الشاعر الفلسطيني الدكتور سليم سعيد: الهجمة كبيرة على القدس ومازلنا نلهو في خلافاتنا!

أدب وفن » آراء وقراءات
12 - صفر - 1436 هـ| 05 - ديسمبر - 2014


1

محاورة الشاعر الإسلامي الفلسطيني الدكتور سليم سعيد، مُحاورة نازفة لا يمكن تسطيرها إلاَّ من نقيع الدّم الفلسطيني, ومن أزيز الرصاص, وبطولة الشهادة, وعبقها في أرض النبوّة الأولى, ومع ذلك فهو يرى نفسه حرفّا في كلمة, في سطر, بل في صفحة من سطر الإسلام, وفي أمسية شعرية له برابطة الأدب الإسلامي في عمان, التقيناه ليقبضَ لنا على أشجان القصيدة من خلال روحه وقلبه وعقله.

 

*قلت له : لنبدأ من "دورا" الخليل حيث وُلدتَ, كيف قبضت على أشجان القصيدة من هناك؟

ــ لعلك يا أخي استوحيت صيغة سؤالك من السيرة الذاتية الموجزة المطبوعة على أغلفة دواويني السبعة المطبوعة, ولكن هناك عدّة مُفارقات, تسمعها في إجابتي على سؤالك المثير للأشجان: المفارقة الأولى: أني من قرية "تفّوح/ الخليل", مع أنَّ ولادتي كانت صبيحة يوم 6 / 11 /1941م في خربة "دير درازح" التابعة لقرية "دورا/ الخليل" حيث والدي ــ رحمه الله ــ حارساً لتلك الخربة حينذاك, ولم نلبث إن عُدنا إلى قريتنا الوادعة "تفوح". والثانية: أني لم أقبضْ على أشجان القصيدة من هناك, وإن كنت قد تشّربتها مع اللبن, وتنشّقتها مع النسيم العليل, طفلاً ويافعاً, دون التمكن من تجسيدها شكلاً ومضموناً في تلك المرحلة المبكرة من عمري.

والثالثة: أنَّ أوّل قصيدة جسدتها في الشكل والمضمون كانت في الخليج لا في الخليل, وكانت بالتحديد 27 /11 / 1969م  ذلك حين بلغتُ الثامنة والعشرين.

أمّا كيف قبضت على أشجان القصيدة؟ بل كيف قبضت القصيدة على أشجان روحي وقلبي وعقلي؟ قتلك المفارقة الرابعة, فقد غادرت الأردن في شهر 7/1967م عقب نكسة حزيران, واستقرّ بي المقام في قطر في أقصى الخيلج شرقاً, وكانت في حينه إمارة وادعة أقرب ما تكون إلى البداوة, والبساطة, وروح العشيرة, منها إلى الدولة العصرية, فعشت بداياتي هناك وكأني في قريتي "تفوح" ببساطتها, وبداوتها, وبروح العائلة التي كانت تسود القرية! نعم هناك قبضت على أشجان القصيدة, بأغراضها المختلفة وبأشكالها المتنوعة, وبمضامينها المتناغمة مع الأحداث الفردية الذاتية, والعامّة الموضوعية.

 

*"سليم سعيد في شعره يُشعل الذاكرة الإسلامية, من همّه الخاص أولاً, ثم من نبض فلسطين الحزينة "هل لك أن تقرّب لنا هذه المقولة؟

   ــــ بكل الحبّ, وبكلّ الصراحة والوضوح. فأنا إنسان قروي بسيط للغاية, كنت وما زلتُ أعشق البساطة, في كُلّ شيء, في المأكل والملبس, والمسكن, فقريني الوادعة تسكنني أينما حللتُ, حيث لم يَعدْ بوسعي أن أسكنها بعد النزوح, وفي طفولتي كنتُ أشارك البسطاء والزهاد من أهل القرية, وكنت أحسّ برغبة ورهبة, وأنا أصغي إلى إيقاع المنشدين بخشوع آسر, وتناغم يجلب الألباب, وكبرت بي السنون, ورحت أبحث عن غذاء فكري يَعضُدُ ذلك الغذاء الروحي الكامن في أعماق قلبي, قرأت, وسمعت, وحضرت جلسات ولقاءات من سنّ الخامسة عشرة إلى الخامسة والعشرين, على وجه التقريب, ومن هذين المصدرين, جاء تشكيلي النفسي والعقلي, قد أتأثر بما أقرأ من أفكار وأيديولوجيات, وأتفاعل, وانفعل بما أعايشه مع الآخرين, ولكن الإنسان الشفيف الروحي الإسلامي حتى النخاع, والقابع في أعماقي هو أنا في وطنياتي وغزلياتي, ومرئياتي شعراً ونثراً, وليس لي همّ خاص؛ لأني أرى نفسي حرفاً في كلمة, في سطر, في صفحة من سفر الإسلام والعروبة, فيعظم همي الخاص من تعاظم الهم العام, والعكس صحيح, وما من شك أن نقيع الدّم الفلسطيني الذي نشهده عبر القرن الماضي بكامله, والذي بلغ أوجهُ مع بدايات القرن الحادي والعشرين لاسيّما مع انتفاضة الأقصى الجريح, حيث يمعن الصهيوني المتجبّر مع تخاذلنا, والمتجرّئ علينا من تذللنا لمن وضعوه شوكة في حلوقنا, وما من شك أن همومنا الخاصة ذابت مع تعاظمها في الهمّ الفلسطيني الدّاهم الذي يهدّد الوطن العربي كُلّه ما لمْ يتنبَّه عقلاء قومي!

 

*يقال: ما زال تأثير الشعر الإسلامي عارضاً وهامشياً في حركة الساحة الأدبية العربية" ما ردّك على ذلك كونك شاعراً إسلاميّا؟

ــ ربما انطلق القائلون بهذا من كونهم لا يشهدون شاعراً إسلامياً على شاشة التلفاز, أو على صفحات الجرائد والمجلاّت يدعو بالويل والثبور وعظائم الأمر, لمن لا يوصي بتقوى الله, ويحذر من عصيانه, ومخالفة أمره, ونهيه, ويغالي في ذكرالجنة, وما يقرب إليها من قول أو عمل, ويهوّل من ذكر النّار, وهذا دأب الداعية الإسلامي، وخطيب الجمعة, وليس من شأن الشاعر, أو الشعر أن ينحو هذا المنحى؛ إذ مهما أوتي الشاعر من فصاحة وبلاغة, وموهبة فذّة في توليد المعاني, ومصاحبة الألفاظ, فلن يبلغ أدنى قدره من فصاحة الرّسول, وبلاغته, وقد أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم, وناهيك عن المعجزة الخالدة المتجددّة على كلّ العصور, وهي القرآن والذكر الحكيم, وممن يحاول تهميش الشعر الإسلامي في الساحة الأدبية العربية, والادعاء بأنه عارضٌ سيزول أولئك العلمانيون الحاقدون مّمن قد بدت البغضاء من أفواههم, إذاً لو نظرنا إلى الشعر الإسلامي من زاوية غير هذه التي ذكرت, لوجدنا أنّ الساحة العربية الأدبية تموج بالشعر والشعراء الذين يعالجون قضايا فكرية, وإنسانية, واجتماعية, ووطنية, وليس بالضرورة أن يضعوا لافتة تشير إلى إسلامية هذه المعالجات, ما دامت لا تتناقض مع روح الفكر الإسلامي النيّر, ونظرته الواقعية للكون, والإنسان والحياة, ولا أدلّ على ذلك من النشاط الأسبوعي الذي يعقد في مكتب رابطة الأدب الإسلامي العالمية في عمَّان, ونشاطات أخرى مماثلة في معظم العواصم العربيّة والإسلامية.

 

*نريد أنّ نقرأ ديوانك "اشهدي يا قدس" بإيجاز ما الذي يطرحه هذا الديوان؟

ـــ بداية, انظر يا أخي إلى القدس هذه الأيام مع الهجمة اليهودية على المسجد الأقصى، ونحن ما زلنا نلهو في خلافاتنا ماذا نحن فاعلون؟ أما إجابتي على سؤالك: فقد  قدمت لديواني الأول, والأحب والأبقى بمقدمة صافية, عرّفت بمضمون الديوان, والفكرة الكامنة وراء وضعه ونشره, وقبل أنّ أتعرض لما يطرحه الديوان, أحب أن أشير إلى نقطتين وردتا في المقدّمة التي أشرت إليها, الأولى تقول: أكره ما أكره أن يسألني أحدهم عن جنسيتي ما دام يشهد بإسلامي, ويتذوّق عربيتي, وعليه فانتمائي للعروبة لساناً, والإسلام عقيدة.

 والثانية قالت: إنَّ الفنان أياً كان ميدانه الفني يشترك مع الأنثى في آلام الحمل والمخاض والولادة, فهو يعاني مثلها من فكرة هي جنين يريدها أن تكبر, وتنضج ليطرحها للناس, ويتألم وهو يضع فكرته بعد اكتمال نموّها.

ثم يأتي بعد ذلك دور النقاد والنّاس, ولد أو بنت, أشقر أو أحمر, طويل أو قصير, ويبحثون له عن اسم, وعن كنية, وعن لقب, وكذلك تصنيف, شعر أو نثر, أم نحت, كلاسيكي قديم أو حرّ حديث, وعليه, فلم يكن هّمَّي الصنعة, والتجويد, وإرضاء الأذواق والتوجهات, وأنا أنفث ما بي شعراً على صفحات دواويني.

وإجابة على سؤالك ما الذي يطرحه هذا الديوان أقول: كان ديوان: "اشهدي يا قدس" ثلاثة دواوين منفصلة, لكني جمعتها في ثلاثة أقسام له, فجاء القسم الأول تحت عنوان فرعي هو: "الجرح والأمل". مستمداً من خواطر وانفعالات كانت مدوّنة في مذكراتي بصورة تأمّلات وجدانية, أثر تجربة من أغنى تجارب عمري, تجربة الحجّ والعمرة, وأعقبتها بعد ذلك وقفة تأمل في أعلى أبراج القصبة من قصر الحمراء في "غرناطة" ...... حيث أحسست بعمق ذلك المدّ الحضاري الإنساني الخيّر، الذي ما كان له أن يتوقف لولا انكفاء صانعي تلك الحضارة على أنفسهم, يقتتلون على متاع زائف, ودنيا هالكة, فتوقف المدّ, وانكفأت الحضارة, وضاعت مذ ذاك الهويّة, وجاءت الهجمة الصهيونية على الشعبين الفلسطيني واللبناني في الخامس من حزيران 1982م, وكان على كُل عربي ومسلم أن يلبي نداء الجهاد, كُلّ بقدرته, وليس لي سوى الكلمة من سلاح, فكانت كُل قصائد هذا الجزء من الديوان نزف جرح غائر, ولكنها تزرع الأمل في مستقبل زاهر, إذا اتخذنا العظة والعبرة من أمسنا الدّابر, ولذا كان عنوانه: "الجرح والأمل".

 والقسم الثاني عنوانه: "اشهدي يا قدس" عنوان الديوان بأكمله, ويسير مع انتصارات المقاومة الفلسطينية العملاقة للاحتلال عقب مُصيبة حزيران 1967م, حين انطلقت تُلّملمُ شتات النفوس العربية الممزقة, وتنتشل الكرامات المهانة, وتحيي في قلوب الأجيال, الأمل بالنّصر, واسترداد الحقوق, مهما غلت التضحيات, وقد تضمّن هذا الجزء تعرية لما قبل حزيران 1967م, وتبصيراً بما بعده, واحتجاجاً صارخاً على اغتيال الإخاء الفلسطيني مع محيطه العربي شرقاً وغرباً, وشمالاً وجنوباً.

أما القسم الثالث فعنوانه الفرعي: "مع الحياة والنّاس" وهو يصوّر واقع التعامل اليومي مع النّاس في تلك الفترة الموحشة من الحياة التي اختلفت فيها القيم, وتعارضت المفاهيم, ففسدت المعايير وغّرّت الدنيا ناسها, بمباهجها فطلبها الإنسان حثيثاً غير عابيء إنْ كان في تطلابه إيَّاها يقتل في داخله قيمه ومفاهيمه وأخلاقياته, ومقدَّمات الخلافة في الأرض التي ارتضاها له خالقه ومبدعه.

 

* كان للانتفاضة الفلسطينية وقع أصيل في شعرك, هل تجلو لنا ذلك؟!

ــ تفاعلي مع الانتفاضة عقلاً وعاطفة, شعراً وشعوراً, هو امتداد لما تقدّم ذكره. ما قولك بمضرم عاش حروب العرب الخاسرة كُلها, ويتطلّع كغيره من العرب والمسلمين إلى بارقة أمل, وبشارة نصر في هذا الزمن العربي الرديء؟! كُنت أسمع دوي الحجر في أعماق روحي، حين يقذفه فتى في عمر الورود على دبّابة صهيونية هادرة غادرة, واتلفّتُ حولي مع المتلفتين فلا أرى ولا أسمع من يستجيب لصرخة امرأة مستغيثة, أو فتاه مستنجدة, أو صبيّ يُلوّح بيديه طالبّا النصرة من امتداده الطبيعي العربي الإسلامي, فلا غرو إذا إنْ ألهمتني الانتفاضة ديوانيين كامليين أحدهما: "على لهب الانتفاضة" والآخر: "من وحي الانتفاضة" , وقد وضعت على غلاف الأوّل جزءاً من قصيدة من ثمانية مقاطع, وكُلّ مقطع من ثمانية أبيات, ويقول المقطع الثامن:

طفــل توجّه للذي برأ البريّة وابتــــــهـــــلْ

يا ربّ وفقني على درب الشهادة والأمَـــلْ

هو ذا مصيري لن يغيرّني تخاذل من خذَلْ

عارٌ علينا أنْ تظلّ جيوشنا تشكو المـلَـــلْ

عارٌ علينا أن نموت من البدانة والكـسَـــلْ

عارٌ علينا أن تخدرّنا المدُامـــةُ والقُبــَـــــلْ

عارٌ علينا أنْ نطوّف في العواصم إثرَ حَلْ

والحلّ تصنعُهُ الحجارةُ في يَدَيْ طفل بطلْ

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...