مزيد من الأدب.. مزيد من النقد!

أدب وفن » آراء وقراءات
22 - رجب - 1425 هـ| 07 - سبتمبر - 2004


يتحفنا الأستاذ الأديب د."أحمد البراء الأميري" بمقالاته الأدبية الجميلة، ونظراته الرائقة، فتجمع كتابته بين الأدب والمتعة والفائدة.

ومع استمتاعي بذلك كله ـ في مقالة له على صفحات موقع "لها أون لاين" (نشرت الأحد 6 رجب 1425) بعنوان "مزيد من الأدب" ـ لكني أستميح أديبنا الفاضل العذر في استدراكين:

أما الأول: فنقله قول ابن المقفع في كتابه "الأدب الصغير والأدب الكبير":

"لا تعتذرنَّ إلا إلى من يحبّ أن يجدَ لك عُذراً، ولا تستعيننَّ إلا بمن يُحبّ أن يُظفرك بحاجتِك، ولا تُحدِثَنَّ إلا من يرى حديثك مَغْنَماً، ما لم يغلبك اضطرار" اهـ.

ثم تعقيب أديبا بعده بقوله: "أمَّا أنا فأرى أن يعتذر المرء لمن أخطأ معه، وإن كان نذلاً، لا لكرامته، إنَّما لكرامة نفس الحرِّ عليه؛ ولأنّ الحق أحقُّ أن يُتبع" اهـ.

ففي رأيي ـ والله أعلم ـ أن كليهما مصيب؛ فأما قول أديبنا الأميري فهو الأصل لدى نبلاء الناس وذوي الخلق الرفيع في التعامل مع الخلق. وهو فيه محق.

ولكن يحمل قول ابن المقفع على لئام الطباع الذين يزيدهم الاعتذار عتوا وتنكيلا بمن اعتذر لهم؛ فيكون في الاعتذار لهم مفسدة للمعتذر والمعتذر إليه. يدل على ذلك قول ابن المقفع: "لا تعتذرنَّ إلا إلى من يحبّ أن يجدَ لك عُذراً"، فمن لا يحب أن يجد لك عذرا يتصيد الهفوة لتضخيمها، والاعتذار للتشفي!

ولست أعني بذلك إهدار حقه ـ وإن كان لئيما ـ بل يرد له حقه، لكن لا يبالغ في الاعتذار، ويحترز من إعانته على سوء الخلق والرد. 

أما الاستدراك الآخر ففي تعليق أديبنا الفاضل على قول ابن المقفع:

"إذا غرستَ من المعروف غَرْساً، وأنفقتَ عليه  نفقةً، فلا تضِنَنَّ في تربية ما غرست واستنمائه، فتذهبُ النفقةُ الأولى ضياعاً" اهـ.

قال أديبنا بعده: "وهذا قريب من الذي يتصدَّق بصدقةٍ، ثم يُبطل أجرها بالمنِّ والأذى". يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}. (ثم نقل قول الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسير هذه الآية).

وأرى ـ والله أعلم ـ أن الأولى حمل كلام ابن المقفع على تعاهد المعروف بالمزيد من البذل والإحسان، ووصل النفقة بأخرى؛ ليظل باب الأجر مفتوحا. خصوصا أن أديبنا الأميري بعدها يقول: وأقربُ إلى الآية الكريمة السابقة من قول ابن المقفع السابق قوله: "إذا كانت لك عند أحد صنيعة (أي: معروف)، أو كان لك عليه طَوْل (أي: فضل)، فالتمس إحياء ذلك بإماتته، وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصِرَنَّ في قلَّة المنّ به على أن تقول: لا أذكره، ولا أصغي بسمعي إلى من يذكره، فإنَّ هذا قد يستحيي منه بعضُ مَن لا يوصف بعقلٍ ولا كرم، ولكن احذر أن يكون في مجالستك إياه، وما تكلّمه به، أو تستعينُه عليه، أو تجاريه فيه، شيء من الاستطالة (أي: التفضّل)، فإنَّ الاستطالة تهدِم الصّنيعة، وتكدِّر المعروف".

فهذا دليل على أن بعض كلامه يفسره بعضه الآخر؛ فيحمل كلامه الملتبس على البيّن، إضافة إلى تغليب حسن الظن وتوجيه الكلام إلى أجمل المقاصد، عندما يكون موضوع الكلام هو الحكمة ولطائف أدب النفوس. وهو ما أشار إليه أديبنا الأميري في ختام مقالته قائلا: "ومن بديع الحكم قوله..." ثم ساق بعضها.

ولئن دلت وقفات أديبنا الفاضل على سمات جميلة من السمو الأخلاقي والأدب الرفيع؛ فما أردت باستدراكي إلا مزيدا من الرأي في توجيه النقد، بالتماس أوفر للمقاصد الصالحة للعبارة، وتفسير المشكل بالبيّن، وضم كليهما إلى الآخر؛ فيئتلف الكلام ويزول الإشكال، وتلتقي الأفكار.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...