البعد الإيماني في المجموعة المسرحية "السقوط" للكاتب السعودي محمد علي البدوي ـ رحمه الله ـ

أدب وفن » آراء وقراءات
17 - رجب - 1438 هـ| 14 - ابريل - 2017


1

المسرحية من الأجناس الأدبية المؤثرة كثيراً في المجتمع، ولذلك اهتم أدباء الإسلام في عصرنا الحاضر بها، واستطاعوا جلاء رؤيتهم الإسلامية عبرها، ومن هؤلاء الأدباء: علي أحمد باكثير، وعماد الدين خليل، ونجيب الكيلاني، وعلي الغريب، ومحمد علي البدوي ـ رحمه الله ـ، وغيرهم.

 

أما مجموعة (السقوط)؛ فهي مجموعة مسرحيات قصيرة، صدرت عام 1426هـ ضمن سلسة كتاب (البيان)، الذي تصدره مجلة (البيان)، وقد جاءت في سبعين صفحة من القطع المتوسط، مع مُقَدِّمة للأديب الدكتور حسين علي محمد ـ رحمه الله ـ، وضمت تسع مسرحيات.

 

الرحيل الصامت

عَرَفْتُ الكاتب السعودي الصديق محمد علي البدوي - يرحمه الله- قبل سنوات عديدة من رسائله الحميمة لي، ومسرحياته، واتصالاته، ولقائنا أخيراً بالمكتب الإقليمي برابطة الأدب الإسلامي العالمية بالرياض.

 

وقد نشرت له عِدَّة نصوص مسرحية وخواطر وقصص في مجلات: (الشقائق)، و(البيان)، و(الدعوة)، و(شباب)، و(الفرقان)، وموقع (الإسلام اليوم)، وغيرها. ولكن قبل أكثر من عشرة أعوام تقريباً: فُجِعْتُ برحيله الصامت الموجع، بعد مرضه الذي عانى منه كثيراً، وهو لم يجاوز الثلاثين من عمره.

 

نافذة على المجموعة

في مجموعة (السقوط) تسع مسرحيات، هي: (احتلال الكوكب الأحمر، حكاية السيدة نون، مقاتل من الفلوجة، حكاية أبي منقاش، السقوط، نار القصاص، البحث عن معتصم، الحضارة السوداء، الإمام)، ومنها: أربع مسرحيات تتحدث عن بغداد، والبقية تنوعت بين الفكرية والاجتماعية والدَّعويَّة، وتميَّزت المسرحيات بقصرها، ورموزها الشفيفة التي تجذب القارئ، وبعدها الواقعي بعفَوية وبساطة بعيدة عن التعقيد والترهُّل.

 

بغداد بين الماضي والحاضر

لم يكن الأديب محمد علي البدويّ، بمعْزِل عن هموم أمته الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، ولذا فإنه يتألم لِمَا آلتْ إليه أوضاعُها، وعجزِها أمام الأعداء.

 

ففي مسرحية: (احتلال الكوكب الأحمر) يدمغ حُجَج أمريكا في  احتلال العِرَاق قبل سنوات؛ إذ جاءت الأسبابُ واهيةً، والمَكْرُ خبيثاً، والأهداف مُتَعَدِّدَة؛ من طَمَعٍ وتَسَلُّطٍ على الشعوب الإسلامية، وكسر إرادتها، واستغلال ثرواتها، فالرئيس الأمريكي -كما جاء في المسرحية- لا يقيم وزناً لأحدٍ من أصدقائه، حتى بعد أن وَضَحَتِ النوايا الفاسدة الحاقدة، فهم لم يجدوا شيئاً من أسلحة الدمار الشامل المزعومة، لكن الحرب شُنَّتْ بكل هَوَس وحِقْد ودَمَار؛ لتلبية جميع أطماعهم، وإرضاءً لشركات السلاح التي زادت في إيراداتها بعد اشتعال الحرب، وهكذا نقرأ في المسرحية:

 

(وزير آخر: بالمناسبة لقد أرْسَلَتْ شركات السلاح دَعْماً إضافيّاً، وتَعَهَّدَت بدَعْمِنا في الانتخابات القادمة.

الرئيس: لابد أن تُفعّل هذه الحرب! لا تكسبها سِوى هذه الشركات الكريهة!!.

وزير الخارجية: إنها تجارة الموت، وهم تُجَّار الموت!.

الرئيس: ونحن سَمَاسرة الموت!.. ها.. ها...).

 

وتتميز هذه المسرحية بتكثيف عنصر التَّسَلُّط، وإرهاب الدولة الذي تُمَارسه أعظم دولة في عصرنا الحاضر. أمَّا بغداد؛ فلم يكن عجزها إلا صدى لعجز الأمة وتمزقها!.

 

وليست مسرحية (السقوط) إلا استقراءً لماضي بغداد وأحزانها،  وتكالُب الأعداء عليها من الداخل والخارج، حين سقطت بأيدي المغول عام 656هـ، ولقد كان لابن العلقمي الوزير الرافضي دورٌ كبير في إسقاطها، زمن الخليفة المستعصم، فوقع فيها من المذابح والدمار ما يعجز الوصف عنه؛ فهل يا تُرى يعيد التاريخ نفسه؟!

 

(حكاية أبي منقاش)

وتتحدث مسرحية (حكاية أبي منقاش) عن بطولة الفلاح العراقي  الذي أسقط طائرة (الأباتشي) الأمريكية، الذي أثار فرح الناس عامة، وقد سجد لله شُكراً وحمداً على هذا الإنجاز، ولكنه يحزن كثيراً بعد سقوط بغداد بيد الأمريكيين أخيراً.

 

أمَّا المفارقة في المسرحية؛ فهي أنه يضطر إلى الإنكار خوفاً من بطش قوات الاحتلال؛ إذ يَدَّعِي أمام قائد الاحتلال أنه أسقط حِدَأة (طائراً)، وليس طائرة! وتتجلى السخرية المُرَّة على لسانه في تأمل ما يجري.

 

واستطاع محمد علي البدوي - في هذه المسرحية- أن يُثْرِيَ المواقف في أكثر من مقطع؛ لنعيش هُمُوم الأُمة وجراحها، وكأنَّا نُرَدِّدُ أهازيجها مع البُسَطاء الفُقَراء:

يَا  أَبَا  منْقَاشَ،  أَحْسَنْتَ   فَزِدْ        فِعْلُكُمْ - يا ابن العُلا- فِعْلُ الأَسَدْ

(الأَبَاتْشِي)  أَنْتَ  مَنْ  أَسْقَطْتَهَا        بِرَصَاصٍ  مِثْلِ   حبَّاتِ   البَرَدْ!

شفافية الرمز

لدى الكاتب محمد علي البدوي - يرحمه الله- قُدْرَة واضحة في استخدام الرمز الشفيف في عناوين مسرحياته، وأسماء شخوصه؛ ففي مسرحية (حكاية السيدة نون) نجد أن الضمير  (نون) - نون النسوة- هو رمز للمرأة، ونرى بأنه رمز جزئي ذو دلالة خاصة، ولكن أديبنا مُحمد البدوي يوظفه في دلالة عامة لجميع النساء اللاَّتي يَسْعَيْنَ لتضخيم الذات المُتَسَلِّطَة، على حساب ثوابت الأمة وقيمها الفاضلة؛ فيُطالبن بحرية المرأة المزعومة، من تبرُّج، واختلاط، والسماح بالإجهاض، وغيرها.

 

وأما شخصية نوال - في المسرحية- فهي رمز نَيل المعاصي، ثم الانتحار أخيراً؛ لتنتهي المسرحية بهذه المأساة:

 

(صوت: وعاشت السيدة نوال بقية حياتها في ظلمات المعاصي، تُحَاول جَاهِدَة بعث هذه الحركة، تجوب أرجاء العالم، ترتمي في أحضان المُومِسَات، تطلب الدعم والعون، وتقود المظاهرات تِلْو المظاهرات، ولكنها، وبرغم كل ذلك لم تنجح، فقررت أخيراً أن تنتحر! وبالفعل أقدمت على فِعْلتها، وكان انتحارها مأساة أخرى. فلا حول ولا قوة إلا بالله. والحمد لله الذي عافانا).

 

وأرى أن المسرحية انتهت عند قوله (مأساة أخرى)، أما الحوقلة والحمد؛ فهو هذا الحس الإيماني واللجوء إلى الله، الذي يعبر عن فكر الكاتب ومشاعره، ومن فنية المسرحية وجماليتها: أن يترك ذلك للمشاهد أو المتلقين؛ فيحدث الأثر الذي يصافح وجدانهم، دون تدخل الكاتب.

 

وتفتح مسرحية (الحضارة السوداء) نافذتها من خاتمتها الإيمانية  ورؤيتها الدعوية؛ فعنوانها يرمز للحضارة الغربية الملوثة بالماديات، من أموال، وأضواء، وشهرة، وشهوات.. بعيداً عن تألق الروح وسموِّها.

 

أما شخصيتها الرئيسة؛ فهي (سالم)، الذي فتح (حانوتاً للسعادة الجاهزة!), وأعلن عنه في موقعه الإلكتروني: (الحاج سالم للسعادة الجاهزة!)، فيأتيه من الكبار والمشاهير ومنهم: (أرنست همنجواي) الروائي الأمريكي المشهور، وكذلك: (دايل كارنيجي) الكاتب العالمي صاحب مؤلف (دع القلق وابدأ الحياة)، والفنان العالمي: (فان جوخ) وكلهم أصحاب شهرة وأضواء وملايين، وهم يشكون من التعاسة، والقلق، والهموم؛ بل يعيشون في جحيم ما بعده جحيم!

 

وعندما يَصلون إلى سالم يتكالبون على الحصول على سر السعادة، ويتنافسون في كثرة الدفع لنيلها أولاً، أما سالم؛ فيخبرهم بعدم إمكانية الحصول على السعادة؛ لأنهم تأخروا كثيراً جدّاً:

 

(سالم: ها.. ها.. ها [يضحك] أشقياء.. لا يمكنكم الحصول على إكسير السعادة.

الجميع: لماذا؟

سالم: لأنكم تأخَّرْتم كثيراً.. كثيراً جدّاً.

الجميع: تأخرنا؟!

سالم: نعم، يا سادة! لقد انتحرتم.. اخترتم نهايتكم بأنفسكم.. الشُّهرة.. الأضواء.. المُعْجبين.. السيارات الفارِهَة.. والعِمَارات الفاخرة.. والأموال الطائلة.. لم تمنحكم السعادة.. أما أنا؛ فسِرُّ سعادتي في قلبي.. في إيماني بربي .. وقناعتي بدربي... في صلاتي... سعادتي في يدي. يَصْرخ: هيا انصرفوا.. لن أبيعكم سعادتي.. هيا.. هيا..

الجميع: لا .. لا .. لا).

 

صفاء التوحيد

أما مسرحية (الإمام)؛ فتقتبس مضمونها من نور التوحيد وصفائه، ويتآزر نسيجها بتضامُنِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب -في دعوته العظيمة- مع الإمام محمد بن سعود، الذي وَقَفَ بِكُلِّ قوته إلى جانب دعوة الشيخ، فأسس دولة سارت على نهج الإسلام، واحْتَكَمَتْ إلى شرعه حتى يومنا هذا، وما كان هذا ليتمَّ لولا توفيق الله، ونصره لمن يتمسك بشرعه:

 

(الإمام: أبايِعُكَ على أنَّ الدَّمَ بالدَّمِ، والهدمَ بالهدْمِ، ولا أخرج من بلادك.

ابن سعود: إذاً أبْشِر.. أبْشِر يا إمام بالنصرة والمساعدة!

الإمام: وأنت أبشر بالعِزَّة، والتَّمْكين، والعافية الحميدة).

(يبسط الإمام يده، ويبايعه الأمير ورجالُه، وترتفع الأصوات بالتهليل والتكبير).

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...