الشاعر الماليزي أحمد كمال عبدالله معبرا عن هموم الأمة!

أدب وفن » آراء وقراءات
16 - محرم - 1437 هـ| 30 - اكتوبر - 2015


1

للأدب الماليزي الحديث دور فاعل في التعبير عن هموم الأمة الإسلامية، ونلحظ ذلك في كثير من الأعمال الأدبية والنقدية للكتاب والشعراء في ماليزيا، ويبقى الإسلام في صورته المشرقة المضمون الثري لهذا الأدب الذي استوى على سوقه بعد استقلال ماليزيا عام 1963م.

 

ومن الشعراء الماليزيين الذين لهم حضورهم الإسلامي الأدبي المتميز في المنابر الثقافية الشاعر "أحمد كمال عبدالله" المعروف أدبياً بلقب "كمالا" والمولود عام 1941م، في العاصمة الماليزية، وقد نشر عدة أعمال شعرية منها ديوان (تأملات) وديوان (عين)، كما شغل بعض المناصب الأدبية أهمها: (الأمين العام للاتحاد الوطني للكتاب الماليزيين)، ونال عدداً من الجوائز التقديرية عن أعماله الشعرية في مهرجانات ثقافية محلية، وله نشاط أدبي واضح في ترجمة شعر بلاده، وتقديمه بلغات عالمية في المهرجانات الأدبية الدولية.

 

في شعره بوحٌ روحي سامٍ، فيه حب عظيم لله، يتكرر هذا البوح في كثير من قصائده؛ مما يدل على عمق إيمانه بالله، وصدق لجوئه إليه، يقول في قصيدة رائعة له بعنوان: (حميم):

يا من أنت هو اللطيف

أنتَ حميتني

ولذلك لم تأكلني السباع الجائعة

والثعالب الوحشية

مع أنني لا أعدو أن أكون ذرّة.

فهذا حبّي الذي تنفخ أنت فيه

الروح والإيمان

أما قصيدته (عين) فهي مشهد رائع من مشاهد حبه للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يغدو المكان عبر شعره دفقات حية متأججة تستضيء بنور النبوة المشحون بالصدق والأصالة:

أمام كهف حراء

المغطّى بنسيج العنكبوت

النبي الأمين سكن فيه

وكذلك أبو بكر الصديق

الذي أحبه حباً عظيماً

إن أصداء رحيل النبي

لا تزال تتردد في الدروب

المدينة، مدينة النور تداعبني

وأقف مأخوذاً أمام الألحان الدافقة

هذه البؤر المشعة الدافقة لدى شاعرنا الماليزي "أحمد كمال عبدالله" تستوقفنا بكل حميميتها، فهي تربطنا معه بوشائج إيمانية روحية، وتستنطقنا بعذوبتها، وتأسرنا بإشراقاتها الضاربة في عمق التاريخ الإسلامي لنمضي معه، حيث مدينة النور تعانقنا، وحيث الدروب تردد بألحان عذبة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل هذه القصيدة المفعمة بالحنين لماضينا العريق جاءت عبر رؤى وجدانية خاصة قبل أعوام قليلة، حيث أدى الشاعر فريضة الحج، فكانت هذه الدهشة والانبهار في أقدس بقاع الأرض، وتلازم الهموم الوطنية التي تعاني منها ماليزيا شاعرنا، وهي هموم سياسية واجتماعية واقتصادية، ففي قصيدته: (لا تحزني يا ماليزياي) التي يشارك فيها أوجاع الفقراء في بلاده ، يقول معبراً عن أحزانهم:

هناك لدى صيادي الأسماك أناشيد حزينة

هناك أناشيد بلا إيقاع

ينشدها الفلاحون الفقراء

الباحثون عن المحبة

بصوت أجش مبحوح

تلك الأناشيد الحزينة تتوحد مع هموم الفقراء من صيادي الأسماك والفلاحين، ليعلو صوتهم رغم الأسى الذي يضرب الآفاق، ولم يغفل الشاعر عن بعض الفساد الذي يلف ماليزيا رغم تقدمها الاقتصادي وازدهارها، وهذا ما كشفه أخيراً الوزير الإسلامي "أنور إبراهيم" في الحكومة الماليزية، فدفع ثمناً باهظاً لمواقفه الإسلامية الثابتة، منها سجنه وتعذيبه والطعن في أخلاقه.

ففي قصيدة (موازييك) يطرح الشاعر أسئلة ساخرة موجعة، وهذه السخرية لم تأت عبثاً لولا ألمه الدفين لأوضاع بلاده، من أخلاق بعض ساستها، وعبء الديون الحكومية الربوية، وقمع الحريات:

كم يبلغ مقدار الدين الوطني عندنا؟!!

الحرية!! العمال يضربون مطالبين برواتبهم

كم يبلغ مقدار الدين الوطني عندنا؟!!

إذا لم نلزم جانب الحذر

فسترهن ماليزيا عند المرابين!!

لكن الآلام الدفينة التي تموج في صدره لما آلت إليه بلاده، لم تجعله يفقد التفاؤل بنهضتها وحفظها من الله، فهو يتوسل إلى الحافظ القدير أن يخرج وطنه من أزمته، ويحفظه من المفسدين المرابين:

يا إلهي

احفظ هذه الأرض

قبل أن تنقرض

قبل أن تختفي

يبتلعها العمالقة الجائعون الجائعون

ونلمح لدى شاعرنا قدرة فائقة في الغوص على المفارقات الساخرة الموجعة لفظاً ومعنى، من خلال رموز موحية تشحننا بالمزيد من المرارة لما يحدث، فهو يرمز إلى المفسدين المرتشين المرابين بـ (العمالقة الجائعين) الذين يتربصون لابتلاع خيرات بلاده.

وقد اتسعت هموم شاعرنا الماليزي "أحمد كمال عبدالله" لتشمل مآسي أمته الإسلامية في أقطار عدة منها "فلسطين، البوسنة والهرسك" وغيرها، يقول في قصيدة (الفجر) التي نشرها عام 1982م أثناء حصار بيروت من العصابات اليهودية:

ألف حيلة من اليهود وحيلة

وهذا لبنان محاصر

ينهمر الرصاص بغزارة

قذائف الهاون

بيروت مدينة الموت

الموت في كل مكان

اليهود، اليهود

يمتصون دماء الشعوب

انهضي يا منظمة التحرير

انهضي بجيشك الصغير

وأسلحتك الصغيرة

هكذا يدعو الشاعر الفلسطينيين إلى مواجهة الغزو الصهيوني، والحفاظ على كرامة الأمة الإسلامية أمام الحقد الصهيوني. والقصيدة فيها استنهاض للهمم وبث واعد للأمل في النفوس!!، ويمضي الشاعر في تصوير حزنه الإسلامي من خلال قصيدة أخرى بعنوان: (رسالة إلى سراييفو) معبراً عن جرائم الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك، فيقول:

أشجار صامتة، أحجار صامتة

بحيرات صامتة

غزيت البوسنة والهرسك

مساجد سراييفو المئة هوجمت ودمرت

وأمطرت القذائف الموجهة على البوسنة

القتلة الشياطين الصرب يغسلون أجسامهم

بدم البوسنة والهرسك.

يجرعون دموع الأطفال الأبرياء

وصرخات الضحايا

تلك الفجائع لم تكن لتحدث لولا تقاعس المسلمين وفرقتهم وبعدهم عن دينهم، أما الدول الكبرى فهي غارقة في غيّها وطغيانها، واستغلالها للدول الصغيرة الفقيرة، وهي السبب في كثير من الحروب في عالمنا، ولذلك نراه يصور بسخرية مرة من يطلبون الخير والعون من هذه الدول:

واشنطن ماما، نيويورك ماما

باريس ماما، بون ماما

لندن ماما، موسكو ماما

يا للكارثة!!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...