الغربة الحقيقية!

أدب وفن » دوحة السرد
05 - ذو القعدة - 1424 هـ| 29 - ديسمبر - 2003


كانت تشعر بالرهبة الشديدة من فكرة البقاء في الخارج لمدة أربع سنوات متواصلة برفقة زوجها،وتخاف من تجربة الغربة خوفاً شديداً،فقد سمعت عن السفر إلى الخارج،ولم تكن قد مرّت بالتجربة من قبل،وكانت تحدّث نفسها بين الحين والآخر بأنها أوفر حظاً من غيرها،إذ إن سفرها سيكون لدولة إسلامية، فسيتغير المكان، وتفتقد الأهل، ولكنها ستسمع صوت الأذان عالياً، وسيكون جيرانها مسلمين، وسيلتحق أولادها بمدارس إسلامية بكل يسر وسهولة، وستحافظ على زيها وحجابها الإسلامي دون مضايقة من أحد، وسيكون لزوجها رفقة ترتاح لهم..

ولكنها سرعان ما تستشعر المخاوف مما سمعت وتسمع عن هذا البلد، سمعت عن حركة تحرير المرأة التي بدأت تؤتي ثمارها هناك، والقوانين الوضعية التي بدأت تحل مكان شرع الله تعالى في القضاء، والمدارس المختلطة، فكانت المشاعر المتناقضة تتجاذبها بين حين وآخر، ساعة تشعر بالرضا والقناعة، وساعة تعتصرها رهبة شديدة، كان بعض صديقاتها يعملن على بث الطمأنينة في نفسها، ويذكرنها بتجاربهن السابقة في كثير من دول العالم مع أزواجهن.

عاد إليها هدوؤها بعض الشيء، وأقنعت نفسها بضرورة التضحية من أجل الزوج والأولاد، وبدأت تعد العدة للرحيل، وتلملم حاجاتها وأغراض أطفالها، وتستعد لتسليم البيت كاملاً لصاحبه، وكانت قد أخطرت مديرتها في العمل بقرب رحيلها، وقد أخذت الإجراءات طريقها الرسمي لتسليم عهدتها في الوقت المحدد، وفي بعض اللحظات كانت تتوارد على ذهنها بعض الأفكار والخيالات، فهل ستجد رفقة مناسبة هناك.. أم أنها ستبقى طوال هذه السنوات حبيسة جدران البيت؟ كيف سيكون حالها مع جيرانها؟ وكيف ستكون توجهاتهم وطبائعهم؟ أسئلة كثيرة تتوالى على فكرها، تتوقع الإجابات في بعض الأحيان، وتلفها الحيرة في أحيانٍٍٍ أخرى، تطرد تلك الهواجس والأفكار، وتعاود العمل بكل همّة ونشاط، تحاول أن تنهي أعمالها في الوقت المناسب، وتحاول في نفس الوقت أن تنظم أغراضها بحيث لا تنسى شيئاً، فهي لا تعرف الظروف هناك، ولا تعرف هل الحصول على أغراض بديلة سيكون سهلاً أم لا.

حان موعد السفر، وحانت اللحظة التي خافتها كثيراً، ودّعت أهلها وأقاربها وصديقاتها، وأقلعت الطائرة المكتظة بالركاب، هديرها قوي يخلع القلوب الضعيفة من مكانها، لحظات ويستقر الحال، يتم الآن توزيع الصحف، تتناول إحداها لتنسى ما بين جوانحها من خوف ورهبة، بكاء بعض الأطفال في الطائرة أثار أعصابها، أطفالها بجانبها هادئون ويسألون بعض الأسئلة البريئة بين الحين والآخر، بعد قليل تناول الجميع طعام الغداء، وبعدها مشروب ساخن، شارفت الرحلة على نهايتها، فالمسافة لم تكن بعيدة جداً، والوقت المتوقع لم يكن أكثر من ساعتين، حان وقت الهبوط، كان وقتاً عصيباً شبيهاً بلحظات الإقلاع، لحظات ويهمُّ الجميع بالنزول، تتابع أطفالها، وتتأكد من حملها لجميع أغراضهم الشخصية، وتلحق بهم للنزول إلى أرض المطار.

وجوه غريبة، أزياء لم تألفها، زحام شديد، لافتات كُتبت عليها أسماء كثير من الفنادق، تجلس جانباً تترصد حركات صغارها، وتنظر إلى هذه الجموع بحيرة شديدة، لم تُفرّق في هذه اللحظات بين أهل البلد وغيرهم، ولم تكن بعد قد استوعبت شتات اللغات المختلفة، ولا هذا الخليط العجيب من البشر، مرّت الساعات بطيئة كئيبة وهي تنتظر زوجها، ذهب لإحضار الحقائب وللانتهاء من بعض الإجراءات الروتينية، عاد إليها وأشار إليها أن تتبعه، وخرج الجميع من المطار بسيارة أجرة واسعة، سارت على الطرقات بخفة وسرعة، أراضٍ شاسعة خالية من البناء، دقائق وتقترب من العمران، ويبدأ شكل العاصمة في الظهور شيئاً فشيئاً.

قرر زوجها البقاء لعدة أيام في سكن مؤقت، فلم يكن يعرف الأحياء المناسبة بعد للاستقرار في إحداها، أبدت ارتياحها لفكرته، وفرحت بهذه التجربة التمهيدية، فقد كانت تتمنى سكناً في حي قريب من مكان دراسته، والأهم أن تكون نوعية السكان فيه مناسبة، أيام قلائل ويقدم أوراقه مجدداً للدراسة، ويجدُّ في البحث عن سكن قريب ومناسب، عاد في أحد الأيام مبكراً وكأنه يزف لها البشرى، لقد وجد ما كان يصبو إليه، شاركته فرحته، ولكنها بين نفسها كانت تؤخر فرحتها بعد أن تجرّب الوضع بالفعل، بعد عدة أيام انتقل الجميع، المكان مريح، والحي هادئ، ومظهر السكان يدل على بوادر تدين والتزام، المدارس قريبة، وتسمع الأذان واضحاً ينادي لكل صلاة، مرّت الأيام الأولى بسلام، أولادها سعداء في مدارسهم الجديدة، ولكن ابنها البكر اعترض على وجود الفتيات معه في المدرسة، أما الصغير فكان مستغرباً لأنه وجد معلمة بدلاً من المعلم، تقبّلت ملاحظاتهم على مضض، ولم تخف سعادتها للهدوء الظاهر للوضع الجديد.

خرجت لأول مرّة برفقة زوجها وأولادها إلى سوق مركزي قريب، رأت التبرج والسفور بعينها، ولأول مرّة في حياتها بهذا الشكل العجيب، وما لبثت لحظات حتى لمحت نساء مع أزواجهن متلفعات بالسواد لا يكاد يظهر من الواحدة منهن سوى سواد عينيها من خلف نقاب سميك صغير الفتحات، شعرت بالحيرة مما رأت، وكانت تتساءل بينها وبين نفسها عن جنسية هؤلاء النسوة، وهل ينتمين إلى نفس البلد، كانت تسترق السمع إليهن وهن يتناقشن حول الأسعار، أو ينادين صغارهن، تريد أن تتأكد من لهجتهن، اللهجة هي ذاتها، منظر غريب لم تألفه عيناها، المكان مكتظ بالمتسوقين، وجلّهم من أهل البلد، والانقسام بدا واضحاً بينهم، تمسك واضح بالدين لبعضهن، ولباس ستر واحتشام، وخروج مع محارم، وأخريات على النقيض تماماً في نفس المكان.

عادت إلى البيت وهي تسأل نفسها عن جيرانها، وعن زملاء زوجها، وعن الناس الذين ستختلط بهم هنا، جاء الرد عليها سريعاً، طرق على الباب، ذهب زوجها ليستفهم الأمر، تسمع حديثه مع رجل ما، عاد سريعاً، أخبرها بدعوة جيرانهم لهم، تسمّرت في مكانها، أشار بيده مُطَمْئِنَاً لها وقال:

ـ ملتزمون جداً، لا تخافي.

ـ  وما أدراك عن ذلك؟ هل عرفت من حديثه للحظات؟

ـ أخبرني الرجل بأن اجتماعاتهم ليست مختلطة.

ـ  حقاً، الحمد لله، ومتى سنلبي دعوتهم؟

ـ غداً، إن شاء الله.

شعرت بالارتياح لهذا الخبر، وأخذها الحماس لهذا اللقاء، وانتظرت الغد بفارغ الصبر، وعندما حان الموعد استعدت بشكل لائق، وأعدت أطفالها، ألقت إليهم ببعض التعليمات، وذهب الجميع في الوقت المحدد، إلى شقة في نفس البناء، وجدوا الباب موارباً، أشار أحد الأطفال إليها بالدخول في اتجاه معين، وأشار لزوجها إلى جهة أخرى، التفتت إلى زوجها، وأشار إليها بدوره، أخذ ابنه الأكبر، وأمسك الآخرون بيدها، دخلت على استحياء، بهو جانبي صغير، فيه مجموعة من النساء، هبّت إحداهن لاستقبالها، إنها صاحبة البيت، دعتها إلى الجلوس، ألقت عليهن التحية وجلست، ابتسمت الحاضرات لها ورددن التحية، جلست صاحبة المنزل بجانبها، وسألتها عن أهلها وأولادها، شعرت بارتياح كبير للحاضرات، وما هي إلا دقائق حتى تحلّق الجميع حول إحدى النساء، ألقت عليهن موعظة قصيرة، وبعدها كان الالتفاف حول أخرى، تلاوات من كتاب الله، وتصويب للأخطاء، لم يكن لها دور في ذلك اليوم، وكان الجميع يشير إليها بأن دورها في المرّة القادمة، استشعرت في هذه اللحظات نسائم خير وبركة مع هؤلاء، وتمنّت من أعماقها لو أن هذه الجلسة تبقى لساعات وساعات، جاء الدور على أخرى.. شرح لبعض أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، إحداهن دعت الأطفال للحجرة المجاورة، تعالت الأصوات بأسئلة جميلة وهادفة، وصوت الصغار يتنافسون للإجابة والحصول على الهدايا البسيطة، وحان الدور لمسابقة نسائية سريعة، تعجبت للحماس، وانسجمت مع هذه الفئة المثقفة، وتم ختام الزيارة بمائدة بسيطة، واتفق الجميع على لقاء آخر بعد ثلاثة أيام في بيت آخر في نفس المبنى، وبعدها كان الانصراف التدريجي للجميع.

توالت اللقاءات، وبدأت تشعر بسعادة واستقرار نفسي بين هؤلاء، انشغل زوجها بدراسته، وانشغلت بدورها في تحصيل العلم في بيتها، ومع رفيقاتها، بدأت تشعر بازدياد حصيلتها العلمية، وتمكّنت من تلاوة كتاب الله بصورة صحيحة، ازداد حماسها يوماً بعد يوم، ولاحظت التغير على أولادها، دخلوا حلبة المنافسة مع أبناء الجيران، وتغيرت أساليبهم في الكلام، وصاروا يسألون بعضهم عمّا أُثير من أسئلة، ويُذكّرون بعضهم بالإجابات..

تذكرت مخاوفها السابقة، وابتسمت لوضعها الجديد، وشكرت الله كثيراً على هذا التوفيق، وأيقنت بالفعل أنها ليست في غربة، وأن الغربة الحقيقية هي غربة الدين..!

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


هيا الرشيد

ماجستير ثقافة إسلامية - جامعة الإمام

علامية وكاتبة سعودية

الرياض


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...