مداخلة حوارية مع الشاعر عبدالرحمن العشماوي

في ديوانه: "عناقيد الضياء"

أدب وفن » آراء وقراءات
13 - ربيع الآخر - 1426 هـ| 22 - مايو - 2005


1

 الشاعر عبدالرحمن العشماوي من شعرائنا المتدفقين عطاءً، فتركض القصائد في عروقه، هو راحل دائماً إلى القيم السامية التي تفيض بأسرار نبضه وإيقاعه، ونرى الصباح يعزف أناشيده في غدوه ورواحه، يستنبت أحلام فجره في رياض الشعر، ويظل طليق الروح، وعدته يقينه على الله، لم ينس هموم أمته ومضة قلم، بل لم تزل تشجيه هنا أو هناك رعشة الألم، لم يزل يهاتف التاريخ سفينه، ويبذل في فضاءاتنا صفاء نفسه كي يسلم دينه!!.

قبل أيام قليلة وقفت معه ذات مساء، أقلب ديوانه، قال لي مبتسماً: من أين نبدأ الحوار يا أخي؟

قلت وأنا أبادله الابتسامة:

 دعنا نبدأ من مكة المكرمة، ومن وجهها المتألق مع تلبية الحجيج.. ترى كيف تهفو إليها؟ وكيف يهزك نداؤها؟!

قال: لقد سافرت في المدائن كثيراً، لكنني ما رأيت منبعاً للخير مثلها، ولعلي أسمعك بعض نبضي فيها:

يسافر طرفي في المدائن كلها

وروض الأماني الباسمات نضير

رأيت زوايا الكون أدركت عمقه

وفيه بشير صادق ونذير

فلاحت أمامي مكة الخير منبعاً

ومن حوله الكون الفسيح يدور

كأن الوجود الرحب شرقاً ومغرباً

أكفُّ إلى البيت الحرام تشير

 قلت له: زدنا عن صفاء القلوب هناك، وعن إشراقات الروح، ماذا لديك من بوح؟!

وقصاد بيت الله تصفو قلوبهم

وماء سواقي الذاكرين نمير

كأن خطاهم في المشاعر أحرفٌ

تسطر منها للولاء سطور

ولاء لرب الكون لا رب غيره

خبير بأسرار القلوب بصير

يلبون والآفاق تصغي فتنتشي

جبال وتهفو للنداء صخور

تغرد في وجه الرمال بشاشة

ويشرق في وجه التلال سرور

ويخفق قلب الأخشبين سعادة

يبوح بها للذاكرين عبير

ويصبح وجه الكون أبيض ناصعاً

وتنمو على كف الزمان زهور

وتزهو ليالي العاكفين نجومها

رعية حسن، والهلال أمير

 أنت من الشعراء الذين يكتبون بمداد مواجعهم! ترى ما حال أمتنا اليوم في ظل هذه المآسي والانكسارات والأحزان... ألم تسأل نفسك ماذا جرى؟!

قال بلى، ثم أجابني بحرقة وألم:

وسألت نفسي بل أثرت شجونها

ورأيت من لهب السؤال دخاناً:

هل أحجم التاريخ، هل ألقى بنا

في اليم، هل أغرى بنا النسيانا؟!

هل مات ذكر الفاتحين، فلم تعد

لابن الوليد يد تدير رحانا

وهل استدار الدهر حتى لم نعد

نلقى المثنَّى أو نرى النعمانا

وهل انزوى في الغمد سيف قتيبة

وهل انمحت من حده ذكرانا!

 قلت له: ذاك تاريخ قد مضى، وأراك تستنهض الماضي، فما جدوى ذلك الآن؟

قال: من لا ماضي له، لا حاضر له، اقرأ التاريخ لتدرك صدق رؤيتي:

اقرأ....!

وتنهلُّ الرؤى من كل ناحية

وينهمر اليقين

اقرأ...

وتختصر المفاوز والحقب

وتدور دائرة العرب

يتهيأ البدوي من صحرائه غيثاً

ويمطر في العراق

يتدفق البدوي من صحرائه نوراً

ويشرق في العراق

في الشام، في الفسطاط، في اليمن السعيد...

وفي المدى المرسوم في عنق البراق!

 لكن هذا العربي الذي تفتخر به، ملك الكون بقوة العقيدة الصافية، وقد أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة بعزيمة الرجال؟ فأين نحن من هذا؟! وماذا نملك مما لديه من صدق الأقوال والأفعال؟

رد عليَّ بصوت شفيف حزين قائلاً: دعك يا أخي من الأعذار، فالمرجعية بين أيدينا:

يتشامخ البدوي

يغسل وجهه، عينيه من آثار ليل الجاهلية

يتشامخ البدوي

يصبح أمة وسطاً تمد ذراعها للقادسية

يتشامخ البدوي

هذي مكة الغراء ترفع رأسها

وسط الزحام

هذي خيوط الفجر تنسج ثوب عزتها

وهذي بئر زمزم والمقام

هذي ملامح سيدها اليتيم

تصوغ للدنيا حكايتها الفريدة

هذي انطلاقتها الجديدة

هذا شذى "اليرموك" ينشد للعلا

أحلى نغمْ

هذي ربى "حطين" تحمل باقة الفرح المطرز بالشممْ!

 لا شك أن مرجعية النصر بين أيدينا، وحسن المكان وقدسيته تملأ النفوس، ورؤى تاريخنا الأصيل تضيء الطريق! ولكن أين العمل؟ ألا يحزنك ما نحن عليه في هذا العصر؟!

بلى يحزنني، ولكنك لم تكمل قصيدتي، فكم أشجاني النغم:

هذي...!

ويسكتني اشتعال الحزن في عصري

ويلجمني اللهب

والأمة الغراء في وهج الظهيرة تغتصب

والقدس يصرخ: يا عرب!!

عرب عرب!

شربوا كؤوس الوهم طافوا حول قبر أبي لهب

والمسجد الأقصى يردد في غضب:

لهب لهب!

شارون يشعل ناره

والمسلمون هم الحطب!

عرب عرب.. لهب لهب!

يا أحرف الشعر التي قُتلت على باب السكوت

مدي يديك إلى السماء وحرِّكي شفة القنوت...!

 سألته بمرارة: كيف سنحرك شفة القنوت، ونحن لم نزل نطوف حول قبر أبي لهب...؟! لقد انطفأ السراج... بالله عليك أخبرني ماذا لدينا من أمل؟!

أجابني بدهشة واستغراب شادياً:

عجباً! أينطفئ السراج، وزيته

مازال نهراً يشعل النيرانا؟!

قف أيها التاريخ، إنا هاهنا

تمتد بالأمل الكبير يدانا

انظر إلينا كي تشاهد جيلنا

يأبى لغير الخالق الإذعانا

لترى شباب العُرب حين تألقوا

رفعوا لنا بجهادهم أركانا

لتشمَّ في "نابلس" مسك دمائنا

ولكي ترى في "القدس" فجر هدانا

لترى "حماس" المجد ترفع رأسها

عزاً وتطلق للجواد عنانا

لترى خروج المجد من عليائه

يلقي عن النصر الكبير بيانا

سل عنه سيف قتيبة وحصانه

فلقد تسر إذا سألت حصانا

ولقد تسرُّ إذا سألت مهنداً

في كفه لا يعرف الخذلانا

أو ما ترى الأبطال في صلواتهم

يستنصرون الواحد الديانا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...