للزواج... أصول وغـايات

عالم الأسرة » هي وهو
02 - جمادى الآخرة - 1424 هـ| 01 - أغسطس - 2003


   للزواج... أصول وغـايات

أسامة طه حمودة

 

 

لا شك أن رقـىَّ الجماعات ، وتماسك الحضارات ، يتناسبان مع ما تحرزه الأسرة فيهما من قوة تماسك وحسن إدراك ؛ فإن قطب الأمة الأصيل ، ومحور ارتكازها ، هـو الأسرة المتكاملة نفسيا وخلقيا إذ يستحيل بناء أمة راشدة على أُسـرٍ ضعيفة أو جاهلة  أو معلولة .

فليس للأسرة موضع لذاتها ، بل موضعهـا لاتصالها بسائر المجتمـع  كمنزلة الخلية بين آلاف الخلايا في جسم واحد ، لا يصلح إلا بصلاحها . لأجلِ ذلك نرى بعض السور في القرآن الكريم - على طولها - تتحدث عن المجتمع الكبير(الأمة) ، وفى الوقت ذاته تتحدث عن المجتمع الصغير - ألا وهو الأسرة .

             فسورة النساء مثلا ، بحر متلاطم من التوجيه والتشريع ، ولا يكون الأمر كذلك إلا لعنايـة الإسلام الفائقة بالأسـرة ، وضبط شؤونها الخاصة والعامة بحدوده.. 

             فمجموع الأُسَر هو مجموع اللبِنات ، والبناء إنما يستمد قوته أوضعفه من مجموع لبِناته .. فإن وهنت اللبنات ، وهن المجتمع ، وإن قويت وصلحت ، صلح بصلاحها المجتمع .

             لذلك كان من التجني على الأمـة ترك أمر الأسرة دون رعاية واهتمام وتأديب وتثقيف .

             ولأجل ذلك كانت حمايـة الأسرة وتعريفها بغاياتهـا من أعظم الواجبات ، وأفضل القربات ..

 

             فالغاية العظمى من الزواج  ليست مجرد إجابة الرغبات ، وإن كانت إجابتها مشروعة ومطلوبة ، بل الغاية هي إيجاد المأوى الطبيعي لكلا الجنسين ليعيشا حياة راقية في ظل الصحبة القائمة على الود والتآلف ، ومن ثَـم إيجاد بيئة سوية لتربية الأولاد  وتنشئتهم على معالم العقيدة ، ومكارم الأخلاق .

             فكما نشعر بالفخر عندما نقوم بافتتاح ميناء ، أو تدشين مصنـع ، يجب أن يكون شعورنا كذلك حينما نفتتح بيتا ونكوّن أسرة ..

             

·   الزواج وثقافة المادة !

لأن البعض بعد عن ثقافة القرآن وروحه ، فقد تشعبت بنا السبل ، وانحرفت بنا الغايات ، " فثقافة المادة " طغت على كل شئ في أمور الزواج وشئون الأسرة ، فلا حديث للناس إلا عن المهور والجهاز ، وتمجيد المظاهر والظواهر ، مع نسيان تام للقيم والبواطن !

             إن أحوال معظم الناس في أمور الزواج معوَجّة مضطربة ، لا تستقيم مع عقل ولا مع  شـرع !  إنها أحوال تثير من التأمل والأسى ، بقدر ما تثير من الدهشة والاستهجان !  فحين نوّه القرآن بالعلاقة الزوجية - أشار إلى سمو المعاني والأدبيات التي من المفروض أن تكون للزوجين محـور ارتكـازهمـا ، وأن تكون لكل أسرة قطبها الأصيل ..

             قال تعالى :

             (  وَمِنْ  آياتِه  أَنْ  خَلقَ   لكُم   مِنْ  أَنفُسِكُم   أَزْواجاً   لتسكُنوا  إلَيهَا ، وجَعَل  بيْنَكُــمْ   مَــوَدّةً  ورحمَة ، إنّ في ذَلك لآياتٍ لقومٍ يتفَكّرون )   [ الروم : 21 ]

            هنا تنويـه بسمو العواطف والمشاعر الوجدانية التي غرسها الخالق سبحانه في كلا الجنسين ، لتكون الحياة بينهما إحياءً للجَنان ، وإلهاماً للوجدان ..

             يقول الفخر الرازي في تفسيره :

             " يقال سكـن " إليه " للسكون القلبـي ،  ويقال سكن " عنده " للسكون الجسماني ، لأن كلمة  " عند " جاءت لظـرف المكان وذلك للأجسـام ، و " إلى " للغاية وهي للقلوب ! [ لذا جاءت الآية (  لِيَسكنَ  إليها  ) وليس : ليسكن " عندها " ]

   

             ثـم يقـول : 

            وذكر هاهنا أمرين أحدهما يفضي إلى الآخر ؛ فالمودة تكون أولاً ثم إنها تفضي إلى الرحمة ، ولهذا فإن الزوجة قد تخرج عن محل الشهوة بكبَرٍ أو مرض ويبقى قيام الزوج بها وبالعكس !!

             وقوله: { إن  في  ذلك } يحتمل أن يقال المراد إن في خلق الأزواج لآيات ، ويحتمل أن يقال في " جعل المودة بينهم " آيـات ..

             أما الأول: فلا بد له من فِكر لأن خلق الإنسان من الوالدين يدل على كمال القدرة ونفوذ الإرادة وشمول العلم لمن يتفكر ..( .. لآيَـاتٍ  لقومٍ  يتَفكّرون  )

            وأما الثاني : فكذلك لأن الإنسان يجد بين القرينين- الزوجين - من التراحم ما لا يجده بين ذوي الأرحام ! وليس ذلك بمجرد الشهوة فإنها قد تنتفي وتبقى الرحمة .          لكن كثيرا ما تُنسى المعاني الجميـلة، وتُدفـن " الغايات النبيلة  " تحت ركام المـادة ، والمغالاة بالمظاهر ، والتفاخر بالترّهات !

 

·    سُنـّةُ  الإسْلام ..البساطـة  !

 مع أن سنة الإسلام دائما هي الاعتدال والبساطة في كل شيء ، إلا أننا جعلنا من مناسباتنا وأعراسنا مزيجا من الإسراف والمعصية ! وتلك أول المعوقات التي تنحرف بفطرة الناس وسمو أمر الزواج عن طريقهما .

              لقد كان المسلمون الأوائل - تمشيا مع تربيتهم - من أبعد الناس عن تلك الماديات التي اخترعناها ، والشكليات التي ابتدعناها ، لقد كان لهم في رسولهم عليه السلام الأسوة والقدوة ، فقد زوّج ابنته فاطمة رضى الله عنها - وهى الذروة في الشرف والحسب والنسب - زوّجها عليا رضي الله عنه بأيسر المهور ، ودعا بطبق من بسر لإطعام المدعوين !

 وليس معنى هذا أن نقدّم الرخيص للناس ! بل المعنى ألا نتصنّع أو نتكلّف أو نستدين لصيانة التقاليد وإرضاء المجتمع ثم ننسى روح المناسبة !!

 في هذا المعنى يقول الشيخ الغزالي رحمه الله : " للمسلمين في أفراحهم عادات رديئة .. فهم ينزعون إلى الغلوّ والتكلف ، وقلّما يجنحون إلى البساطة والاعتدال ، فهم يستغلون إباحة الإسلام للطيبات ، فيتوسعون في انتهابها ويبلغون في الإسراف حدا لا يصل إليه أتباع الديانات الأخرى ! 

              ويمكن القول بأن الأجانب أدنى منا إلى الرشد في هذه الأمور ؛  فالمرأة الأجنبية تكتفي بملبس رخيص أنيق ، والمرأة المسلمة لا ترضى حتى تضع على بدنها أغلى الأنسجة !

             وهذه النقائص تقع في عصر ضعفت فيه دولة الإسلام ، وذهبت ريحه ، وديست أرضه ، ومشى الغاصبون في أرجائها يزأرون زئير الأسود الكاسرة القاهرة !

             وكان حريّا بالمهزوم أن يصدّ عن المباحات الميسّرة ، إذا أقبل المنتصر عليها يتشبع وينتشي أمّـا أن يعتـدل المنتـصر ، ويفـرط المنهـزم ، فهذه هي المأساة !! "  

ولما كان للسفـه والتكلّف عواقبهما الاجتماعية الخطيـرة ، فقـد جعـل الإسلام البساطة سنته ، وطريقته ، فإن اضطراب المجتمعات يرجع في الغـالب إلى اختـلال موازينهـا وتنافسـها في المظاهر الكاذبة ، لذلك كان الاعتدال والبساطة هما الدواء الشافي الذي لا يعنى إلا إعطاء المجال المناسب " للذات الإنسانية " كي تعرف حقيقتها وغايتها بلا زيف ولا تحريف !!

·    الفـراغ المروّع  

             إن طغيان المادة  قبـل أن يكون داءً اجتماعيـا هو داءٌ نفسـيّ !! لقد جعلنا المهور والأثاث وغيرها من أشياء مادية جوهر الموضوع وغايـة المراد ، فانقلبت الوسيلة إلى غاية ، وهنا انقطع حبل التوازن بين الأفكار والأشياء ، لصالح الأشياء طبعا وهذا هو بداية كل إفلاس !

             إن المـادة شيء لابد منـه ، لكنها حينما تتضخم وتتورم ، فإنها تطـرد الفكرة من موطنها !!

             فقد يسر الله تعالى لنا الكون وجعل لنا نصيب من " التنعيم المادي "  بَيْـد أن هذا التنعيم لابد أن يقترن " بالتكريم المعنوي "، فالإنسان إنما كُرّم لأن فيه نفخة من روح الله تعالى ، فإذا حصر الناس أنفسهم في إطار المادة فلابد أن يختنقوا بهذا الإطار ، ذلك حتى يعود إليهم التوازن المطلوب ، أو بالأحرى حتى يعـودوا هُـم إلى التوازن المطلوب .

             فـلو أننا بذلنا عشر جهدنا السابق وكرّسناه لخدمة"عالم القيم والأفكار "  لاختزلنا متاعبنا ، ولاستطعنا تحويل فشلنا إلى نجـاح ، ومتاعبنا وأحزاننا إلى أفـراح ، أعنـى الأفراح الحقيقـية ، لا الأفراح المدوّيـة الخالية من الحب والفعالية  !! 

            إن ألوفا مؤلفة من الفتيان والفتيات يكتوون بنار التقاليد البالية التي تحول دون إحصانهم ، واستقرارهم .

             فتعقيد شئون الحياة  - ولن نمل من التكرار - هو الذي يقف بالمرصاد في طريق إحصان هؤلاء الفتيان وتلك الفتيات ..

             ففي الإسلام يسمى الزواج إحصانا ، والزوج يسمّـى مُحصنا ، والزوجة مُحصنة ؛ للدلالة على القيمـة الخُلقيـّة لأمـر الزواج، فحين نبنى بيتا فكأنما نقيم " حصنا " أو قلعة للأخلاق ! فالغرائـز التي تمشى في دماء الناس ، لا يمكن أن نقتلها بالرهبانية ، أو أن نطلِقها بالإباحية ، إن الصراط المستقيم هنا - هو الزواج - الذي يجمع بين الشريدَين ، ويضم شمل المتباعدَين .

            ولئِن قال الفقهاء في القديم أن أمر الزواج للندب ، فإنه أمسى في عصرنا أمرا  للوجوب - كما قال بعض العلماء - بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية والتطهير ، خاصة أمام الفتن الزاحفـة من كل مكـان ، والفضائيات الهاجمة دوما على الشباب ، والقذارة الداخلة من كل باب !!   

            نعم لابد من الإحصان .. ثم نستديم ذلك السكن : بالمودة والرحمة وهنا تكتمل المعادلة .. وبغير ذلك فلن نجنى إلا " الفراغ المروّع "- أعنى فراغ الـذات ، وما يتبعه من فراغ المجتمعات !!

            إن شرع الله هو الحل الأوحد لمعضلاتنا الاجتماعية وغيرها بلا شك ، وما حُرم الناس سلسبيل الدّعة والراحة إلا حين افترسهم الجهل ، ولعب بزمامهم الشيطان..

             إننا نستطيع أن نلمح في هذا الحديث بساطـة الإسـلام ورحمته السابغة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يرشد الأمة بقوله :

             [ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُـمُ الْبَـاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْـهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَـاءٌ ]  رواه الستـة واللفظ للإمام مسلم  

            و " الباءة " كما عرفها العلماء هي " تكاليف الزواج والقدرة عليه " هكذا بلا  تكلّف ولا تعقيـد !( وأَنْكِحُوا  الأَيامَى  مِنْكُمْ  والصّالِحِينَ  مِنْ  عِبادِكُم  وإمَائِكُم ، إنْ  يكُونوا  فُقَرَاءَ  يغْنِهِمُ اللهُ  منْ  فَضْلِه)   [ النور : 32 ] 

             فكم من إنسان - بعد الزواج - عـاد باليسر بعد العسر ، والغنى بعد الفقـر ؟! وبالمقابل كم من بُيوت ملئت تُحفا وأثاثا ، لكن يتفـرق الزوجان ويشرد الأطفال !! أي أن آلية الاستقرار النفسـي والعاطفـي حينما تتعطل وتُطرد من البيت ، فإنه حينئذ يمسي مأوًى لنعيب الغِربان  تؤنس أطلال البيت الوثير !! 

             إننا نحاول - في عصور التخلف - أن نستر إفلاسنا في عالم الأفكار ، بالتنافس في عالم الأشياء والمظاهر .. وهيهات أن نعوض هذا بذاك ..

 نعم .. نستطيع تعويض ما نقص من الماديـات بالرسـوخ في عالـم الوجدان

والأفكار ، وليس العكس صحيحا !!

            ونعود إلى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها فحين جاءت تشكو إلى أبيها صلى الله عليه وسلم مشقةَ العمل وطلبت خادما ، دلّها عليه السلام على ما يعوضها عن الماديات - إنها الطاعة وما تمثله من مشاعر الراحة والطمأنينة والاستقرار ، ونص الحديث ما يلي :

         [ حدّث ابْنُ أَبِي لَيْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِـيٌّ أَنَّ فَاطِمَـةَ رضي الله عنها شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَـةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لأقُومَ فَقَالَ  [ عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ أَلا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي ؟  إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا : تُكَبّـِرَا أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَهُـوَ خَيْـرٌ لَكُمَا مِنْ خَـادِمٍ ]   البخارى ومسلـم والترمذى وأبوداود وأحمد واللفظ للبخاري

 

             نفهم من هذا التوجيه النبوي : أن المرء يستطيع جبر ما فاته من أشياء بقوة الإيمان وزيادة اليقين .. أما إذا فات الإيمان وتبخرت معانيه ، فلن نستطيع جبر ذلك ولو بمِلء الأرض ذهبا !

             إن الناس - في كل العصور - إذا انسلخوا من الإيمان ، وأفلسوا في المشاعر ، ماجت حياتهم بالشر ، فإن أظهر آثار الإيمان هو تحديد الغايات الإنسانية الراقيـة 

والعيش في إطارها ، فبهذا نستطيع أن ننعـم بالراحة والرضى - ولو من قِلّـة-

            أما حين يتعامى الناس عن الغايات النبيلة لابد أن تستعـبدهم " الغايات العليلة " وهنا الخلل الصارخ الذي نبـدأ به حياتنا الأسرية .. إنها المعادلة السهلة :

         غاية راقيـة .. تعنى حياة راقيـة ..

         وغاية سيئة .. تعنى حياة أشـدّ سوءا !!

               

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- احمد النقيب - مصر

16 - رمضان - 1430 هـ| 06 - سبتمبر - 2009




زوجة تعرف ربنا وتكون مرحة مش نكدية من عائلة مرتبطة اسرة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...