إياس بن معاوية المزني مضرب المثل في الذكاء والنجابة!

وجوه وأعلام
26 - رجب - 1435 هـ| 26 - مايو - 2014


1

ولد هذا التابعي الجليل سنة ستّ وأربعين للهجرة، في منطقة اليمامة في نجْد, وانتقل مع أسرته إلى البصرة وفيها نشأ وتعلّم, وتردّد على دمشق في أوائل صباه, وأخذ عمّن أدركه من الصحابة الكرام وأكابر التابعين.

 

 إنه إياس بن معاوية المزني الذي ظهرت عليه علائم النجابة والذكاء وتناقل الناس أخباره ونوادره وهو مازال صبيّاً صغيراً, أكبّ إياس على العلم، ونهل منه ما شاء الله أن ينهل، حتى بلغ فيه مبلغاً جعل الشيوخ يخضعون له, ويأتمون به, ويتتلمذون على يديه على الرغم من صغر سنّه!!

 

ففي ذات سنة زار عبدالملك بن مروان البصرة قَبْل أن يَليَ الخلافة, فرأى إياساً وكان يومئذٍ فتى يافعاً, ورأى خلفه أربعة من القرّاء من ذوي اللّحى, وهو يتقدّمهم.. فقال عبدالملك: أفٍّ لأصحاب هذه اللّحى.. أما فيهم شيخٌ يتقدّمهم؛ فقدّموا هذا الغلام؟! ثمّ التفت إلى إياس وقال: كم سنّك يا فتى؟ فقال سنّي ــ أطال الله بقاء الأميرــ كسنّ أسامة بن زيدٍ حين ولاّه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم جيشاً فيه أبو بكر وعمر, فقال عبدالملك تقدّم يافتى.. تقدّم بارك الله فيك.

 

وشاعت أخبار ذكاء إياس وذاعت, وصار الناس يأتون إليه من كلّ صوب, ويلقون بين يديه ما يعترضهم من مشكلات في العلم والدين, بعضهم يريد المعرفة, وبعضهم الآخر يبتغي التعجيز والمماراة بالباطل, من ذلك ما رُوِيَ أنّ رئيس إقليم في بلاد فارس أتى مجلس إياس فقال له: ما تقول في المسكر؟ قال: حرام. قال: وما وجه حرمَتِه, وهو لا يزيد عن كونه ثمراً وماءً غُليا على النّار وكلُ ذلك مُباحٌ لاشئَ فيه؟

 

 فقال أفرغت من قولك أم بقي لديك ما تقوله؟ فقال: بل فرغتُ. فقال لو أخذتُ كفّاً من ماءٍ وضربتك به أكان يوجعك؟ قال: لا. فقال ولو أخذتُ كفّاً من تراب فضربتك به أكان يوجعك؟ فقال: لا. فقال ولو أخذت كفّاً من تِبْنٍ فضربتُكَ به أكان يوجعك؟ قال: لا. فقال: فلو أخذت الترابَ ثمّ طرحتُ عليه التبن وصببتُ فوقهما الماء ثمّ مزجتها مزجاً, ثمّ جعلْتُ الكتلة في الشمس حتى يبست ثمّ ضربتك بها أكانت توجعُك؟ قال: نعم وقد تقتلني. فقال: هكذا شأن الخمر فهو حين جمعتْ أجزاؤه وخُمِّرَ حَرُمَ.

 

ولمّا وَلِيَ إياسٌ القضاء ظهرت له فيه مواقفُ تدّل على توقّد ذهنه, وسعة حيلته، وحدّة ذكائه وقدرته الفذّة في الكشف عن الحقائق. من ذلك أنّ رجلين تقاضيا عنده، فادّعى أحدَهُما أنّه أودع لدى صاحبه مالاً، فلمّا طلبه منه جحده. فسأل إياسٌ الرجلَ المدّعى عليه عن أمر الوديعة فأنكرها وقال: إنْ كانت لصاحبي حُجّةٌ فليأتِ بها, وإلاّ فليس له عليّ إلاّ اليمين.. فلمّا خاف إياسٌ أنْ يأكلَ الرجلُ المالَ بيمينهِ، التفت إلى المودِعِ وقال له: في أيّ مكانٍ أودعتَهُ المالَ؟ قال: في مكان كذا. فقال: وماذا يوجد في ذلك المكان؟ فقال: شجرة كبيرة جلسنا تحتها وتناولنا الطعام معاً في ظلّها.. ولمّا هممنا بالانصراف دفَعْتُ إليه المال. فقال له إياس: انطلق إلى المكان الذي فيه الشجرة فلعلّك إذا أتيتها ذكّرتْك أين وضعت مالك ونبّهتْك إلى مافعلته به، ثمّ عُد إليّ لتخبرني بما رأيت.

 

فانطلق الرجل إلى المكان، وقال إياس للمُدّعَى عليه: اجلسْ إلى أن يجيءَ صاحبُك فجلس. ثمّ التفت إياس إلى من عنده من المتقاضين وأخذ يقضي بينهم وهو يرقبُ الرجلَ بطَرْفٍ خفيّ.. حتى إذا رآه قد سكن واطمأنّ التفت إليه وبادره قائلاً: أتقدِّرُ أنَّ صاحبكَ قد بلغ الموضع الذي أودعَك فيه المال؟ فقال الرجل من غير رَوِيّة: كلاّ.. إنّه بعيد من هنا.

 

فقال له إياسٌ: ياعدوَّ الله تجحدُ المال، وتعرف المكان الذي أخذتَهُ فيه؟! والله إنّك لخائن. فَبُهِت الرجل وأقرَّ بخيانته, فحبسه حتّى جاء صاحبُه وأمره بردّ وديعته إليه.

 

ولمّا بلغ إياسُ بن معاوية المزنيّ السادسة والسبعين من عمره رأى نفسَهُ وأباه في المنام راكبين على فرسين فجريا معاً فلمْ يسبقْ أباه ولم يسبقهُ أبوه. وكان والده قد مات عن ستٍّ وسبعين سنة. وفي ذات ليلةٍ أوى إياسٌ إلى فراشه وقال لأهله: أتدرون أيّ ليلةٍ هذه؟ قالوا كلاّ . قال: في هذه الليلة استكمل أبي عُمُرَه. فلمّا أصبحوا وجدوه ميّتاً. رَحِمَ الله إياساً القاضي, فقد كان نادرةً من نوادر الزمان, وأعجوبة من أعاجيب الدهر في الفطنة والذكاء والبحث عن الحقّ والوصول إليه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...