قراءة نقدية في قصيدة "الراكعون الساجدون" للشاعر مصطفى رجب

أدب وفن » آراء وقراءات
29 - جماد أول - 1436 هـ| 20 - مارس - 2015


1

إن الشعر الذي يستفز مواجدنا هو شعر حي, فكيف إذا تعرضت لقصف جميل من فوهة القصيدة، قصف يحشد جوارحك لتبحث عن خندقك في الصفوف الأولى, وتتحسس جعبتك, وتشهر دمك لتصد حجافل الهزيمة, وتتهيأ لعرسك القادم, هكذا تندلع قصائدنا , تتلو كتابها المفتوح, لتلوذ من مذابح جديدة وانكسارات جديدة، فهل أطلت قصيدة شاعرنا المبدع د. مصطفى رجب من نافذة هذه اللوعة!

عنوان القصيدة "الراكعون الساجدون"  يأوي إلى المعجم القرآني،  ويستنير بوميضه من خلال قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)سورة الحج26، ويمكن تقدير العنوان بما يأتي: (أولئك هم الراكعون الساجدون) وبذلك يكون خبراً لمبتدأ محذوف, ويمكن أن يكون نائب فاعل لفعل مبني مجهول كأن نقول (ذبح الراكعون الساجدون) وعلى أية حال فالحذف هنا وهب العنوان روحاً جديدة، وفتح للقاريء نوافذ التأمل والمشاركة الوجدانية.

نحت القصيدة منذ البداية منحى هجائياً ساخراً:

الرافضون يثرثرون

يستنكرون, ينددون

والراكعون الساجدون يمزقون

 

هنا تغدو المفارقة صارخة حادة، بين ثرثرة الكلام الفارغ، وفعل الدمار والتمزيق الذي تعرض له "الراكعون الساجدون" في مذابح كثيرة على أيدي اليهود الحاقدين على المسلمين، وربما ليس آخرها مذابح غزة قبل أشهر قليلة، ويستقصي الشاعر في قصيدته كثيراً من الصور الساخرة, فليجأ إلى التقابل المعنوي وأسلوب الاستفهام، معبراً عن سخطه لما يحدث أمام تخاذل الأمة واندحارها النفسي:

من يوقف النزف الأبي؟

من يهدهد طفلة مرتاعة؟

صوت الرصاص يصب في آذان

من لا يسمعون

في مجلس الأمن المصون

وبنو العروبة خلف رائحة التفاوض يلهثون

 

ويعمد الشاعر أحياناً إلى إضفاء الظلال المعنوية النفسية على صيغه الشعرية الحسية كقوله: (النزف الأبي) وقوله: (الأرض أدمنت الخنوع) إلا أن صوت القصيدة يظل صوتاً منبرياً مباشراً, فتكون أقرب إلى الصراخ من الهمس المتدفق!

ونجد أن القصيدة ركنت في ذروة تأججها إلى التضمين, مخلصة إلى روح تراثنا عبر سخرية مرة، تتمازج مع وجدان جماعي يتحفز لاستشراف لحظات النهوض من الهزائم المتلاحقة لأمتنا, وليس شعر "عمرو بن كلثوم" في الفخر والإباء الذي تضمنته القصيدة إلا رؤية متقدمة، تنهمك في أتون هذه المعاناة النفسية المؤلمة:

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ ... تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

ملأنا البر حتى ضاق بنا  ...  وماء البحر نملؤه سفينا

ويكمل شاعرنا متهكماً من خلال إبداع حي ينبض بأسى دفين:

وقد علم القبائل في أوروبا  

وفي الأمريكتين وما يلينا

بأنّا الساخطون إذا ضربنا   

وأنا الصارخون إذا رمينا

وأنا الرافضون إذا أكلنا  

وأنا الشاجبون إذا غشينا

ويمكن بوضوح استقصاء الدلالات الفكرية والاجتماعية والنفسية لهذه الأبيات, وانظر إلى الاستخدام الثري العميق لدلالاته (القبائل) في البيت الأول حين يقول:

قد علم القبائل في أوروبا    

وفي الأمريكتين وما يلينا

 

هذه الدلالة حملت سخرية وأحقاداً للادعاءات الباطلة في أوروبا، وفي الأمريكتين، وفي الكيان اليهودي في الوقوف مع حقوق الإنسان وتقدمه وصون حريته, وفي حين أنها لم تزل تعيش جاهلية وعنصرية بغيضة في حضارتها وحياتها وتعاملها مع الآخرين, ونجد في البيتين الأخيرين من الدلالات المعنوية الساخرة ما لا يحتاج إلى جلاء.

 

أما أريج (الاقتباس القرآني) في القصيدة، فقد جاء رافداً فنياً فتح آفاقا وجدانية جماعية متوهجة عند شاعرنا مصطفى رجب, وهو يعد من شعرائنا المعاصرين القلائل الذين استطاعوا النفاذ إلى روح النص القرآني، وتوظيفه عبر صور شعرية مبتكرة وموحية:

والأرض ـــ حتى الأرض ــ أدمنت الخنوع

نسيت أصول الزلزلة

من يا ترى يستطيع وقف المهزلة؟

الكاظمون الغيظ, والمتعلقون؟

 

ومع هذا التميز الواضح في الاستفادة من القرآن الكريم عند د . مصطفى رجب، إلا أنني قرأت للشاعر قصائد أكثر تقدماً من الناحية الفنية في استلهام النص القرآني، وإضفاء روحه وعبيره الفواح، أما معجم القصيدة فقد تراوح بين المعجم القرآني والألفاظ السياسية المتداولة: (راكعون, ساجدون, يحزنون, الركوع, الزلزلة, الكاظمين الغيظ, رزق, يستنكرون, ينددون, التفاوض, الرافضون, مجلس الأمن, الشجب, التنديد..).

إلا أن تكرار مثل هذه الألفاظ السياسية أفقد القصيدة بعض وهجها الشعري. ومن العناصر الجلية في القصيدة تبادل الدلالات مما يوحي بحالة التأزم والاستلاب التي تعيشها أمتنا وحسبنا في هذه العجالة قوله:

الأرؤس الجوفاء أدمنت الركوع

 

فقد استبدل الدلالة الدينية المقدسة الشامخة للركوع، بدلالة سياسية ذليلة مهزومة, إيحاء باستلاب قيم الإباء والسمو عند الفئة المتسلطة على مقومات الأمة, واستخدام جمع القلة (الأرؤس) وليس جمع الكثرة (الرؤوس) لأن الذين أذلوا الأمة وهزموها هم شرذمة قليلة ممقوتة.

 

أخيراً فإن إيقاع القصيدة جاء على تكرار تفعيلة (متفاعلن) من الكامل باستثناء أبياته العمودية, وهذا الإيقاع يلائم الإلقاء المنبري، لاسيما مع القافية النونية المسبوقة بالمد والمشحونة برنة الأسى الساخرة!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...