عبدالرحمن العشماوي.. شموخ في زمن الانكسار

وجوه وأعلام
13 - ذو الحجة - 1425 هـ| 24 - يناير - 2005


1

استضاف المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض الشاعر الإسلامي الكبير د.عبدالرحمن بن صالح العشماوي، إذ تحدث عن تجربته الشعرية الزاخرة بالإبداع، وقد أدار هذا اللقاء د.عبدالقدوس أبوصالح رئيس الرابطة الذي أثنى على شاعرنا العشماوي، وأشاد بتجربته الشعرية، واستشهد بعبارة المفكر والمربي الإسلامي العظيم أبي الحسن الندوي رحمه الله إذ قال عنه: "هذا سيف من سيوف الله".

الطفولة وحقل الذكريات

 شكر الشاعر د.عبدالرحمن العشماوي بداية الرابطة ممثلة برئيسها ومكتبها الإقليمي على إتاحة هذه الفرصة له، سائلاً الله أن يعصمه من الزلل أمام نقاد من أساتذته الكبار، ثم قال:

في قرية شامخة تسم "عراء" في الباحة وكأنها في علو قمتها تطاول السحاب والقمر ولدت عام 1375هـ، تلك القرية هي حقل جميل لتجربة شعرية خاصة لها ينابيعها المتدفقة، إذ كنا نشرب الماء صافياً رقراقاً من البين الصخور، وكنت أنهل في تجربتي الشعرية الأولى من موارد عذبة أهمها:

والدي الذي كان مدرساً في الحرم المكي الشريف ـ رحمه الله ـ وكان حريصاً على تربيتي تربية علمية إسلامية جادة، فيها الكثير من البراءة والصفاء، وحين بلغت سن الخامسة أعادني إلى القرية لأتربَّى في "عراء" مع جدي من أمي لما في القرية من الفطرة السليمة والنقاء والتجارب الوافرة، وقد تعلمتُ كثيراً من الأحاديث والأدعية من جدي ووالدتي التي كانت تجيد القراءة والكتابة وتحفظ نصف القرآن الكريم وبعض الأشعار، كما كان لعصامية والدي التأثير العظيم على شعري وشخصيتي واتجاهي، كان شاعراً ينظم نظم الفقهاء الكثير من المواعظ والأخلاق الرفيعة.

علاقتي بالشيخ "محمد العواجي" الذي كان أستاذي في الابتدائية ويحفظ القرآن الكريم كاملاً، وكان يراجع معي القرآن على المصحف، ويشجعني على الحفظ، فحفظت بعض أجزاء القرآن الكريم، ومجموعة من الأحاديث والأناشيد، مما وثَّق علاقتي بكتاب الله، وبالشعر واللغة.

نمت القيم الأدبية في نفسي ومشاعري في المعهد العلمي بالباحة من خلال الفضلاء من الأساتذة الذين كان لهم أثر كبير في تشجيعي على القراءة، ونمو موهبتي أمثال الأستاذ: صدقي البيك، والشاعر علي المهدي، والأديب حسن الحازمي، ومحمد السعودي، وكان لأستاذي صدقي البيك حفظه الله دور عظيم في تنمية أحاسيسي، إذ أوصاني بقراءة رواية "وا إسلاماه" فقرأتها ثم حفظتها كاملة، وكنت أتقمَّص شخوص الرواية، وكان لهذا أثر جليٌّ في ظهور روح القصة في شعري فيما بعد، وقد قال لي حين سمع بداياتي الشعرية: "أنت موهوب وستكون شاعراً بإذن الله". وقد بشرني أكثر من مرة بقصائدي المنشورة.

الثبات على المبدأ

ويذكر الشاعر د.عبدالرحمن العشماوي التجربة الأولى فيقول: بعثت أولى قصائدي للنشر لصحيفة الدعوة "مجلة الدعوة اليوم"، وكنت في الأول الثانوي، وقد نُشرت مع تعليق جميل من الأستاذ الشاعر عبدالله بن إدريس، فكتب تحتها "هذه القصيدة من روائع ما قرأت للشباب"، مما دفعني لكتابة المزيد من القصائد، وحين التحقت بالأدباء الأفذاذ، وفي مقدمتهم أستاذي د.عبدالقدوس أبوصالح، والمرحوم د.عبدالرحمن الباشا الذي أسمعته مقطوعة شعرية لي نشرت في صحيفة الجزيرة في ختام حفلة لكلية اللغة العربية فقال لي: إني أسألك: لماذا تكتب الشعر؟! إن كنت تريد شعراً يحمل رسالة إسلامية سامية، فلن يكون ذلك سهلاً وبسيطاً، أما إذا أردت المدح والجاه والوصول بسرعة فاذهب للغزل وغيره مما تعرف!!.

أما جدي رحمه الله فقال لي: أنشدك الله أن تكون قصائدك في رضا الله!! وحين قابلت الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بعد إلقائي إحدى قصائدي قال لي: أسأل الله أن تكون في هذا الشعر من المجاهدين. وفي هذه المواقف حوافز كثيرة أشعرتني بالمسؤولية أمام الله ثم أمام الأمة في شعري، وترسّخ اهتمامي بالأدب الإسلامي، من خلال تشجيع هذه النخبة من الأساتذة والمشايخ والأدباء، فقدمت رسالة الماجستير في أعمال علي أحمد باكثير الروائية والقصصية، وسجلت الدكتوراه في البناء الفني في الرواية الإسلامية، وأشرف عليها الأديب د.أنس داود، ومن غرائب الأمور أنه لم يكن يؤمن بفكرة الأدب الإسلامي وصارحني بذلك، وناقشته كثيراً داعماً آرائي وأفكاري بنماذج أدبية عظيمة لأدباء الإسلام، وقد أهديته بعضها، إذ كان حكمه على الأدب الإسلامي متسرعاً من غير قراءة واعية، وبعد قراءته لهذا الأدب وحواري معه، وثباتي على المبدأ تغيَّر حكمه، بل تغيَّرت نظرته وأفكاره بفضل الله أولاً ثم بفضل الثبات على المبادئ الحقة، مما أكسبني الموقف وهداه الله إلى الصواب. ومن هنا أدعو الشباب إلى الاعتدال في أفكارهم، والثبات على مبادئهم، فلا يصح إلا الصحيح، ولكن عليهم أن يجوّدوا في أدواتهم الفنية في الأعمال الأدبية لنخاطب وجدان الناس ومشاعرهم بآداب قادرة على أن تهزهم من الداخل وتؤثر في نفوسهم، ولذا بعد إلقائي إحدى قصائدي في القاهرة عن الطفل الفلسطيني المجاهد الذي عرف كيف يواجه الأعداء، قال لي أحد الشعراء المصريين مندهشاً: ترى أيمكن أن يكون الشعر الإسلامي جميلاً إلى هذا الحد؟! إن هذه القصيدة من أجمل ما سمعت!!

صدق التجربة ووسطية المنهج

ثم جاء دور الشعر، وتألّق شاعرنا العشماوي في أكثر من مقطع أو قصيدة، ولأن العشماوي شاعر كبير يؤمن بقضيته يأتي شعره قادراً دائماً على شحننا بومضات وجدانية فنتفاعل مع همومه ورؤاه. يقول في ديوانه "نقوش على واجهة القرن الخامس عشر":

أيها اللاهثون خلف الأعادي

هل ستبنون، أم تريدون هَدما

كم دفعتم من الشعارات

لم تزل تلكم الشعارات وهما

قد شبعتم عداوة وخلافاً

وصرمتم حبل التواصل صرما

ونسيتم قرآنكم وجعلتم

دون إيمانكم من البغي ردما

الشعارات لا توحد صفاً

والخلافات لا تحقق حُلما

إنها رجعة إلى الله تمحو

كل عار وتحسم الأمر حسما

هذه الأبيات قيلت قبل أكثر من عشر سنوات، ولكنها لم تغادر حال الأمة بكل صدق، لأن شاعرنا يرى ببصيرة إيمانية نافذة، وهي تنطلق من حس قرآني لحسم الأمور، والنهوض بالأمة بعيداً عن الشعارات الزائفة!

ويقف أمام قامة الطفل الفلسطيني الشامخة في قصيدته "شموخ في زمن الانكسار" فيشدو لنا على لسانه أعذب الشعر:

أنا من ربوع القدس طفل شامخ

أحمي فؤادي باليقين وأعصمُ

مازلت أرقى في مدارج عزتي

قلبي دليلي والعزيمة سلم

وأرى بعين بصيرتي ما لا يرى

غيري وأعرف ما يحاك ويبرم

سكت الرصاص فيا حجارة حدثي

أن العقيدة قوة لا تهزم

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- نديم القمر - السعودية

20 - شوال - 1429 هـ| 21 - اكتوبر - 2008




شمــوخ..


رغـم الانكسار..


العشمــاوي مــبدع بمعنى الكلمــة..

بالفعل..

شعـره يحرّكـ شيئاً في الوجدان..

ويسمـو بالنفــس..

نــحو أفق رحب..

-- ابو عزام الدوسري - العراق

04 - ربيع أول - 1431 هـ| 18 - فبراير - 2010




ادعو من الباري ان يبارك لنا بشيخا وشاعر الامة الاسلامية الدكتور عبد الرحمن العشماوي
ان قصائده ذات معاني كبيرة تعطي للنفس ان يبحر مع الكلمات و معانيه . ولكم مني فائق الشكر والتقدير

-- ابو عزام الدوسري - العراق

04 - ربيع أول - 1431 هـ| 18 - فبراير - 2010




ادعو من الباري ان يبارك لنا بشيخا وشاعر الامة الاسلامية الدكتور عبد الرحمن العشماوي
ان قصائده ذات معاني كبيرة تعطي للنفس ان يبحر مع الكلمات و معانيه . ولكم مني فائق الشكر والتقدير

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...