول إليه؟

 

هذه التساؤلات وغيرها محددة بعدة أسباب وهي:

-        أولا: التنشئة الخاطئة التي يتربى ويشب عليها الأزواج وهم صغار السن في أسر قد سدت منافذ الحوار، وأغلقت أبوابه وأحكمته بقبضة من حديد، فالتنشئة عامل أساسي لفقد وانعدام لغة الحوار بين أفراد الأسرة الواحدة، فالفكر الموروث أحيانا يغلب الفكر المكتسب، فتنتج أسر لا تفهم معنى الحوار، بل تلعنه وتطبق مغالطة (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ)سورة الزخرف.

-        ثانيا: طبيعة الشخصية أيضا عقبة في طريق الحوار الأسري فلو أن الشخصية متسلطة ودكتاتورية ولا تملك سبل الحوار لسدت منافذ الحوار أيضا، وفر الحوار من البيت بلا رجعة غير مأسوف عليه من أفراد البيت.

-        ثالثا: انعدام الثقة بين أفراد الأسرة تجعل من الحوار لعبة هزلية نحتاجها للديكور أمام المجتمع الخارجي فنلجأ له حينما نريد أن نكمل دورا اجتماعيا معينا ونتركه عند غياب أعين الناظرين عنا.

-        رابعا: لغة التعالي، وهي لغة يتخذها البعض حينما يقل في نظره مستوى أفراد الأسرة التي يتحاور معها كأن ينظر الزوج لزوجته على أنها أقل منه في المؤهل والعلم، وإنها غير أهل للحوار لضآلة فكرها.

وأيضا عندما يحس الولد أن بيئته الأسرية لا تتوائم مع مجريات العصر فليس هناك مجال للتواصل والحوار، بل يحس أنه مضيعة للوقت.

لهذه الأسباب ينعدم الحوار بين أفراد الأسرة وتصبح لغة العناد والفرقة هي السائدة.

 

ولكن لما نحتاج للحوار أو بمعنى أدق ما أهميته في حياتنا الأسرية؟

للحوار أهمية لا يحسها إلا من ذاق معنى الفرقة والانغلاق الأسري، وتباعدت بهم الأهواء حتى وصلوا لطريق مسدود، نتج عنه الانفصال وتشرد الأولاد وأحسوا بغصة الندم تقطر في حلوقهم مذاقا مرا قاتم اللون، ولو أنهم تحاوروا لكان الحال مختلفا.

 

 وعلى هذا تبدو أهمية الحوار في عدة نقاط ألا وهي:

 

 

-        التناغم المستمر بين أفراد الأسرة؛ لأن لغة الحوار ضمان لاستمرار التفاهم،  فبالحوار الجيد تستمر الحياة لتعزف لنا سيمفونية على أرقى وأعلى مستوى من الأداء وتتراقص من حولنا الدنيا فرحة بما وصلنا إليه من تآلف أسري وتناغم وتحاب.

-        النشأة السوية للأولاد؛ لأن الحوار الهادئ الناجح والتناغم المستمر سياج وحماية من الانغلاق والتقوقع، فلو تجسد الحوار بشكله السوي الصحيح وأصبح شاخصا أمام أعيننا لجذب إليه شتات الأسرة وجمع شملهم وهداهم إلى أقوم السبل وأفضل الطرق وضمنا به النشأة السوية لأولادنا من غير انطواء مميت أو انعزال مقيت.

-        التوصل إلى حلول وقرارات صائبة حيال المشكلات حيث يبادر أفراد البيت الواحد إلى بث مشاكلهم وهمومهم إلى محضنهم الطبيعي، وهو البيت متى اطمئنوا إلى رقي لغة الحوار فيه وأنه السبيل الطبيعي لتبادل المنفعة والآراء وان على أعتابه تلقى الهموم وتسقط عن  كواهلهم.

-        الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة؛ لأن لغة الحوار الجيد من شأنها أن تمنح فهما عاليا وثقافة لوعي أسري راقي المستوى ينتج عنه الاحترام وفهم الأدوار الأسرية جيدا ولهذا نجد الاحترام هو السائد بين أفراد الأسرة متى تعمقت لغة الحوار الفعال بين أفرادها.

تلك معاني مكتوبة حول مفهوم الحوار وأسباب انعدامه في الأسر، والأهمية الكبرى لمفهومه العميق.

 ويبقى لنا في الجزء الثاني الأسس والمبادئ التي يبنى عليها الحوار الأسري وكيفية إدارته، وحتى تتم الفائدة، وحتى نلتقي في الجزء الثاني ليخرج كل منا بتوصيات عملية من وحي التعريف والفوائد  يطبقها في حواره داخل أسرته.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...